التغير المناخي يؤثر في نكهة الأجبان

من البقرة إلى الخثرة...

إدواردو رامون
إدواردو رامون

التغير المناخي يؤثر في نكهة الأجبان

قد يبدو الربط بين موجة حر تضرب مزرعة أبقار وقطعة جبن موضوعة بعد أشهر على مائدة الطعام بعيدا بعض الشيء، لكن صناعة الجبن في حقيقتها سلسلة من التفاعلات تبدأ قبل دخول الحليب إلى المصنع بوقت طويل. فتركيب الحليب نفسه، من البروتينات والدهون إلى الأحماض والمركبات المتطايرة والميكروبات، يحدد بدرجات متفاوتة كيف سيتخثر، وكيف ستتماسك الخثرة، وأي كائنات دقيقة ستجد البيئة المناسبة للنمو أثناء النضج، وما المركبات التي ستتكون في النهاية وتعطي الجبن رائحته وطعمه. ومع ازدياد موجات الحرارة المرتبطة بتغير المناخ، بدأ سؤال جديد يشغل علماء الألبان: إذا تغير الحليب بسبب الحرارة، فهل يمكن أن تتغير معه نكهة الجبن؟

لا يعرف علماء الآثار على وجه اليقين أين ظهرت أول قطعة جبن أو من صنعها، كما لا يوجد دليل يؤكد الرواية الشهيرة عن راع قديم وضع الحليب داخل وعاء مصنوع من معدة حيوان، فاكتشف بالمصادفة أن الإنزيمات الموجودة في بطانتها فصلت الحليب إلى خثرة ومصل. لكن المؤكد أن البشر بدأوا معالجة الحليب منذ آلاف السنين. ففي شمال أوروبا، عثر على أوان فخارية مثقبة من الألفية السادسة قبل الميلاد، وأظهر التحليل الكيميائي للدهون العالقة بها وجود بقايا ألبان، مما قدم دليلا قويا على استخدامها في فصل الخثرة الغنية بالدهون عن مصل الحليب المحتوي على اللاكتوز، في خطوة تشبه بدرجة لافتة إحدى العمليات الأساس لصناعة الجبن الحديثة.

وبذلك لا يبدو الجبن اختراعا ظهر في لحظة واحدة، بقدر ما كان حصيلة رحلة طويلة تعلم خلالها الإنسان استغلال ظاهرة طبيعية كقابلية الحليب للتحول.

فالسكر يمكن أن تتغذى عليه البكتيريا، والبروتينات يمكن أن تتجمع في شبكة صلبة، والماء يمكن التخلص من جزء كبير منه، بينما تستطيع الإنزيمات والميكروبات، بمرور الوقت، تحويل مادة بيضاء شبه عديمة الرائحة إلى منتجات تختلف جذريا في القوام والطعم، من جبن طازج معتدل لا يحتاج إلا ساعات أو أيام، إلى أنواع صلبة معتقة لسنوات. ولهذا فإن قصة الجبن ليست مجرد قصة حفظ للحليب، وإنما تاريخ مبكر لتعلم الإنسان التحكم في الكيمياء والميكروبات من دون أن يعرف أسماءها العلمية.

نظام بيولوجي حي

على الرغم من التنوع الهائل بين أنواع الجبن، تقوم الصناعة في جوهرها على خطوات متشابهة، تبدأ بتخثير بروتينات الحليب، والتخلص من قدر من الماء ومصل الحليب، وإضافة الملح بدرجات مختلفة، من ثم إخضاع بعض الأنواع لفترة نضج قد تكون قصيرة أو تمتد سنوات. ويؤدي الكازين، وهو البروتين الرئيس في حليب الأبقار، دورا محوريا في تكوين الخثرة. ويستخدم صانعو الجبن المنفحة والحمض أو كليهما لتقليل استقرار بروتينات الكازين ودفعها إلى التجمع. ثم تتحول الكتلة الناتجة تدريجيا إلى وسط شديد التعقيد تتحكم فيه الرطوبة والملوحة والحموضة ودرجة الحرارة وتركيبة الدهون والبروتينات.

