هل سيختفي المخرج في الأفلام المولدة بالذكاء الاصطناعي؟

اختلاق الصورة في غياب العين

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

هل سيختفي المخرج في الأفلام المولدة بالذكاء الاصطناعي؟

فرضت الكاميرا منذ نشأة السينما، شأنها شأن أمها الأصل الفوتوغرافيا، شرطا فيزيائيا صارما على الصورة المتحركة، إذ يلتقط الضوء المنعكس عن جسم حاضر أمام العدسة أثرا كيميائيا أو رقميا يحفظ زمن الحدث ومكانه. وفقا لهذا الرابط الفيزيائي، فالسينما، بحسب أندريه بازان، لا تحدث أي انفصال بين الصورة وموضوعها، إذ أن الصورة الفوتوغرافية نفسها تعد امتدادا للكائن أو الغرض نفسه، متحررة من قيود الزمان والمكان اللذين يحكمانه، فهي شاهد على ما وقع، بينما الصورة المتحركة تهب ما وقع زمنية الوقوع عينه، عبر الحركة أو، في تعبير دولوز، "الحركة-الزمن".

صورة بلا عين

غير أن الأثر الفوتوغرافي، رغم تكراره وتوزيعه، يبقى مشدودا إلى حادثة حقيقية وقعت أمام العدسة يوما، وهو ما يحفظ للصورة السينمائية، مهما استنسخت، خيطا رفيعا يربطها بالواقع، مما يضعها تبعا لنظرة آلان دونو موضع "المفارقة"، وهي مسألة تهب مجموعة من الإنتاجات السينمائية حسها الفلسفي، إذ أنها صورة آلية لواقع مضى تجعله واقعا حاصلا في وقت عرضه. وقد ميز والتر بنيامين، في هذا السياق، بين قيمة طقسية تلازم العمل الفني في أصله الأول، وقيمة عرض تكتسبها الصورة حين تنفصل عن ذلك الأصل وتتوزع على جمهور واسع، مرجحا كفة القيمة الثانية مع اتساع وسائل الاستنساخ. وتحمل هذه التفرقة دلالة مضاعفة، في سياق الصورة الاصطناعية اليوم، حيث إلى جانب فقدان الصورة -سينمائيا- طقسها الأول، باتت مهددة بفقدان الحادثة نفسها التي تستمد منها قيمة عرضها.

وهو ما يجعل من الصورة الفوتوغرافية في هذه الحال، علامة دليلية على شاكلة أثر القدم في الرمل أو بصمة الإصبع على الزجاج، ترتبط بموضوعها ارتباطا فيزيائيا مباشرا لا يقوم على شبه بصري فحسب، وذلك بخلاف الرسم الذي يقوم أصلا على تشابه متعمد تصنعه يد الرسام. غير أنه، وبخلاف الأنساق التصويرية الثلاثة، أي الرسم والفوتوغرافيا والسينما، فالصورة المولدة اليوم لا تحمل أثرا دليليا لأي جسم واقعي، ولا هالة طقسية لحادثة وحيدة، وتنتج بدلا من ذلك صورا تعمد إلى المماثلة، رغم أنها تظهر بلغة الفيلم وحركته. فهي وليدة اللامرجع واللاواقع الذي تسعى لمضاهاته، عبر عمليات حسابية معقدة، لا تترصد ما يقع ولكن تختلقه عبر مجموعة من عمليات المماثلة الاصطناعية (Simulation) الناتجة من معادلات رياضية، لا خيال فيها ولا منطق حسي ولا عاطفة ولا حلم ولا ألم ولا رؤية ذاتية للعالم نتاج التجربة والخبرة، وهو المنطلق البشري الذي يقوم عليه كل فعل إبداعي.

الصورة المولدة اليوم لا تحمل أثرا دليليا لأي جسم واقعي، ولا هالة طقسية لحادثة وحيدة، وتنتج بدلا من ذلك صورا تعمد إلى المماثلة، رغم أنها تظهر بلغة الفيلم وحركته

لقد قطعت الخوارزميات هذا الخيط الأخير. فأعادت نماذج توليد الفيديو من النص، المعروفة اختصارا بـ (Text-to-Video Generation)، صوغ الشرط التصويري من جذوره خلال السنوات الأخيرة، إذ تعتمد على شبكات تعلم عميق تدرب على كميات ضخمة من مقاطع الفيديو المرفقة بأوصاف نصية، فتستخلص منها العلاقة الإحصائية بين الكلمة والحركة، وبين الجملة والمشهد، دون حاجة إلى حادثة واحدة وقعت أمام عدسة فعلية، وإن انتقلت جودة المشاهد المولدة من صور مشوشة متقطعة إلى لقطات متماسكة زمنيا تحاكي حركة الكاميرا الحقيقية، حتى بدت العين المجردة عاجزة أحيانا عن التمييز بين مشهد مصور ومشهد متخيل، فالآلة ليس في مقدورها امتلاك حس وتجربة يجعلانها تنسج تصورا للعالم.

