التهديد الإسرائيلي لبيروت... شيء من اجتياح 1982

على الدولة اللبنانية أن تتعامل معه كاحتمال قائم

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أطلقت القوات الإسرائيلية قنبلة مضيئة سقطت فوق مرتفعات منطقة علي الطاهر، كما شوهدت من بلدة مرجعيون القريبة في جنوب لبنان، في 14 يونيو 2026

التهديد الإسرائيلي لبيروت... شيء من اجتياح 1982

لا يمكن التعامل مع ما كتبه المراسل العسكري في صحيفة "معاريف" آفي أشكينازي، الأحد، عن أن الطريق إلى بيروت ووادي البقاع أصبح مفتوحاً بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على تلال علي الطاهر، كما لو أنه اجتهاد صحافي منفصل عن الحسابات السياسية والعسكرية الإسرائيلية؛ فحتى لو كان توسيع الجيش الإسرائيلي اجتياحه للبنان نحو بيروت والبقاع سيناريو أقصى، فإن مجرد الحديث عنه في الصحافة الإسرائيلية، أو تسريبه لها، يؤكّد أنه سيناريو موضوع على الطاولة في إسرائيل، أياً كانت فرص تنفيذه ميدانياً. ولذلك يجب أن يؤخذ بجدية مطلقة من قبل الدولة اللبنانية وأن يعتبر احتمالاً وارداً في حساباتها، قبل "حزب الله" أو قبل أي طرف معني بالملف اللبناني راهنا، حتى لو كان تسريب هذه "المعلومة"، هو في السيناريو الأدنى، لاختبار ردود الفعل وتهيئة المناخ السياسي الدولي والإقليمي لخيارات إسرائيلية تصعيدية، قد بدأت بالفعل في الجنوب اللبناني خلال الـ48 ساعة الماضية، في ظل المخاوف من اجتياح مدينة النبطية التي تتعرض لقصف وغارات متواصلة.

استندَ أشكينازي إلى انهيار آخر منظومة دفاعية منظمة يمتلكها "حزب الله" في الجنوب اللبناني بعلي الطاهر، ليعتبر أن الطريق إلى بيروت ووادي البقاع أصبح مفتوحاً، ولكن كلامه هذا لا يفهم بالمنطق العسكري وحسب، بل هو في الأساس يعكس المنطق السياسي الإسرائيلي الراهن الذي يقوم على أنه لا حواجز ولا كوابح أمام التوسع الإسرائيلي في المنطقة، فإسرائيل ستكون حيث يجب أن تكون لـ "الدفاع عن أمنها"، وهذا منطق خطير ليس على لبنان أو سوريا أو الأراضي الفلسطينية وحسب، وإنما على المنطقة بأسرها، لأنه يستبطن الاندفاعة الإسرائيلية لخلق وقائع جغرافية جديدة توظّف في معادلات النفوذ الإقليمية، في لحظة إعادة تشكيل المنطقة.

بيد أنه وبالمعنى الأقرب فإن مجرد طرح احتمال وصول الجيس الإسرائيلي إلى بيروت والبقاع يعيد إلى الذاكرة اللبنانية والعربية مشهد اجتياح لبنان عام 1982، حين وصل الجيش الإسرائيلي إلى العاصمة اللبنانية، فكانت بيروت أول عاصمة عربية تحتلها إسرائيل، ما أدى إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية منها، وفق ترتيبات سياسية رعتها الولايات المتحدة الأميركية.

المسافة بين علي الطاهر وبيروت ليست مجرد مسافة عسكرية، بل هي بالدرجة الأولى مسافة سياسية

والحال أن الإحالة الراهنة إلى اجتياح عام 1982، تطرح سؤالا رئيسا عما إذا كانت إسرائيل الثمانينات هي إسرائيل الراهنة نفسها، من ناحية أن المقارنة بين المرحلتين ستخلص إلى استنتاج أن إسرائيل الآن هي أخطر مما كانت عليه في العقود الماضية، فهي تتصرف الآن كقوة إقليمية توسعية تريد المشاركة في إعادة تشكيل المنطقة، عن طريق فرض وقائع على الأرض، تصبح بمثابة أمر واقع عند أي مفاوضات إقليمية ودولية بشأن النظام الإقليمي الجديد، الذي تحاول الولايات المتحدة رعايته أو خلقه بحسب مصالحها.

ولذك فالمسافة بين علي الطاهر وبيروت ليست مجرد مسافة عسكرية، بل هي بالدرجة الأولى مسافة سياسية، تعني أن سقف الحرب يمكن أن ينتقل، بالنسبة لإسرائيل، من استهداف البنية العسكرية لـ "حزب الله" في الجنوب، إلى إعادة رسم المجال الجغرافي للحرب نفسها، بحيث تتجاوز أهدافها نزع سلاح "حزب الله" إلى تشكيل آليات ضغط على العواصم العربية والإقليمية المعنية بالملف اللبناني، وبجغرافيا المشرق العربي ككل، وبالأخص سوريا. كذلك فإن التلويح الإسرائيلي بالوصول إلى بيروت هو بالدرجة الأولى عنوان اختبار للسياسة الأميركية في لبنان والمنطقة، من حيث مدى استعداد إدارة دونالد ترمب لكبح جماح إسرائيل.