بعد تكوين الخثرة يبدأ مشهد أكثر تعقيدا، إذ تتراجع بعض البكتيريا البادئة تدريجيا، وتتحلل خلايا منها مطلقة إنزيمات ومغذيات، في الوقت الذي تزداد فيه أعداد بكتيريا أخرى غير بادئة

لكن صنع الجبن لا يعتمد على الكيمياء وحدها. فـ"المزارع البادئة" التي تضاف إلى الحليب تحتوي عادة على بكتيريا حمض اللاكتيك، التي تستهلك اللاكتوز وتحوله إلى حمض اللاكتيك، فتخفض الرقم الهيدروجيني وتساعد في تكوين الظروف المطلوبة للتجبن. وبعد تكوين الخثرة يبدأ مشهد أكثر تعقيدا: فتتراجع بعض البكتيريا البادئة تدريجيا، وتتحلل خلايا منها مطلقة إنزيمات ومغذيات، في الوقت الذي تزداد فيه أعداد بكتيريا أخرى غير بادئة. وتشير مراجعات علمية إلى أن أعداد بعض هذه البكتيريا أثناء النضج يمكن أن تصل إلى نحو مئة مليون خلية قابلة للزراعة في الغرام الواحد، بما يجعل قطعة الجبن أقرب إلى منظومة بيئية دقيقة منها إلى كتلة غذائية ساكنة.

يقدم الجبن السويسري مثلا شهيرا على هذا التعاون. ففي أنواع مثل الإمنتال تنشط بكتيريا "بروبيونيباكتيريومفرويدنرايخي" خلال النضج، وتستخدم اللاكتات التي أنتجتها بكتيريا حمض اللاكتيك لتكوين أحماض البروبيونيك والأسيتيك، وهما من المركبات المهمة في الطعم المميز لهذه الأجبان. وينطلق أيضا ثاني أكسيد الكربون، الذي يتجمع داخل كتلة الجبن ويكون الفقاعات التي تتوسع لتصبح "العيون" أو الثقوب الشهيرة. أي أن الثقوب والنكهة لا تنتجان من عمليتين منفصلتين تماما، بل من النشاط الأيضي للكائنات الدقيقة نفسها، وهو نموذج يوضح لماذا يمكن أي تغير في البيئة الكيميائية للجبن أن ينعكس على خصائصه النهائية.

أ.ف.ب
عينة من جبن القريش القديم المحفوظ بحالة جيدة، معروضة خلال إعادة افتتاح متحف إيمحتب في منطقة سقارة الأثرية بالقاهرة، 3 ديسمبر/كانون الأول 2023

والمشكلة أن هذه الرحلة المعقدة تبدأ بحيوان حساس للحرارة. فالأبقار العالية الإنتاج، وخصوصا أبقار الهولشتاين، تنتج كميات كبيرة من الحرارة الأيضية، وقد تجد صعوبة متزايدة في التخلص منها عندما ترتفع حرارة الجو والرطوبة معا. عندها ترتفع معدلات التنفس وحرارة الجسم، وقد يقل استهلاك العلف وتبدأ تغيرات هرمونية وأيضية هدفها الأساس حماية الحيوان والحفاظ على درجة حرارة جسمه، لا إنتاج حليب مثالي لصناعة الجبن. وتصبح المسألة لذلك أكبر من مجرد انخفاض عدد لترات الحليب، إذ يمكن أن يتغير مقدار البروتين ومكوناته وبعض الدهون والمستقلبات الموجودة في الحليب.

تدعم مراجعة تحليلية نشرت في دورية "دايري ساينس" هذا القلق، إذ جمعت بيانات 31 دراسة تضم 34 تجربة. ووجد الباحثون أن الإجهاد الحراري خفض استهلاك المادة الجافة وإنتاج الحليب المصحح للطاقة وتركيز بروتين الحليب. والأهم أن حجم التأثير ارتبط بمؤشر الحرارة والرطوبة، وإن اختلف باختلاف مرحلة الإدرار وخصائص الحيوانات. وهذه النتائج مهمة لصناعة الجبن لأن البروتين، والكازين تحديدا، ليس مجرد عنصر غذائي، وإنما المادة التي تتكون منها الشبكة الأساس للخثرة، لذلك فإن التحولات التي تحدث في الحليب داخل الضرع قد تنتقل لاحقا إلى حوض صناعة الجبن.

