بيرو... نموذج استثنائي للتناقض السياسي-الاقتصادي في أميركا اللاتينية

اقتصاد صامد في ظل فوضى سياسية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
تبتسم رئيسة بيرو كيكو فوجيموري خلال عرضٍ عسكري احتفالاً بالأعياد الوطنية للبلاد، في ليما، في 29 يوليو 2026

بيرو... نموذج استثنائي للتناقض السياسي-الاقتصادي في أميركا اللاتينية

أصبحت بيرو واحدة من أبرز التناقضات السياسية في أميركا اللاتينية؛ يسقط الرؤساء، وتتفكك الأحزاب، ويُحشد الناخبون في انتخابات تلو الأخرى، بينما يواصل الاقتصاد إظهار مستوى من الانضباط يبدو شبه منفصل عن الفوضى السياسية المحيطة به. فلا يقتصر السؤال الذي تطرحه انتخابات بيرو الأخيرة على من سيحكم، بل يتعداه إلى كيف يمكن للدولة أن تحافظ على مصداقيتها الاقتصادية الكلية في ظل تراجع سلطة نظامها السياسي.

وفي الثالث من يوليو/تموز، أُعلنت كيكو فوجيموري رئيسةً منتخبةً لبيرو في رابع محاولة لها للوصول إلى السلطة، وذلك بعد فرز دام أسابيع انتهى بفارق ضئيل للغاية، إلى أن تم تنصيبها في الثامن والعشرين من يوليو، لتحل محل الرئيس المؤقت خوسيه ماريا بالكاثار الذي يُعدّ تاسع رئيس تشهده البيرو في عشر سنوات.

ويختصر هذا الرقم المفارقة المركزية التي يتناولها هذا المقال، فهي تتولى مقاليد الحكم خلفاً لثلاثة رؤساء متتالين أُقيلوا جميعاً منذ 2025، من بينهم خوسيه خيري الذي أُطيح به في فبراير/شباط 2026 بعد أربعة أشهر فحسب من توليه السلطة.

كشفت جولة الإعادة التي جرت في يونيو/حزيران هذا التناقض بوضوح لا لبس فيه. فالمنافسة كانت محتدمة على نحو استثنائي بين كيكو فوجيموري، الزعيمة المحافظة لحزب "القوة الشعبية" وابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، وروبرتو سانشيز، عضو الكونغرس اليساري المرتبط بالمجال السياسي الذي فتحه بيدرو كاستيلو. وكاستيلو، هو معلم ريفي سابق ورئيس يساري، أقيل من منصبه عام 2022 بعد محاولته حل الكونغرس، في أزمة لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الانتخابي في البيرو.

وقد كشفت الجولة الأولى بدورها حجم الاغتراب عن العملية الديمقراطية، حيث امتنع أكثر من ستة ملايين بيروفي عن التصويت، رغم إلزاميته ، فيما تجاوز عدد الأصوات البيضاء والباطلة ثلاثة ملايين صوت. وفي حقل انتخابي مزدحم، لم يخرج أي من المرشحين النهائيين بتفويض واسع.

ولا يتعلق الأمر بمجرد مشهد انتخابي درامي، بل بأحدث تعبير عن أزمة تمثيل أعمق. فما زالت ببيرو تُجري انتخابات، غير أن هذه الانتخابات باتت أدوات قاصرة عن إنتاج سلطة قابلة للاستمرار. فقد تعاقب على البلاد رؤساء وقادة مؤقتون وفضائح فساد وتهديدات بالعزل واحتجاجات شعبية ومناورات برلمانية، دون أن تتمكن من إعادة بناء الأطر السياسية الوسيطة القادرة على وصل الناخبين بالمؤسسات. فالرئاسة قوية دستورياً، لكنها مكشوفة سياسياً، فيما يتمتع الكونغرس بموقع دستوري مركزي، رغم أنه فاقد للثقة على نطاق واسع.

أما الأحزاب، فتبدو أدوات تُجمّع حول مرشحين أو فصائل أو طموحات مؤقتة، لا منظمات راسخة ذات جذور.

جمهورية الأحزاب العابرة

ترجع جذور التقلبات الراهنة في بيرو إلى انهيار نظامها الحزبي خلال عهد فوجيموري وما بعده. فقد ضعفت الأحزاب القديمة التي كانت تنظّم المنافسة السياسية في ثمانينات القرن الماضي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وصعود سياسة المرشحين القادمين من خارج المؤسسة التقليدية. ثم جاء انقلاب فوجيموري الذاتي عام 1992 ليسرّع هذا التفكك، حين أظهر للسياسيين أن المؤسسات الديمقراطية يمكن تجاوزها، وأن النجاح الانتخابي لم يعد يتطلب تنظيماً حزبياً راسخاً. أعقبه مشهد من الحركات الشخصية، والهويات الواهية، والعلامات الانتخابية قصيرة العمر. وفي هذا المشهد، يصل الرؤساء إلى السلطة دون امتلاك القواعد التنظيمية اللازمة للحكم، بل ويصلون وحيدين.