أفلام مولدة بالذكاء الاصطناعي

غير أن هذه السلاسة البصرية تخفي هشاشة أعمق، تتجاوز مسألة الشكل إلى مسألة الفهم. فقد صمم فريق من الباحثين معيار VideoPhy لاختبار مدى التزام الفيديوهات المولدة المنطق الفيزيائي للأنشطة اليومية، كتدحرج كرة زجاجية على سطح مائل أو تفاعل سائل بسائل، وخلص إلى أن النماذج الحالية، رغم قدرتها على محاكاة الحركة والضوء بدقة مبهرة، تظل بعيدة عن التصرف كمحاكيات موثوق بها للعالم المادي. ويكشف هذا الخلل أن النموذج التوليدي لا يرى العالم، ويكتفي باستنتاج احتمال تتابع بصري بناء على أنماط تعلمها من ملايين المقاطع، فيغيب عنه الإدراك الحسي الذي يملكه المصور حين يقف أمام مشهد حقيقي ويستشعر ثقل الجسم واتجاه الضوء وسرعة السقوط. وتكمن المفارقة في أن هذا الغياب لا يظهر عادة في اللقطة الواحدة الهادئة، إذ يتقن النموذج محاكاة سكونها، ويبرز بدلا من ذلك في تفاصيل الحركة الدقيقة والتفاعل بين الأجسام، حيث تنكشف الفجوة بين صورة تشبه الواقع وصورة تفهم قوانينه. وتحول بذلك الفعل السينمائي من تسجيل واقعة حاضرة إلى تخييل احتمالات بصرية غائبة، فحلت الخوارزمية محل العدسة، وحل الاحتمال الإحصائي محل الحضور الفيزيائي الذي بنى عليه بازان أطروحته، وبقيت هالة بنيامين ذاتها مهددة بالتلاشي الكامل هذه المرة، إذ لم يعد للصورة أصل واحد تحيل عليه.

الفيلم من نص فقط

بلغت تقنيات تحويل النص إلى فيديو، درجة متقدمة من إنتاج مشاهد متحركة تحاكي حركة الكاميرا واتساق الإضاءة عبر اللقطات المتتالية، لكن هذا التقدم التقني كشف، كلما اقترب من الإتقان، عمق المشكلة الحقيقية التي يواجهها. فلم تعد المسألة الجديدة تنحصر في جودة الصورة وحدها، إذ تمتد إلى قدرة النموذج على تمثيل الخصوصيات الثقافية والطقوس والعادات والأشياء المحلية بدقة، وهي مسألة تبرز أبحاثٌ أجريت سنة 2026 اتساعها. فقد صمم فريق بحثي منصة CultureVidBench لتقييم الفهم الثقافي في نماذج توليد الفيديو عبر اختبار سبعة نماذج، فوجد أن هذه النماذج تحقق تماسكا دلاليا وجودة بصرية مرتفعة، في حين تفشل في التقاط التفاصيل الثقافية الدقيقة الخاصة بالمناطق والطقوس والدلالات البصرية المتعددة الوسائط.

وقد اعتمد هذا الفريق في الحكم على هذه الدرجات مقيمين بشريين حقيقيين إلى جانب تقييم آلي، وهو ما يمنح النتائج ثقلا منهجيا يتجاوز القياس الرقمي الصرف إلى الحس الثقافي الحي للمشاهد. وتكرر هذا العطب نفسه في دراسة موازية بيّن باحثوها أن معيار CultureScore يرصد ميل النماذج التوليدية إلى تصوير أشخاص من زوايا خلفية أو مائلة، فتحجب بذلك ملامح الوجه وتفاصيل اللباس المحددة ثقافيا، وهو ما يفسر انخفاض درجات الدقة الثقافية عبر مختلف السيناريوهات المختبرة.

تحجب ملامح الوجه وتفاصيل اللباس المحددة ثقافيا، وهو ما يفسر انخفاض درجات الدقة الثقافية عبر مختلف السيناريوهات المختبرة

ويبدو هذا الميل البصري امتدادا رقميا لسؤال قديم طرحته السينما نفسها منذ عقودها الأولى، مفاده هل تصور الكاميرا العالم كما هو، أم كما تعلمت أن تراه؟ فحين تدرب الخوارزمية على مجموعات بيانات يهيمن عليها إنتاج بصري غربي أو حضري في غالبه، تتحول هذه الهيمنة الإحصائية إلى معيار ضمني للطبيعي والمألوف، فيصبح كل ما يخرج عنه استثناء يصعب توليده بدقة، ويتحول التنوع الثقافي نفسه من غنى بصري إلى عبء إحصائي يصعب على النموذج استيعابه. ولا يقتصر هذا القصور على تمثيل الوجوه، إذ يمتد إلى فهم السياق الاجتماعي للفعل نفسه.