رائحة الحليب

في عام 2025، قدمت دراسة منشورة في دورية "فود كاميستري" صورة أكثر تفصيلا لما قد يحدث. فقد درس الباحثون 24 بقرة هولشتاين سليمة في مزرعة تجارية ببكين، جميعها تقريبا في مرحلة متقاربة من الإدرار والولادة الثانية. جمعت عينات من 12 بقرة في منتصف أبريل/نيسان عندما كان مؤشر الحرارة والرطوبة أقل من 68، ومن 12 أخرى في يوليو/تموز بعد سبعة أيام على الأقل تجاوز فيها المؤشر 78. وباستخدام تقنيات متعددة شملت دراسة الدهون والمستقلبات والميكروبيوم والمركبات المتطايرة، حاول الفريق معرفة ما إذا كانت الحرارة تترك "بصمة" يمكن قياسها داخل الحليب نفسه.

العلم يستطيع اليوم إثبات أن الحرارة تغير جزيئات مرتبطة بنكهة الحليب، لكنه لم يصل بعد إلى قاعدة تقول إن صيفا أشد حرارة سيجعل كل قطعة جبن أقل مذاقا

وكانت البصمة واسعة. فانخفضت القدرة المضادة للأكسدة، وتغيرت بعض مكونات الدهون، بما في ذلك انخفاض أحماض دهنية غير مشبعة ومركبات دهنية قطبية، كما تغير مجتمع البكتيريا الموجود في الحليب، مع زيادة بعض الأنواع المرتبطة بفساد منتجات الألبان. والأكثر ارتباطا بسؤال النكهة، أن الباحثين رصدوا ارتفاع مركبات متطايرة يمكن أن تسهم في روائح غير مرغوب فيها، من بينها الهكسانال وبعض الكيتونات والمركبات الكبريتية، بالتزامن مع انخفاض بعض الإسترات المرتبطة بالروائح الحلوة. بكلمات أخرى، لم تغير الحرارة كمية الحليب فحسب، بل ظهرت معها أيضا تحولات كيميائية يمكن أنف الإنسان ولسانه، من حيث المبدأ، إدراك آثارها.

أ.ف.ب
صانع الأجبان سيدريك مير يحمل آلة حلب أثناء سيره بجوار أبقاره داخل الحظيرة، في إطار عملية صنع الجبن الصلب السويسري من نوع "ليتيفاز"، 28 سبتمبر/أيلول 2023

لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قراءة حذرة، إذ تناولت الدراسة الحليب الخام وليس جبنا ناضجا قدم إلى لجنة تذوق، كما قارنت مجموعتين في موسمين مختلفين، لا الحيوانات نفسها قبل موجة حر وبعدها. وحاول الباحثون ضبط عوامل مثل التغذية والإدارة والإيواء ومرحلة الإدرار، إلا أن الدراسات الموسمية لا تستطيع دائما التخلص تماما من كل المتغيرات المتزامنة مع تغير الموسم. كما أن العثور على مركبات مرتبطة بطعم أو رائحة معينة لا يعني في الضرورة أن تركيزاتها ستتجاوز العتبة الحسية التي يستطيع الإنسان عندها ملاحظتها، ولا يعني أنها ستبقى بالقدر نفسه بعد البسترة والتخمير والتجبن والتعتيق.

من الحليب إلى الخثرة

مع ذلك، توجد أدلة على أن تأثير الحرارة لا يتوقف عند باب مصنع الألبان. ففي دراسة نشرت عام 2025 في دورية "انترناشونال دايري ساينس" قارن باحثون إيطاليون تصنيع جبن صلب من طراز "غرانا" باستخدام حليب نصف منزوع الدسم أنتجه القطيع نفسه خلال فترة إجهاد حراري، ثم بعد انتهاء تلك الظروف. وجد الفريق أن حبيبات الدهون كانت أكبر قليلا أثناء فترة الحرارة، وأن القشدة انفصلت بصورة أسرع أثناء الفصل الطبيعي. كما كان الرقم الهيدروجيني للحليب أعلى وحموضته القابلة للمعايرة أقل، وهي فروق تبدو صغيرة، لكنها مهمة في صناعة تعتمد على التحكم الدقيق في سلوك الحليب خلال دقائق وساعات محددة.

