أوروبا تحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية… سابقة أبعد من كلفتها الاقتصادية

تحوّل في الموقف الأوروبي السياسي إلى ضغط اقتصادي على إسرائيل

المجلة
المجلة

أوروبا تحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية… سابقة أبعد من كلفتها الاقتصادية

لم تعد القيود الأوروبية والدولية على السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية مجرد بيانات سياسية أو دعوات للمقاطعة. ففي 8 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات وطنية لحظر التجارة في السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، فيما أبدت دول أوروبية أخرى، بينها الدانمارك وفنلندا وأيسلندا وإيرلندا والنروج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، دعمها لتحرك مماثل أو استعدادها لاتخاذ إجراءات وطنية في هذا الاتجاه.

جاء التحرك في بيان مشترك لـ12 دولة، استند إلى القلق من توسع النشاط الاستيطاني وتدهور الوضع في الضفة الغربية، ودعا إلى مزيد من الإجراءات للحد من التجارة المرتبطة بالمستوطنات.

وبعد هذا الإجراء، قالت إسرائيل إنها ستغلق قنصليتها البريطانية في القدس الشرقية. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن بريطانيا لن تشارك بعد الآن في بعثة التنسيق التي تقودها الولايات المتحدة في شأن غزة، كما سيُمنع بعض المسؤولين البريطانيين، بمن فيهم زعيم حزب العمال البريطاني السابق جيريمي كوربين، إلى جانب مواطنين من دول أخرى، من دخول إسرائيل. وقال ساعر: "الخطوة البريطانية مشوهة أخلاقيا، وتشكل تدخلا سافرا في شؤون دولة ذات سيادة وفي عمليتها الانتخابية"، واصفا تصريحات وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند في شأن ارتكاب إسرائيل تطهيرا عرقيا في حق الفلسطينيين بأنها اتهامات تمثل "أكاذيب فاضحة ومشينة".

تشير المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي كان أكبر شريك تجاري لإسرائيل في 2025، إذ استحوذ على 31.7 في المئة من إجمالي تجارة إسرائيل السلعية مع العالم

تأتي هذه الخطوة البريطانية بعدما سبقتها دول أوروبية إلى اتخاذ إجراءات متفاوتة في نطاقها ضد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية. ففي إسبانيا، نص المرسوم الملكي بقانون رقم 10/2025 الصادر في 23 سبتمبر/أيلول 2025 صراحة على حظر استيراد المنتجات ذات المنشأ في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أما أيرلندا، فقد وقّعت الرئيسة كاثرين كونولي في 23 يوليو/تموز 2026 قانون "حظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة" لعام 2026، ليحظر دخول تلك السلع إلى البلاد، من دون أن يشمل الخدمات.

وفي هولندا، نشرت السلطات في 21 يوليو/تموز 2026 تدبيرا تجاريا يدخل حيز التنفيذ في 22 سبتمبر/أيلول، ويحظر استيراد وشراء وبيع السلع من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما يحظر خدمات الوساطة التي تتيح هذه التجارة ومحاولات الالتفاف على القيود. وتؤكد الجمارك الهولندية أن السلع المشمولة بالحظر لا يجوز طرحها في السوق الهولندية بعد بدء تطبيقه، وأنها ستراقب التزام التدبير عند الاستيراد. ويسمح النظام، في المقابل، بمرور هذه السلع عبر هولندا إلى دولة عضو أخرى في الاتحاد الأوروبي أو بتخزينها في مستودع جمركي، من دون إدخالها إلى السوق الهولندية.