فالفوز بالمنصب لا يعني بالضرورة قيادة أحزاب منضبطة، أو كتل تشريعية مستقرة، أو ائتلاف متماسك. ومن هذه العزلة البنيوية تنبع هشاشة بيرو أمام ضغوط الكونغرس. فالعزل، وهو رسمياً أداة للمساءلة، بات يستخدم على نحو متزايد كسلاح في المساومة السياسية. وفي الأنظمة الرئاسية المجزأة، لا يكفي البقاء في المنصب أن يكون الرئيس نزيهاً قانونياً أو متمتعاً بشرعية شعبية، بل يحتاج إلى درع تشريعي يحميه. وما إن ينهار هذا الدرع حتى يحول الكونغرس الإجراء الدستوري إلى سلاح سياسي.

أ.ف.ب
أفراد القوات المسلحة في بيرو خلال عرضٍ عسكري احتفالاً بالأعياد الوطنية للبلاد، في ليما، في 29 يوليو 2026

الفوز بالمنصب لا يعني بالضرورة قيادة أحزاب منضبطة، أو كتل تشريعية مستقرة، أو ائتلاف متماسك


ويقدم سقوط بيدرو بابلو كوتشينسكي، رئيس بيرو بين عامي 2016 و2018، مثالاً واضحاً. ففي عام 2016، تغلب كوتشينسكي بفارق ضئيل على كيكو فوجيموري، في وقت هيمن فيه حزب "القوة الشعبية" على الكونغرس. أما حزبه فلم يملك سوى عدد محدود من المقاعد، ما جعله رهينة مفاوضات هشة مع مشرعين معادين أو انتهازيين. وارتبطت نجاته الأولى من العزل بصفقة فصائلية داخل الفوجيموريسمو، سرعان ما انهارت. وكشفت استقالته قبل التصويت الثاني عن سمة أوسع في السياسة البيروفية، فالرئيس لا يُقاس بقوة القانون أو حصيلة الأداء وحدهما، ولا يبقى في منصبه إلا ما دام عدد كاف من المشرعين يرى في بقائه جدوى سياسية.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الهشاشة أمراً مألوفاً في بنية سياسية تحوّل فيها التغيير المتكرر للرؤساء إلى نظرة أوسع إلى الرئاسة بوصفها منصباً قابلاً للاستبدال، وعواقب ديمقراطية عميقة؛ تضعف الصلة بين الانتخابات والسلطة، وتشجع الانتهازية القصيرة الأجل داخل الكونغرس، وتعمّق الريبة الشعبية. فالناخبون يُطلب منهم اختيار رؤساء، ثم يظهر لهم النظام، مرة تلو أخرى، أن هؤلاء الرؤساء يمكن تحييدهم أو عزلهم أو استبدالهم قبل أن تستقر أي ولاية. وتبدو انتخابات 2026 حلقة أخرى في مسار أطول من الاستنزاف المؤسسي، لا بداية جديدة.

أ.ف.ب
"يشارك أحد مؤيدي رئيسة بيرو كيكو فوجيموري في عرضٍ عسكري احتفالاً بالأعياد الوطنية للبلاد، في ليما، في 29 يوليو 2026

تكمن المفارقة في حقيقة أن اقتصاد بيرو قاوم الانهيار الذي أشارت إليه سياساتها مراراً. واستفادت البلاد من شروط تجارية مواتية وأسعار معادن مرتفعة وسياسة نقدية منضبطة، ولا يزال دينها العام منخفضاً بالمعايير الإقليمية، واحتياطاتها الدولية في مستويات استثنائية، واستهداف التضخم يحظى بثقة كبيرة. لكن هذه المؤشرات، وإن لم تمحُ الأزمة السياسية، تكشف أن جزءاً من الدولة لا يزال يعمل بقواعد أكثر استقراراً من قيادتها المنتخبة.

والسبب ليس الحظ وحده، بل درع تكنوقراطي صمد أمام رحيل الرؤساء. فمنذ التسعينات، اكتسب خبراء وزارة الاقتصاد والمالية استقلالية وسلطة فرضتها أزمة التضخم المفرط في البداية وانهيار السوق، ثم رسّخها حفاظهم على نفوذهم بعد سقوط فوجيموري والعودة للديمقراطية التنافسية. حتى القادة المنتقدون للنموذج الاقتصادي وجدوا أن إزاحتهم تأتي بأثمان باهظة، فتحوّل الجهاز الاقتصادي الكلي إلى مرساة موثوقة وسط تقلب القيادة السياسية.

يفسّر إدواردو دارجنت عالم السياسة البيروفي المتخصص في التكنوقراطية والسياسات العامة هذا الثبات بأن سلطة الخبراء لا تستمد من السياسيين أو جماعات الأعمال أو المؤسسات المالية فحسب، بل من الخبرة نفسها: ففي الأنظمة السياسية الهشة، تخلق المعرفة التقنية اختلالاً في التوازن، فالوزراء غالباً مؤقتون، والأحزاب ضعيفة، ويفتقر معظم المسؤولين المنتخبين إلى الإلمام بالميزانيات والتمويل الخارجي والأنظمة الرقابية والمخاطر الاقتصادية، لذا يصبح التكنوقراط فاعلين مستقلين قادرين على تشكيل السياسات وكبح جماح السياسيين ورفع تكلفة التدخل غير المسؤول.