الأوضح أن حليب فترة الإجهاد الحراري أظهر سلوك تخثر أقل كفاءة وخثرة أقل تماسكا بعد 30 دقيقة. كما ارتبط ارتفاع الحد الأدنى اليومي لمؤشر الحرارة والرطوبة بزيادة زمن التخثر وانخفاض تماسك الخثرة. هنا يصبح أثر المناخ صناعيا وليس بيولوجيا فقط. فالخثرة الضعيفة قد تؤثر في تقطيعها وفقد مصل الحليب واحتفاظها بالرطوبة والدهون وكفاءة الإنتاج. غير أن الدراسة، على الرغم من أهميتها، لا تسمح بالقول إن طعم الجبن الناضج تغير حتما، فهي تثبت أن المادة الخام وسلوكها التكنولوجي تغيرا، وتفتح الطريق لدراسات تتبع الجبن حتى نهاية التعتيق وتستخدم تحليلات حسية عمياء للمقارنة بين المنتجات.

تصبح حماية نكهة الجبن في المستقبل مسألة تبدأ بالمزرعة. الظل والتهوية والمراوح وأنظمة التبريد وتوفير الماء وإدارة أوقات التغذية وتحسين تركيب العلف يمكن أن تقلل الحمل الحراري على الأبقار، فيما قد يصبح اختيار السلالات والصفات الوراثية الأكثر تحملا للحرارة جزءا أكبر من استراتيجيات التربية

فهل ستتغير نكهة الجبن فعلا؟ الإجابة الأقرب إلى الأدلة الحالية نشير إلى إمكان الأمر، لكنه ليس محسوما لكل نوع من الجبن. فمن الناحية البيولوجية، توجد سلسلة منطقية متماسكة، الحرارة تؤثر في جسم البقرة واستهلاكها للعلف واستقلابها، مما يغير بعض مكونات الحليب، ثم تؤثر الحموضة والبروتينات والدهون في التجبن، بينما تعتمد عملية النضج نفسها على استقلاب الميكروبات للسكريات والبروتينات والدهون. ولذلك يمكن نظريا لتغير نقطة البداية أن يؤدي إلى اختلاف المركبات العطرية في النهاية. لكن صناعة الجبن مصممة أيضا لتقليل التباين، من خلال توحيد تركيب الحليب والتحكم في المزارع الميكروبية والملوحة والحموضة ودرجات حرارة التصنيع والنضج.

ولهذا لن تتأثر جميع الأجبان بالقدر نفسه، فالإنتاج الصناعي الواسع النطاق يمتلك أدوات عديدة لتعويض الاختلافات الموسمية في الحليب، بينما قد تكون المنتجات التقليدية المصنوعة من الحليب الخام أو الخاضعة لقواعد منشأ صارمة أقل قدرة على تغيير الوصفة كلما تغيرت خصائص المادة الخام. وفي المقابل، لا يعني ذلك في الضرورة تدهور النكهة، إذ يمكن أحيانا أن ينتج من تغير الحليب اختلاف في الملف الحسي وليس فقدانا مطلقا للجودة. فالنكهة مفهوم معقد، وبعض المركبات غير المرغوبة في منتج قد تكون جزءا مرغوبا من هوية منتج آخر، تماما كما يمثل حمض البروبيونيك ميزة في الجبن السويسري لكنه ليس مطلوبا بالضرورة في أنواع أخرى.

مفارقة إضافية

تحمل العلاقة مفارقة إضافية. فصناعة الجبن ليست فقط ضحية محتملة لتغير المناخ، بل تقع أيضا ضمن سلسلة غذائية تسهم في انبعاثات غازات الدفيئة. ففي تقييم لدورة حياة جبن "بيرا بايشا" البرتغالي المصنوع من حليب الأغنام، وجد الباحثون أن القسم الأكبر من التأثير البيئي حدث قبل وصول الحليب إلى مصنع الجبن، وخصوصا في إنتاج الأعلاف والتسميد وتجهيز الأراضي، إضافة إلى التخمر المعوي للحيوانات وإدارة السماد، بينما كان الأثر المباشر لعملية تصنيع الجبن نفسها محدودا نسبيا. وهذه النتيجة توضح مشكلة النظر إلى بوابة المصنع وحدها عند وصف منتج بأنه "صديق للبيئة"

وفي دراسة أخرى نشرت عام 2025 وحللت 19 مزرعة تزود مصنعا لجبن "غرانا بادانو" الإيطالي، تراوحت البصمة الكربونية لكيلوغرام من الجبن المعتق تسعة أشهر بين 16.96 و23.07 كيلوغراما من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مع كون إنتاج الحليب المصدر الرئيس للبصمة. وأظهرت الدراسة أن كفاءة التغذية وإنتاج الحليب ومحتوى البروتين والكازين يمكن أن تغير الأداء البيئي لكل كيلوغرام من الجبن. وهنا تظهر حلقة تغذية راجعة لافتة: قطاع الألبان يساهم في الاحترار، بينما الاحترار نفسه يمكن أن يخفض كفاءة الحيوان ويغير خصائص الحليب الذي يعتمد عليه القطاع.