وفي بلجيكا، وافق مجلس الوزراء في 18 يوليو/تموز 2026 على مشروع مرسوم ملكي لإدخال نظام خاص للسلع من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، ضمن آليات التراخيص والرقابة والعقوبات القائمة. ولا يزال الإجراء في هذه المرحلة مشروعا تنظيميا، إذ أُحيل على مجلس الدولة لإبداء الرأي، مع فترة انتقالية مدتها 120 يوما قبل بدء تطبيقه. بذلك، لا يمثل الإجراء البلجيكي في هذه المرحلة حظرا نافذا، وإن كان ينص على رفض تراخيص الاستيراد بصورة منهجية عندما تثبت الوثائق أو يوجد اشتباه معقول في أن السلع مصدرها مستوطنة إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكن من الضروري التمييز بين هذه القرارات الوطنية وبين سياسة الاتحاد الأوروبي ككل. فلا يوجد حتى الآن حظر موحد على مستوى التكتل الأوروبي على استيراد منتجات المستوطنات. وفي المقابل، يطبق الاتحاد الأوروبي منذ 1 فبراير/شباط 2005 آلية جمركية تميز بين المنتجات ذات المنشأ في إسرائيل وتلك المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي التي وضعت تحت الإدارة الإسرائيلية منذ يونيو/حزيران 1967. إذ لا تستفيد الأخيرة من المعاملة الجمركية التفضيلية الممنوحة بموجب اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وتستند هذه الآلية إلى ترتيب فني يلزم شهادات المنشأ الإسرائيلية بيان اسم وموقع، بما في ذلك الرمز البريدي، لمكان الإنتاج، بما يسمح لسلطات الجمارك الأوروبية بالتحقق من أهلية السلعة للاستفادة من التفضيلات الجمركية.

رويترز
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، يتحدث أمام مجلس العموم في لندن، بريطانيا، 8 سبتمبر/أيلول 2026

وهكذا، فإن التطور الجديد لا يتمثل في أن أوروبا بدأت للمرة الأولى تميز بين إسرائيل ومستوطناتها، بل في أن عددا متزايدا من الدول ينتقل من حرمان تلك المنتجات من التفضيل الجمركي إلى منع استيرادها أو تداولها في أسواق وطنية محددة.

وتستند هذه التحركات أيضاً إلى سياق قانوني دولي أوسع. ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعت إسرائيل إلى إنهاء هذا الوجود في أسرع وقت ممكن، والوقف الفوري لجميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة وإجلاء جميع المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما رأت المحكمة، بأغلبية 12 صوتاً مقابل 3، أن على جميع الدول عدم الاعتراف بالوضع القانوني الناشئ عن الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وألا تقدم العون أو المساعدة في الإبقاء على الوضع الذي أوجده هذا الوجود.

السوق الأوروبية ضخمة... لكن وزن المستوطنات ضئيل

تكمن المفارقة الأساسية في أن أهمية السوق الأوروبية للاقتصاد الإسرائيلي لا تعني بالضرورة أن حظر السلع الاستيطانية يمثل ضربة كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي ككل. وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي كان أكبر شريك تجاري لإسرائيل في 2025، إذ استحوذ على 31.7 في المئة من إجمالي تجارة إسرائيل السلعية مع العالم.

وبلغت التجارة السلعية بين الطرفين 43.3 مليار يورو، منها 15.3 مليار يورو واردات أوروبية من إسرائيل و28 مليار يورو صادرات أوروبية إليها. كما ذهب 29.4 في المئة من الصادرات السلعية الإسرائيلية إلى التكتل الأوروبي، فيما جاء 33.1 في المئة من وارداتها منه.

ليس كل منتج زراعي إسرائيلي مصدَّر إلى أوروبا يقع تحت طائلة هذه القيود، إذ يرتبط نطاق الحظر بمكان إنتاج السلعة ومنشئها وفقا للقواعد المعمول بها في كل دولة

لكن توزيع هذه التجارة يكشف محدودية القطاعات المستهدفة بهذه التدابير. فبحسب المفوضية، كانت الآلات ومعدات النقل أكبر فئة من الواردات الأوروبية في 2025، بقيمة 6.5 مليارات يورو (42.8 في المئة من الإجمالي)، تلتها المنتجات الكيميائية بقيمة 2.9 مليار يورو (18.7 في المئة). وتشير هذه الأرقام إلى أن السلع الزراعية والاستهلاكية المستهدفة بالإجراءات الوطنية الجديدة تمثل جزءا محدودا من إجمالي التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وإن كانت بيانات المفوضية لا تفصل في هذه الإحصاءات بين المنتجات من داخل إسرائيل وتلك المنتجة في المستوطنات.

