أصبحت بيرو واحدة من أبرز التناقضات السياسية في أميركا اللاتينية؛ يسقط الرؤساء، وتتفكك الأحزاب، ويُحشد الناخبون في انتخابات تلو الأخرى، بينما يواصل الاقتصاد إظهار مستوى من الانضباط يبدو شبه منفصل عن الفوضى السياسية المحيطة به. فلا يقتصر السؤال الذي تطرحه انتخابات بيرو الأخيرة على من سيحكم، بل يتعداه إلى كيف يمكن للدولة أن تحافظ على مصداقيتها الاقتصادية الكلية في ظل تراجع سلطة نظامها السياسي.
وفي الثالث من يوليو/تموز، أُعلنت كيكو فوجيموري رئيسةً منتخبةً لبيرو في رابع محاولة لها للوصول إلى السلطة، وذلك بعد فرز دام أسابيع انتهى بفارق ضئيل للغاية، إلى أن تم تنصيبها في الثامن والعشرين من يوليو، لتحل محل الرئيس المؤقت خوسيه ماريا بالكاثار الذي يُعدّ تاسع رئيس تشهده البيرو في عشر سنوات.
ويختصر هذا الرقم المفارقة المركزية التي يتناولها هذا المقال، فهي تتولى مقاليد الحكم خلفاً لثلاثة رؤساء متتالين أُقيلوا جميعاً منذ 2025، من بينهم خوسيه خيري الذي أُطيح به في فبراير/شباط 2026 بعد أربعة أشهر فحسب من توليه السلطة.
كشفت جولة الإعادة التي جرت في يونيو/حزيران هذا التناقض بوضوح لا لبس فيه. فالمنافسة كانت محتدمة على نحو استثنائي بين كيكو فوجيموري، الزعيمة المحافظة لحزب "القوة الشعبية" وابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، وروبرتو سانشيز، عضو الكونغرس اليساري المرتبط بالمجال السياسي الذي فتحه بيدرو كاستيلو. وكاستيلو، هو معلم ريفي سابق ورئيس يساري، أقيل من منصبه عام 2022 بعد محاولته حل الكونغرس، في أزمة لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الانتخابي في البيرو.
وقد كشفت الجولة الأولى بدورها حجم الاغتراب عن العملية الديمقراطية، حيث امتنع أكثر من ستة ملايين بيروفي عن التصويت، رغم إلزاميته ، فيما تجاوز عدد الأصوات البيضاء والباطلة ثلاثة ملايين صوت. وفي حقل انتخابي مزدحم، لم يخرج أي من المرشحين النهائيين بتفويض واسع.
ولا يتعلق الأمر بمجرد مشهد انتخابي درامي، بل بأحدث تعبير عن أزمة تمثيل أعمق. فما زالت ببيرو تُجري انتخابات، غير أن هذه الانتخابات باتت أدوات قاصرة عن إنتاج سلطة قابلة للاستمرار. فقد تعاقب على البلاد رؤساء وقادة مؤقتون وفضائح فساد وتهديدات بالعزل واحتجاجات شعبية ومناورات برلمانية، دون أن تتمكن من إعادة بناء الأطر السياسية الوسيطة القادرة على وصل الناخبين بالمؤسسات. فالرئاسة قوية دستورياً، لكنها مكشوفة سياسياً، فيما يتمتع الكونغرس بموقع دستوري مركزي، رغم أنه فاقد للثقة على نطاق واسع.
أما الأحزاب، فتبدو أدوات تُجمّع حول مرشحين أو فصائل أو طموحات مؤقتة، لا منظمات راسخة ذات جذور.
جمهورية الأحزاب العابرة
ترجع جذور التقلبات الراهنة في بيرو إلى انهيار نظامها الحزبي خلال عهد فوجيموري وما بعده. فقد ضعفت الأحزاب القديمة التي كانت تنظّم المنافسة السياسية في ثمانينات القرن الماضي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وصعود سياسة المرشحين القادمين من خارج المؤسسة التقليدية. ثم جاء انقلاب فوجيموري الذاتي عام 1992 ليسرّع هذا التفكك، حين أظهر للسياسيين أن المؤسسات الديمقراطية يمكن تجاوزها، وأن النجاح الانتخابي لم يعد يتطلب تنظيماً حزبياً راسخاً. أعقبه مشهد من الحركات الشخصية، والهويات الواهية، والعلامات الانتخابية قصيرة العمر. وفي هذا المشهد، يصل الرؤساء إلى السلطة دون امتلاك القواعد التنظيمية اللازمة للحكم، بل ويصلون وحيدين.
فالفوز بالمنصب لا يعني بالضرورة قيادة أحزاب منضبطة، أو كتل تشريعية مستقرة، أو ائتلاف متماسك. ومن هذه العزلة البنيوية تنبع هشاشة بيرو أمام ضغوط الكونغرس. فالعزل، وهو رسمياً أداة للمساءلة، بات يستخدم على نحو متزايد كسلاح في المساومة السياسية. وفي الأنظمة الرئاسية المجزأة، لا يكفي البقاء في المنصب أن يكون الرئيس نزيهاً قانونياً أو متمتعاً بشرعية شعبية، بل يحتاج إلى درع تشريعي يحميه. وما إن ينهار هذا الدرع حتى يحول الكونغرس الإجراء الدستوري إلى سلاح سياسي.