أ.ب
ناقلات جند مدرعة إسرائيلية تمركزت بالقرب من مسجد على مشارف العاصمة اللبنانية بيروت، 16 يونيو 1982

ففي العام 1982 حاولت إدارة رونالد ريغان رسم خطوط حمراء أمام إسرائيل في لبنان، بحيث لا تتجاوز حدود التوغل الإسرائيلي مسافة 40 كيلومترا، لكن أرييل شارون أطاح بها وصولا إلى العاصمة اللبنانية. هذه السابقة تجعل السؤال الأساسي  في المرحلة الراهنة: هل ستستطيع إدارة ترمب أن تحافظ على الخط الأحمر حول بيروت وضاحيتها الجنوبية، أم أنها ستخفف قيودها على إسرائيل، وربما تعطيها الضوء الأخضر للتوغل إلى مسافة قريبة من بيروت، قد تكون نهر الأولي (على بعد نحو 60 كيلومترا عن الحدود)؟

سقوط علي الطاهر لم يكن ضربة لـ"حزب الله" وحسب، وإنما ضربة لمنظومة الردع الإيرانية في ما يخص لبنان، والتي لم يعد في الإمكان التعويل عليها

وغني عن القول أن بيروت اليوم، بالمعنى السياسي، تقع في منطقة نفوذ أميركي واضح، وخصوصاً في ظل ترتيبات السلطة الجديدة التي قطعت إلى حد بعيد مع ترتيبات السلطات التي كانت قائمة منذ ما قبل 7 أيار 2008، حين وضع "حزب الله" يده على العاصمة اللبنانية. لذلك فإن الخط الأحمر السياسي حول بيروت، إذا كان قائماً فعلاً، فهو في جوهره خط أحمر أميركي. ولذلك فإن توسيع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، يصبح مسألة مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة على ضبط السقف الإسرائيلي، وليس بقدرة الجيش الإسرائيلي على التقدم ميدانياً وحسب. 

مع العلم أن المشهد العسكري الحالي يجعل سيناريو الوصول إلى بيروت سيناريو أقصى، على اعتبار أن الجيش الإسرائيلي موزع بين جبهات غزة والجنوب السوري وجنوب لبنان، فضلاً عن التركيز على الجبهة الإيرانية، وبالتالي فإن خوض الجيش الإسرائيلي لمغامرة برية واسعة باتجاه العاصمة اللبنانية يحتاج إلى موارد وتعبئة سياسية وعسكرية قد لا تكون إسرائيل قادرة عليها الآن، ولكن المعطى العسكري وحده لا يكفي لمقاربة هذه المسألة، في ضوء اعتماد بنيامين نتنياهو استراتيجية تصعيد في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية لتحسين شروطه في الانتخابات المقبلة في 27 أكتوبر/تشرين الأول. والأدهى أن تسريبات أميركية كانت قد أشارت إلى أن واشنطن أبلغت دمشق وأنقرة، بعد هجوم مطار أبو الظهور، أن الضغط على تل أبيب سيكون أسهل بعد الانتخابات المقبلة، وهو ما يعني أن واشنطن لن تمارس جهدا زائدا لدفع إسرائيل إلى خفض التصعيد، في أي مكان.

رويترز
يمرّ الناس أمام مبانٍ دمرتها غارة جوية إسرائيلية في مدينة النبطية، جنوب لبنان، 26 يونيو 2026

لذلك كله تقع على الدولة اللبنانية مسؤولية التعامل مع التهديد الإسرائيلي بالوصول إلى بيروت والبقاع، حتى لو ورد في الصحافة الإسرائيلية، على محمل الجد. والمطلوب، تبعا لذلك، حملة سياسية ودبلوماسية للتحذير من مغبة توسيع الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وكما ورد أعلاه فإن تكرار اجتياح بيروت هو سيناريو أقصى، ولكن قد يكون الوصول إلى نهر الأولي هو السقف الذي تضعه إسرائيل في المرحلة المقبلة، هذا إضافة إلى احتلال مدينة كبرى ومركزية في الجنوب مثل النبطية، بعد مدينتي الخيام وبنت جبيل.

وعليه يفترض أن تتحرك الدولة اللبنانية بسرعة قصوى باتجاه العواصم الدولية المعنية بالملف اللبناني، وكذلك العواصم العربية والإقليمية لتنظيم ضغط سياسي على الولايات المتحدة وإسرائيل ورفع الكلفة السياسية لأي توسيع للعمليات داخل لبنان. وهذا الضغط السياسي والدبلوماسي يصبح أكثر إلحاحاً في ظل محاولة إسرائيل ربط تصعيدها الحالي في الجنوب بجولة المفاوضات المرتقبة في روما، من خلال وضعها شرطاً مفاده أن سكان المناطق التي تحتلها لا يستطيعون العودة ما لم تتحقق نتائج لمصلحتها في هذه الجولة من المفاوضات.