لكن بريطانيا تقدم مثلا آخر على الفارق بين حجم العلاقة التجارية وحجم السلع المعنية بالحظر. فبحسب أحدث بيانات الحكومة البريطانية، بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين المملكة المتحدة وإسرائيل 6 مليارات جنيه إسترليني خلال الأشهر الـ12 المنتهية في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، منها 3.5 مليارات جنيه صادرات بريطانية إلى إسرائيل و2.5 مليار جنيه واردات بريطانية منها. وتوضح الحكومة أن هذه التجارة تشمل نطاقا واسعا من القطاعات.

رويترز
مزرعة للتمور تابعة لمستوطنة كيبوتس أَلْموج الإسرائيلية في الضفة الغربية، عقب إعلان المملكة المتحدة وفرنسا وكندا خططًا لحظر الواردات القادمة من المستوطنات، 9 سبتمبر/أيلول 2026

لذلك، فإن القيود التجارية الحالية لا تقترب من قلب العلاقة الاقتصادية الإسرائيلية–الأوروبية أو البريطانية–الإسرائيلية، بل تستهدف شريحة محددة من البضائع، وإن كانت تحمل وزنا سياسيا أكبر بكثير من حجمها المالي.

الزراعة في مرمى الحظر

إذا كان الأثر على الاقتصاد الإسرائيلي الكلي محدودا، فإن الضغط سيكون أكثر تركيزا على قطاعات بعينها، وفي مقدمتها الزراعة والغذاء. وتشمل السلع الأكثر ارتباطا بهذه الإجراءات منتجات زراعية مثل التمور والحمضيات والأعشاب والعنب، إضافة إلى النبيذ، فيما ترتبط بعض منتجات التجميل بمنطقة البحر الميت. لكن من الضروري عدم الخلط بين القطاع الزراعي الإسرائيلي عموما والمنتجات المنتجة داخل المستوطنات تحديدا. فليس كل منتج زراعي إسرائيلي مصدَّر إلى أوروبا يقع تحت طائلة هذه القيود، إذ يرتبط نطاق الحظر بمكان إنتاج السلعة ومنشئها وفقا للقواعد المعمول بها في كل دولة.

وتكشف سوق التمور طبيعة هذه المنافسة بوضوح. فوفق قاعدة بيانات التجارة السلعية التابعة للأمم المتحدة (UN Comtrade)، التي يعرضها البنك الدولي عبر منصة حلول التجارة المتكاملة العالمية (WITS)، استورد الاتحاد الأوروبي في 2024 تمورا بقيمة إجمالية بلغت 444.18 مليون دولار. وجاءت تونس في المرتبة الأولى بقيمة 146.31 مليون دولار، تلتها إسرائيل بـ126.45 مليون دولار، ثم الجزائر بـ51.4 مليون دولار، فيما بلغت الواردات من الأراضي الفلسطينية المحتلة نحو 30.28 مليون دولار، تلتها إيران بنحو 27.52 مليون دولار.

وتشير هذه الأرقام إلى واقعين في آن واحد: الأول أن إسرائيل مورد رئيس في هذه السوق، والثاني أن السوق الأوروبية تضم بدائل غنية، وموردين متعددين. وبذلك، فإن خروج الشحنات من المستوطنات لا يعني نشوء فجوة يصعب سدها.

تزداد المشكلة تعقيدا في القطاع الزراعي، حيث تمر المنتجات غالبا من موقع الحصاد إلى المنشآت اللوجستية والتعبئة والتخزين قبل شحنها. ولذلك فإن عنوان الشركة المصدّرة وحده لا يكفي لتحديد المنشأ الحقيقي، إذ يظل المعيار الحاسم هو الموقع الفعلي للإنتاج

ولا يعني ذلك أن كل منتج استيطاني يمكن استبداله فورا. إذ قد يواجه بعض المصدرين صعوبة في إعادة توجيه الإنتاج. لكن تعدد الموردين يقلل احتمال انتقال الأثر إلى أسعار الغذاء الأوروبية بصورة واسعة. في عبارة أخرى، فإن الضغط الاقتصادي سيكون أكثر تركيزا على المنتجين والمصدرين المباشرين منه على المستهلك الأوروبي.  بالتالي، من غير المرجح أن يتحول حظر هذه المنتجات إلى عامل تضخمي ملموس بالنسبة إلى المستهلك الأوروبي.