وقد توصل ألبرتو فيرغارا ودانيال إنسيناس الباحثان في السياسة البيروفية، إلى استنتاج مشابه: فاستمرارية المؤسسات في بيرو قامت على التوازن المتغير بين طبقة سياسية متقلبة وبيروقراطيين تقنيين متمكنين، إذ يفتقر الساعون لتغيير النموذج الاقتصادي في معظم الأحيان إلى الانضباط أو القوة السياسية اللازمة، بينما يحمي التكنوقراط والبيروقراطيون الاستمرارية بالقواعد المالية والإجراءات الإدارية، والالتزامات التجارية، وأقفال السياسات، وهذا يعني أن اقتصاد البيرو لم يكن محمياً بالاستقرار السياسي بقدر ما كان محمياً من السياسة.

السبب ليس الحظ وحده، بل درع تكنوقراطي صمد أمام رحيل الرؤساء. فمنذ التسعينات، اكتسب خبراء وزارة الاقتصاد والمالية استقلالية وسلطة فرضتها أزمة التضخم المفرط في البداية وانهيار السوق


اقتصاد صامد في دولة منهارة

حاجز عزل الاقتصاد عن السياسية حقيقي، وإن كان لا ينبغي الخلط بينه وبين قوةٍ مؤسسيةٍ أوسع. فالمصداقية الاقتصادية الكلية يمكن أن تتعايش مع ضعف التمثيل، والغضب الاجتماعي، وتفاوت قدرات الدولة. غير أن استقرار البيرو يظل استقراراً ضيقاً، لأنه يبلغ أقصى قوته في المواضع التي يكون فيها التأثير الديمقراطي في أضعف حالاته. يستطيع البنك المركزي، والسلطات المالية، والبيروقراطية الاقتصادية طمأنة المستثمرين، واحتواء التضخم، والحفاظ على الثقة الخارجية. إلا أن هذه الجهات لا تستطيع إعادة بناء الأحزاب، أو الحد من انعدام الثقة، أو إدارة المناطق المهمشة، أو إقناع المواطنين بأن الانتخابات تنتج تمثيلاً حقيقياً. وكلما ازداد عزل الاقتصاد عن السياسة، أصبح ضعف السياسة أكثر وضوحا.

كما أن هذا العزل لا يخلو من كلفة. فالأبحاث الحديثة عن عدم اليقين في السياسة الاقتصادية في البيرو تشير إلى أن عدم الاستقرار السياسي وانعدام الأمن القانوني ازدادا منذ عام 2016. خاصة في محطات الانتقال السياسي، والانتخابات، والصراعات المؤسسية، والأزمات. وله أيضاً آثار اقتصادية ملموسة، منها ضعف الناتج، وتراجع قيمة العملة، وانخفاض أسعار الفائدة المحلية القصيرة الأجل. وقد استوعبت البيرو حتى الآن الصدمات السياسية بمرونة استثنائية. غير أن الاستيعاب لا يعني الحصانة، إذ يمكن للاستقرار أن ينحني طويلاً قبل أن يتصدع.

ولهذا السبب تبدو انتخابات عام 2026 كاشفة إلى هذا الحد. فالرئيس البيروفي المقبل سيرث بلداً يبدو أداؤه الاقتصادي الكلي أقوى مما يوحي به اضطرابه السياسي، وتبدو فيه أسسه الديمقراطية أضعف مما تسمح به مؤشراته الاقتصادية. ولا يكمن الخطر في انهيار اقتصادي وشيك، بل في تطبيع دولة منقسمة بين نواة اقتصادية منضبطة وغلاف تمثيلي فاقد للمصداقية. وقد يحافظ هذا الانقسام على الثقة لفترة، وربما لسنوات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الشرعية إلى الأبد.

لذلك، تقدم مفارقة بيرو تحذيراً أوسع. فالمؤسسات الاقتصادية تستطيع الحفاظ على سلطتها وسط الفوضى السياسية، حتى حين تعجز عن إصلاح النظام المحيط بها. ويمكن للمرونة التكنوقراطية أن تكسب الوقت، وترسخ التوقعات، وتمنع الأزمة من التحول إلى انهيار شامل. لكنها لا تستطيع خلق أحزاب، أو استعادة الثقة، أو تحويل فوز انتخابي ضئيل إلى تفويض وطني. لا تزال البيرو قادرة على العمل، وهذا ما يجعل معضلتها المعلقة أكثر إلحاحاً: إلى متى يستطيع بلد أن يعتمد على مصداقيته الاقتصادية فيما تزداد سلطته الديمقراطية ضموراً مع كل انتخابات؟

font change