عندما تطرح شركة "أنثروبيك"، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أسهمها للاكتتاب العام في وقت لاحق من هذا العام، فمن المرجح أن يكون ذلك واحدا من أكبر الطروحات العامة في التاريخ. والسبب أن روبوت الدردشة التابع لها، "كلاود"، بات يحظى بشعبية واسعة بين المبرمجين، الذين يبدون استعدادا لدفع مبالغ كبيرة لقاء استخدامه. فمنذ إطلاق "كلاود كود"، وكيل الهندسة البرمجية، في فبراير/شباط 2025، تحول إلى أداة لا يكاد يستغني عنها كثير من المطورين حول العالم. وينطبق ذلك حتى على مطوري "أنثروبيك" أنفسهم، إذ تقول الشركة إن "كلاود" كتب أكثر من أربعة أخماس الشيفرة التي نشرتها في مايو/أيار، أما قبل إطلاقه، فكانت هذه النسبة "أقل من 10 في المئة".
ولم تتحسن هذه الأنظمة من حيث حجم المخرجات فحسب، بل من حيث جودتها أيضا. فثمة معيار مرجعي مؤثر صادر عن مؤسسة "تقييم النماذج وأبحاث التهديدات" (METR) البحثية، يبين أن نماذج "أنثروبيك" في مطلع 2025 كانت قادرة على إنجاز مهام لا يحتاج تنفيذها من المهندسين البشر إلا إلى أقل بقليل من ساعة. أما أحدث أنظمة الشركة، فباتت قادرة على أداء مهام كان إنجازها سيستغرق أكثر من يوم عمل كامل.
لذلك، قد لا يكون مستغربا أن يقابل المرء بشيء من الريبة دعوة الشركة، وهي في ذروة زخمها وتقدمها على منافسيها، إلى أن يمتلك العالم "خيار إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم أو إيقافه مؤقتا"، كما فعلت في 5 يونيو/حزيران. فأي شركة تقود السوق لا تتمنى، في قرارة نفسها، أن يكف منافسوها عن محاولة اللحاق بها؟
ومع ذلك، يبدو أن قادة "أنثروبيك"، الذين ظلوا لسنوات قلقين من احتمال أن يتسبب الذكاء الاصطناعي المنفلت بأضرار جسيمة، يتحدثون بجدية. فالجيل الأحدث من نماذج الذكاء الاصطناعي بات بارعا بدرجة لافتة في البرمجة والهندسة، وسيغدو قريبا كذلك في العلوم، إلى حد يدفع كثيرين إلى القلق من أن هذه النماذج قد تكون من بين آخر ما يصنعه البشر بأيديهم. ويرى جاك كلارك، الشريك المؤسس في "أنثروبيك"، أن هناك احتمالا يبلغ 60 في المئة لأن يصبح نظام ذكاء اصطناعي، بحلول نهاية 2028، قادرا على ابتكار خليفته من دون أي تدخل بشري.

وسيكون ذلك إيذانا ببدء عملية تعرف باسم "التحسين الذاتي التكراري"، وهي أشبه بحلقة مغلقة تنتج فيها النسخة الأولى من النظام نسخة ثانية أسرع وأكثر قدرة، ثم تنتج النسخة الثانية نسخة ثالثة تتفوق عليها بدورها. وتمضي الحلقة على هذا النحو، ويتراكم التحسين مع كل دورة جديدة. فإذا ظهر نظام ذكاء اصطناعي قادر على فعل ذلك، فلن يعود المهندسون البشر بحاجة إلى بناء نموذج آخر من جديد. ويقول كلارك: "ما قد يبدو لكثيرين ضربا من الخيال قد يكون، في الواقع، مسارا حقيقيا".