من حرمان التفضيل الجمركي إلى منع الدخول

التحول الأهم في القضية ليس حجم التجارة المعنية فقط، بل طبيعة القاعدة القانونية التي تحكمها. ففي النظام الأوروبي القائم، كانت السلعة المنتجة في المستوطنات تفقد المعاملة الجمركية التفضيلية بموجب اتفاق الشراكة، لكنها لم تكن ممنوعة من دخول الأسواق الأوروبية لمجرد منشئها. أما الإجراءات الوطنية الجديدة فتنتقل إلى مرحلة مختلفة.

أ.ف.ب
مركبات تتحرك على طريق سريع بالقرب من مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية (في الأعلى)، 4 فبراير/شباط 2026

ففي إسبانيا، حظر المرسوم الملكي بقانون 10/2025 استيراد المنتجات ذات المنشأ في المستوطنات الإسرائيلية، وألزم التصريحات الجمركية للسلع ذات المنشأ الإسرائيلي إدراج الرمز البريدي والبلدة المرتبطين بمكان المنشأ، بما يسمح للسلطات بتحديد ما إذا كانت السلعة مشمولة بالحظر. وفي أيرلندا، يجعل قانون 23 يوليو/تموز 2026 استيراد السلع ذات المنشأ في الرموز البريدية المحددة للمستوطنات الإسرائيلية مخالفة جمركية صريحة. أما هولندا، فتتبنى تدبيرا أوسع نطاقا يشمل، إلى جانب الاستيراد، شراء هذه السلع وبيعها وخدمات الوساطة التي تسهّل تجارتها.

والفرق ليس تقنيا فقط. ففي النظام الأوروبي السابق كان السؤال: هل يستحق المنتج المعاملة التفضيلية؟ أما في ظل هذه الإجراءات الوطنية فأصبح السؤال: هل يُسمح لهذا المنتج بدخول السوق والتداول فيها أصلا؟

تحدي إثبات المنشأ

كلما اتسعت إجراءات الحظر الوطنية، ازدادت أهمية القدرة على إثبات المنشأ الحقيقي للسلعة. وقد أوجد الاتحاد الأوروبي منذ عام 2005 نظاما يعتمد على إدراج اسم مكان الإنتاج ورمزه البريدي في وثائق المنشأ التفضيلي لمقارنتها بقوائم المواقع المرفوضة. لكن تطبيق حظر استيراد شامل يجعل المسألة أكثر حساسية، لأن الخطأ لا يؤدي فقط إلى خسارة ميزة جمركية، بل يعني دخول سلعة غير قانونية إلى السوق.

وتزداد المشكلة تعقيدا في القطاع الزراعي، حيث تمر المنتجات غالبا من موقع الحصاد إلى المنشآت اللوجستية والتعبئة والتخزين قبل شحنها. ولذلك فإن عنوان الشركة المصدّرة وحده لا يكفي لتحديد المنشأ الحقيقي، إذ يظل المعيار الحاسم هو الموقع الفعلي للإنتاج.

كشفت "غلوبال إيكو" عن 20 وثيقة إضافية تستخدم "عناوين وهمية" لإظهار منشأ إسرائيلي، فيما ثبت أن 16.7 في المئة من إثباتات المنشأ التي حللتها، بقيمة 10.13 ملايين يورو، تتعلق بسلع استيطانية كليا أو جزئيا

غير أن تحقيق "استيراد الاحتلال" الصادر عن منظمة "غلوبال إيكو" السويسرية غير الحكومية،  كشف عن صعوبات عملية وثغرات هيكلية في تطبيق قواعد المنشأ وعن أدلة على وجود منظومة منظمة وواسعة النطاق وممتدة منذ فترة طويلة، تُصدَّر من خلالها المنتجات الزراعية للمستوطنات إلى أوروبا، في حين يُقدَّم منشؤها على نحو مضلل باعتبارها منتجات إسرائيلية.

وفي إطار تحقيق عابر للحدود استمر سنوات عدة، حللت منظمة "غلوبال إيكو" أكثر من 30 ألف وثيقة تصدير مرافقة لأكثر من 6,800 شحنة من المنتجات الزراعية من إسرائيل إلى الخارج، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2017 إلى فبراير/شباط 2026. ومن بين 5,900 شحنة كانت وجهتها أوروبا، احتوت أكثر من 17 في المئة منها على منتجات منشؤها المستوطنات؛ أي ما يقارب شحنة واحدة من كل ست شحنات إجمالا، ونحو 20 في المئة، أو شحنة واحدة من كل خمس شحنات، من تلك المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي.