لذلك قد تصبح حماية نكهة الجبن في المستقبل مسألة تبدأ بالمزرعة. الظل والتهوية والمراوح وأنظمة التبريد وتوفير الماء وإدارة أوقات التغذية وتحسين تركيب العلف يمكن أن تقلل الحمل الحراري على الأبقار، فيما قد يصبح اختيار السلالات والصفات الوراثية الأكثر تحملا للحرارة جزءا أكبر من استراتيجيات التربية. وفي المصنع، يمكن المراقبة الدقيقة للبروتين والكازين والدهون والحموضة وخصائص التخثر أن تساعد في اكتشاف الانحرافات قبل أن تتحول إلى مشكلات في الإنتاج. أما غرف التعتيق فستحتاج بدورها إلى عزل وتبريد أكثر كفاءة للحفاظ على درجات الحرارة والرطوبة التي تسمح بالتعاقب الميكروبي المطلوب، وهو ما يعني استهلاك طاقة وتكاليف إضافية إذا أصبح الصيف أطول وأكثر حرارة.

رويترز
أحد المحكمين يقطع شريحة من جبن "إيمينتال" خلال مسابقة جوائز الجبن السويسرية في لو سينتييه، سويسرا، 23 سبتمبر/أيلول 2016

وقد بدأت شركات ألبان بالفعل في إدخال المعلومات المناخية في تخطيطها الطويل الأجل. فعلى سبيل المثل، استعانت شركة "فونتيرا" النيوزيلندية ببيانات خدمة "كوبرنيكوس" لتغير المناخ لتحليل مخاطر الحرارة والجفاف والأمطار والظواهر المتطرفة على المزارع ومواقع التصنيع وسلاسل الإمداد. وهذه ليست مسألة علاقات عامة فقط، فإذا أصبح تركيب الحليب أكثر تقلبا بين المواسم أو زادت تكلفة تبريد الأبقار والمصانع وغرف التعتيق، فإن المناخ قد يظهر في نهاية المطاف داخل اقتصاديات صناعة الجبن، سواء في تكلفة المنتج أو استقرار جودته أو قدرة بعض المناطق التقليدية على الاحتفاظ بخصائص أجبان ارتبطت تاريخيا بمناخ محلي محدد.

بصمة الطقس

ربما لن نستيقظ في صيف شديد الحرارة فنكتشف فجأة أن مذاق الجبن الذي نعرفه قد اختفى. فالصناعة تمتلك وسائل كثيرة لضبط المادة الخام والعمليات الميكروبية وظروف التعتيق. لكن الأدلة المتراكمة تقول إن الحليب ليس منفصلا عن المناخ: البقرة تستشعر الحرارة، ويستجيب أيضها، ويتغير معها جزء من كيمياء الحليب وميكروبيومه ومركبات رائحته، كما قد تتغير قدرة ذلك الحليب على تكوين خثرة جيدة. ولا يزال المطلوب علميا هو إكمال الحلقة الأخيرة: إنتاج أجبان متطابقة من حليب أبقار تعرضت لمستويات مختلفة من الإجهاد الحراري، وتعتيقها للمدة نفسها، ثم تحليلها كيميائيا وميكروبيا وإخضاعها لاختبارات تذوق عمياء.

وحتى تظهر تلك الدراسات، ستكون العبارة الأدق هي أن تغير المناخ يملك بالفعل الأدوات البيولوجية والكيميائية اللازمة لتغيير نكهة الجبن، لكن حجم التأثير الحسي الفعلي وقدرة الصناعة على تعويضه لم يحسما بعد. وربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل والأكثر إزعاجا في آن واحد: طعام ابتكره البشر قبل آلاف السنين كي يجعلوا الحليب أكثر قدرة على تحمل الزمن والسفر، يجد نفسه اليوم أمام تحد جديد مصدره المناخ. وقد تصبح قطعة الجبن على مائدة المستقبل، بكل ما تحمله من أحماض ودهون وروائح وميكروبات، سجلا صغيرا لا لطريقة صنعها وحدها، بل أيضا للحرارة التي عاشتها البقرة التي أنتجت حليبها.

font change