 Jamie McCarthy / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
تيمور بيكمامبيتوف خلال العرض الأول لفيلم "رحمة" في نيويورك، 20 يناير 2026

يضعنا هذا المعطى إزاء سؤال إشكالي محوري يتجاوز حدود المختبر التقني إلى صميم الحقل الجمالي، فإذا أمكن إنتاج مشهد سينمائي كامل من جملة مكتوبة، أين يبدأ عمل المخرج فعليا؟ وأين يقع محل العين صانعة الصورة والفن، حين تستبدل الرؤية الفردية بذاكرة إحصائية جماعية مكونة من ملايين اللقطات المجهولة المصدر؟ وهل تنسحب يد المبدع من العملية الإبداعية بالكامل، أم تنتقل إلى موقع جديد يستدعي مساءلة مستمرة لكل ما تقترحه الآلة من صور جاهزة قبل قبولها أو تعديلها أو رفضها؟ ويصبح الاختيار الثقافي والجمالي، في هذا السياق، فعلا مقاوما بقدر ما هو فعل إبداعي، إذ يفرض على صانع الفيلم مساءلة كل تفصيل يقترحه النموذج بدل التسليم به على أنه حياد تقني خالص.

العين الغائبة: من يوجه النظر حين تبصر الآلة؟

يعيد ظهور أفلام منتجة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي طرح سؤال المؤلف السينمائي من زاوية جديدة، تتجاوز الجدال القديم حول تقنيات المونتاج والتصوير إلى جدال أعمق حول موقع الإرادة نفسها داخل العملية الإبداعية. إذ أخرج الأخوان آش وبويا كوشا فيلم Dreams of Violets معتمدين كليا على أدوات التوليد البصري، مستندين إلى تقارير صحافية وشهادات عيان لتوثيق أحداث واقعية دون تصوير مباشر لأي مشهد. ويرصد تقرير بحثي نشره مشروع Dream Machine عددا متزايدا من الأفلام المولدة كليا أو جزئيا، من فيلم Watch the Skies السويدي المدبلج بالكامل بالذكاء الاصطناعي، إلى الفيلم القصير التونسي Lily الفائز بجائزة دبي للفيلم الذكي. ولم يقتصر هذا الجدال على المشهد وحده، إذ امتد إلى الممثل نفسه، حين دافع مخرج فيلم Wanted تيمور بكمامبيتوف عن مشروعه لتدريب ممثلين افتراضيين يعملون بالذكاء الاصطناعي بميزانية تقارب خمسة ملايين دولار، معتبرا هذا التوجه واقعا لا مفر منه يستوجب تدريبا مسؤولا، في وقت طالبت فيه أصوات أخرى في الصناعة الممثلين البشريين بتحصين حضورهم عبر توثيق ملامحهم رقميا قبل فوات الأوان.

Credit: Fountain 0
"أحلام البنفسج"، (2026)

يكاد المصور الفوتوغرافي لا يخترع الصورة من عدم، إذ يلعب داخل حدود رسمتها هندسة الجهاز وبرمجته مسبقا، تماما كما يلعب لاعب الشطرنج داخل قواعد اللعبة لا خارجها، فيبدو حرا في اختياراته بينما تظل هذه الاختيارات محصورة سلفا داخل مجموعة احتمالات رسمها المصمم قبل أن يلمس المصور الجهاز. وعليه ينطبق هذا الوصف للكاميرا الميكانيكية البسيطة بقوة أكبر على النموذج التوليدي، الذي يحمل بدوره برنامجا مشفرا في بنيته الإحصائية يحدد سلفا ما يمكن توليده وما يصعب توليده، فيوجه اختيارات المستخدم قبل أن يكتب هذا الأخير جملته الأولى، ويحول حرية الكتابة الظاهرة إلى تفاوض دائم مع منطق خفي مغروس في بنية النموذج نفسه.

تصبح العين البشرية عينا ثانية تراجع ما أنتجته عين الآلة الأولى، لا عينا أصلية تلتقط المشهد من الواقع مباشرة

وهو ما يجعل من موقع الفنان الذي يستخدم أدوات التوليد موقع المخرج التقليدي، حيث أن كليهما يعمل أساسا عبر التفويض والتوجيه لا عبر التنفيذ المباشر، فالمخرج لا يمسك الكاميرا بيده، غير أنه يحدد ما تراه، تماما كما يوجه صانع الفيلم التوليدي النموذج نحو مشهد بعينه دون أن يرسم بيده خطا واحدا من خطوطه. تكاد تشكل هذه المقارنة مخرجا نظريا محتملا من المأزق الحاصل، إذ تنقل موقع الإبداع من فعل التسجيل اليدوي إلى فعل الاختيار والتصفية والتوجيه المستمر لمخرجات النموذج، بحيث تصبح العين البشرية عينا ثانية تراجع ما أنتجته عين الآلة الأولى، لا عينا أصلية تلتقط المشهد من الواقع مباشرة. ويحمل هذا الانتقال ثمنه الخاص، إذ يظل السؤال عن حدود هذا التوجيه، وعن مصير الحس الجمالي الفردي داخل صورة لم تلمسها عدسة قط ولم يقف خلفها جسد حي واحد، مفتوحا أمام بحث نقدي متجدد يستدعي إعادة صوغ أدوات النقد السينمائي نفسها لا الاكتفاء بتطبيقها على واقع لم تصمم من أجله.

font change