رويترز
أشخاص يتظاهرون بالقرب من شركة الشحن "إيه. بي. مولر-ميرسك" في كوبنهاغن، الدنمارك، 21 أغسطس/آب 2026

كما حلّلت المنظمة 2,040 إقرارا بالفواتير وشهادة حركة للسلع المصدّرة من إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي بين عامي 2017 و2026؛ ويبدو أن 340 منها تقدم إثباتات منشأ غير مؤهلة للحصول على المعاملة التفضيلية، لأنها تتضمن منتجات من المستوطنات.

وكشفت "غلوبال إيكو" كذلك عن 20 إقرارا بالفواتير وشهادة حركة إضافية تستخدم "عنوانا وهميا" للإعلان بشكل زائف عن منشأ إسرائيلي. وبذلك، فإن 16.7 في المئة من إثباتات المنشأ الإسرائيلي التي حللتها "غلوبال إيكو" — وتبلغ قيمتها 10.13 ملايين يورو — ثبت أنها تتعلق حصرا بسلع من المستوطنات أو تتضمنها.

 وتزيد مثل هذه الممارسات صعوبة التحقق من المنشأ الحقيقي للسلع عبر المراجعة المستندية وحدها، وتضع عبئا أكبر على المستوردين وسلطات الجمارك للتحقق من سلسلة الإنتاج والتوريد. ولهذا، فإن نجاح القيود الجديدة لن يقاس فقط بعدد الشحنات المرفوضة، بل بقدرة السلطات على سد هذه الثغرات الإجرائية وتتبع سلاسل التوريد ومنع الالتفاف على قواعد المنشأ والحظر.

هل تستفيد الصادرات الفلسطينية؟

قد يبدو منع المنتجات الاستيطانية فرصة طبيعية أمام المنتجات الفلسطينية، خصوصا الزراعية منها. لكن إزالة منافس من السوق لا تخلق تلقائيا قدرة تصديرية جديدة.

وتوضح بيانات المفوضية الأوروبية حجم الفجوة، فقد بلغت واردات الاتحاد من فلسطين 51 مليون يورو فقط في 2024، كان 82.4 في المئة منها أغذية ومواد أولية. وتقول المفوضية إن التجارة مع فلسطين لا تزال محدودة بسبب الوضع الاقتصادي الصعب وقيود الحركة والوصول، بما في ذلك القيود المرتبطة بسياسة الإغلاق والحاجز الفاصل.

 يمثل الحظر المعلن انتقالا إضافيا من استهداف الأفراد والكيانات المرتبطة بالمستوطنات وتقييد النشاط الاقتصادي فيها إلى استهداف التجارة في سلع المستوطنات نفسها

وهذا يعني أن التحدي الفلسطيني لا يقتصر على المنافسة التجارية، بقدر ما يتعلق بالقدرة على الإنتاج والتعبئة والتخزين والوصول المنتظم إلى الأسواق. فإغلاق باب التصدير أمام منتجات المستوطنات لا يعني في الضرورة فتح أبواب السوق تلقائيا أمام المنتجات الفلسطينية، ما لم ترافق ذلك قدرة إنتاجية وتشغيلية ولوجستية أكبر.

بريطانيا وفرنسا تضيفان وزنا سياسيا

تكتسب الخطوة البريطانية والفرنسية في 8 سبتمبر/أيلول أهمية خاصة لأنها توسع دائرة الدول المتحركة خارج إطار التكتل الموحد. لكن يجب التمييز بين الإعلان السياسي ونفاذ التشريع. فالبيان المشترك يوضح أن بريطانيا وفرنسا وكندا "ستتقدم بإجراءات وطنية لحظر التجارة في سلع المستوطنات"، في حين أن بعض الدول الأخرى تعلن نيتها إدخال قيود وطنية و/أو دعم قيود أوروبية أو تنظر في اتخاذ إجراءات أخرى، وفقا لإجراءاتها الوطنية. وبالنسبة إلى بريطانيا، فإن الحظر المعلن يحتاج إلى استكمال المسار التشريعي والتنظيمي قبل دخوله حيز التنفيذ.

