فرضت الكاميرا منذ نشأة السينما، شأنها شأن أمها الأصل الفوتوغرافيا، شرطا فيزيائيا صارما على الصورة المتحركة، إذ يلتقط الضوء المنعكس عن جسم حاضر أمام العدسة أثرا كيميائيا أو رقميا يحفظ زمن الحدث ومكانه. وفقا لهذا الرابط الفيزيائي، فالسينما، بحسب أندريه بازان، لا تحدث أي انفصال بين الصورة وموضوعها، إذ أن الصورة الفوتوغرافية نفسها تعد امتدادا للكائن أو الغرض نفسه، متحررة من قيود الزمان والمكان اللذين يحكمانه، فهي شاهد على ما وقع، بينما الصورة المتحركة تهب ما وقع زمنية الوقوع عينه، عبر الحركة أو، في تعبير دولوز، "الحركة-الزمن".
صورة بلا عين
غير أن الأثر الفوتوغرافي، رغم تكراره وتوزيعه، يبقى مشدودا إلى حادثة حقيقية وقعت أمام العدسة يوما، وهو ما يحفظ للصورة السينمائية، مهما استنسخت، خيطا رفيعا يربطها بالواقع، مما يضعها تبعا لنظرة آلان دونو موضع "المفارقة"، وهي مسألة تهب مجموعة من الإنتاجات السينمائية حسها الفلسفي، إذ أنها صورة آلية لواقع مضى تجعله واقعا حاصلا في وقت عرضه. وقد ميز والتر بنيامين، في هذا السياق، بين قيمة طقسية تلازم العمل الفني في أصله الأول، وقيمة عرض تكتسبها الصورة حين تنفصل عن ذلك الأصل وتتوزع على جمهور واسع، مرجحا كفة القيمة الثانية مع اتساع وسائل الاستنساخ. وتحمل هذه التفرقة دلالة مضاعفة، في سياق الصورة الاصطناعية اليوم، حيث إلى جانب فقدان الصورة -سينمائيا- طقسها الأول، باتت مهددة بفقدان الحادثة نفسها التي تستمد منها قيمة عرضها.
وهو ما يجعل من الصورة الفوتوغرافية في هذه الحال، علامة دليلية على شاكلة أثر القدم في الرمل أو بصمة الإصبع على الزجاج، ترتبط بموضوعها ارتباطا فيزيائيا مباشرا لا يقوم على شبه بصري فحسب، وذلك بخلاف الرسم الذي يقوم أصلا على تشابه متعمد تصنعه يد الرسام. غير أنه، وبخلاف الأنساق التصويرية الثلاثة، أي الرسم والفوتوغرافيا والسينما، فالصورة المولدة اليوم لا تحمل أثرا دليليا لأي جسم واقعي، ولا هالة طقسية لحادثة وحيدة، وتنتج بدلا من ذلك صورا تعمد إلى المماثلة، رغم أنها تظهر بلغة الفيلم وحركته. فهي وليدة اللامرجع واللاواقع الذي تسعى لمضاهاته، عبر عمليات حسابية معقدة، لا تترصد ما يقع ولكن تختلقه عبر مجموعة من عمليات المماثلة الاصطناعية (Simulation) الناتجة من معادلات رياضية، لا خيال فيها ولا منطق حسي ولا عاطفة ولا حلم ولا ألم ولا رؤية ذاتية للعالم نتاج التجربة والخبرة، وهو المنطلق البشري الذي يقوم عليه كل فعل إبداعي.