وتأتي الخطوة البريطانية بعد تدابير متدرجة. ففي يونيو/حزيران 2026، فرضت لندن عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بتمويل وتمكين عنف المستوطنين، كما شددت إرشاداتها للشركات البريطانية، فنصحتها بعدم ممارسة أي أنشطة اقتصادية ومالية في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، مع تأكيد استمرار التمييز بينها وبين التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر.

رويترز
القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، عقب إغلاقها من السلطات الإسرائيلية ردا على العقوبات المفروضة على المستوطنات، 9 سبتمبر/أيلول 2026

ومن ثم، يمثل الحظر المعلن انتقالا إضافيا من استهداف الأفراد والكيانات المرتبطة بالمستوطنات وتقييد النشاط الاقتصادي فيها إلى استهداف التجارة في سلع المستوطنات نفسها.

ترحيب عربي وإسلامي ودعوة لإجراءات مماثلة

لم تتوقف أصداء هذه التحركات عند الحدود الأوروبية والبريطانية؛ ففي 9 سبتمبر/أيلول 2026، أصدر وزراء خارجية 8 دول عربية وإسلامية، هي السعودية والإمارات وقطر والأردن ومصر وتركيا وإندونيسيا وباكستان، بيانا مشتركا رحبوا فيه بالخطوة البريطانية وبالإجراءات التي أعلنتها دول أخرى للحد من التجارة في سلع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

السؤال الفاصل للسنوات المقبلة لن يكون كم مليون دولار ستخسرها المستوطنات، بل ما إذا كان هذا الحظر سيبقى أداة قطاعية محددة، أم سيتحول إلى النموذج الأول لقيود اقتصادية أوسع تشمل الخدمات والاستثمارات والعلاقات التجارية الثنائية برمتها؟

وأعرب الوزراء عن أملهم في أن تحفز هذه الخطوات دولا أخرى على اتخاذ تدابير مماثلة تتسق مع القانون الدولي، داعين المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء الأنشطة التي تدعم أو تسهم في استمرار المستوطنات، ومساءلة المنظمات والأفراد المرتبطين بالنشاط الاستيطاني.

خسارة محدودة اليوم... وسابقة أكبر غدا

اقتصاديا، من الصعب اعتبار منع هذه المنتجات، في صورته الحالية، ضربة كبرى للاقتصاد الإسرائيلي الكلي، نظرا لأن غالبية الصادرات إلى أوروبا هي منتجات صناعية وتكنولوجية عالية القيمة.

لكن قياس أهمية القرار بالدولارات وحدها قد يكون مضللا. فالتحول الحقيقي هو الانتقال الهيكلي من "تمييز المنشأ" إلى "حظر التجارة". وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية لخطوات إسبانيا وأيرلندا وهولندا وبلجيكا، ثم بريطانيا وفرنسا: ليس لأنها قادرة، منفردة، على إحداث خسارة ضخمة في الناتج المحلي الإسرائيلي، بل لأنها تؤسس لسوابق قانونية وسياسية جديدة.

أ.ف.ب
عامل فلسطيني يحصد التمور في قرية الجفتلك الواقعة في منطقة الأغوار بالضفة الغربية المحتلة، 11 سبتمبر/أيلول 2019

في الوضع الحالي، تبدو المعادلة واضحة قوامها خسارة اقتصادية مركزة على بعض المنتجين والمصدّرين، وتكلفة لا تذكر على المستهلك الأوروبي، وفرصة مشروطة أمام المنتجات الفلسطينية.

لكن خلف هذه الأرقام المحدودة تقبع إشارة سياسية أكبر وهي أن أوروبا بدأت، دولة بعد أخرى، تختبر الانتقال من شجب الاستيطان وتمييز منتجاته إلى فرض قيود مباشرة على التجارة المرتبطة به. والسؤال الفاصل للسنوات المقبلة لن يكون كم مليون دولار ستخسرها المستوطنات، بل ما إذا كان هذا الحظر سيبقى أداة قطاعية محددة، أم سيتحول إلى النموذج الأول لقيود اقتصادية أوسع تشمل الخدمات والاستثمارات والعلاقات التجارية الثنائية برمتها.

font change