والحال أن المفاوضات في ظل التصعيد العسكري تحتاج، في المقابل، إلى ورقة ضغط لبنانية مدعومة دوليا وإقليميا. فإسرائيل تحاول أن تجعل الوقائع الميدانية جزءاً من شروط التفاوض، فيما يفترض بلبنان أن يحول التصعيد نفسه إلى قضية دولية وإقليمية ترفع كلفة استمرار الاحتلال والتوسع الإسرائيليين. وهذا يتطلب حملة سياسية واسعة تأتي بالدعم إلى الموقف اللبناني في مفاوضات روما. فحتى لو كانت أولويات الدول العربية والإقليمية المعنية بالملف اللبناني مختلفة في هذه المرحلة بسبب الاشتباك الجاري في الخليج، فإن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى سبب يجعل الدولة اللبنانية مكتوفة الأيدي وأسيرة لمعادلة المفاوضات القائمة.

وفي المقابل فإن سقوط علي الطاهر، كإحدى أهم المنظومات الدفاعية التي بناها "حزب الله"، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، يضع حدودا نهائية للصيغة القديمة للمواجهة والتي كانت قائمة من قبل "حزب الله" على معادلة "جيش مقابل جيش"، بحيث باتت تحتاج إلى إعادة صياغة جذرية، وهذه عملية معقدة ولكنها تبدأ من اليقين بفشل الصيغة السابقة، وضرورة البحث عن مقاربات لـ"الموضوع الإسرائيلي"، في ضوء نتائج الحرب، والوضعين الإقليمي والدولي فيما يخص الملف الإسرائيلي.

رويترز
جنود إسرائيليون يتجمعون في نقطة مراقبة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، 21 أغسطس 2026

وهنا يدخل أيضاً العامل الإيراني، إذ إن سقوط علي الطاهر لم يكن ضربة لـ"حزب الله" وحسب، وإنما ضربة لمنظومة الردع الإيرانية في ما يخص لبنان، والتي لم يعد في الإمكان التعويل عليها، وإن كانت طهران لا تزال تتمسك بالخط الأحمر المتعلق بقصف بيروت والضاحية الجنوبية لبيروت. علما أن اللغز الكبير الذي يحيط بما جرى في علي الطاهر، لا يستبعد أن يكون قد تم تسليمه عن طريق مفاوضات "جانبية" بين طهران وواشنطن. وفي هذا السياق يمكن فهم تكرار التصريحات الإيرانية حول الخط الأحمر حول الضاحية كإشارة إلى أن طهران لا تريد أو لا تستطيع تركيز المواجهة على الجنوب اللبناني.

السؤال يصبح عندها: هل ستكون إيران مستعدة للتدخل والرد على إسرائيل إذا قررت توسيع اجتياحها البري؟ فإذا كانت الضاحية الجنوبية لبيروت تمثل خطاً أحمر إيرانياً، فإن الوصول إلى نهر الأولي قد لا يستدعي بالضرورة رداً إيرانياً مباشراً، خصوصاً أن طهران تدير مواجهة محسوبة مع الولايات المتحدة وتترك باب التفاوض معها مفتوحاً، وهي قد لا تريد تعقيد هذا المسار باستهداف إسرائيل على نحو يعيد إشعال الحرب الكبرى ويستدعي رداً إسرائيلياً أوسع.

لا توجد قوة دولية موازية للولايات المتحدة في المنطقة بالمعنى العسكري الذي كان قائماً خلال الحرب الباردة. ولذلك فإن أي توسيع إسرائيلي للحرب في لبنان أو سوريا يجري ضمن بيئة إقليمية أكثر اختلالاً

والمفارقة أن إسرائيل نفسها، في علي الطاهر، حاولت بقدر الإمكان تجنب ردود من "حزب الله" يستدعي رداً أكبر منها، بما يعيد المواجهات إلى مسار الحرب الكبرى ويستدعي تدخلاً إيرانياً. وهذا يفسر جانباً من الحسابات الإسرائيلية، أي إدارة التصعيد ضمن سقف يسمح بتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية من دون فتح الباب أمام حرب إقليمية شاملة قد تضع إدارة الولايات المتحدة أمام استحقاق مختلف في إدارة مواجهتها مع إيران.

وفي الموازاة يدخل العامل التركي في الملف اللبناني بثقل أكبر، فكلام رجب طيب أردوغان عن أن أمن أنقرة هو من أمن دمشق وبيروت، يعيد إلى الذاكرة معادلة حافظ الأسد الذي كان يعتبر أمن بيروت جزءاً من أمن دمشق، ويرى لبنان الخاصرة الرخوة لسوريا. وفي العام 1982 شاركت سوريا، ضمن حساباتها، في التصدي للاجتياح الإسرائيلي. الفارق اليوم أن تلك المواجهة كانت تجري ضمن إطار الحرب الباردة، حيث كانت هناك قوة دولية مقابلة للولايات المتحدة، هي الاتحاد السوفياتي، قادرة على إنتاج توازنات عسكرية وسياسية في المنطقة.

رويترز
يتصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان في 8 أبريل 2026

أما اليوم، فلا توجد قوة دولية موازية للولايات المتحدة في المنطقة بالمعنى العسكري الذي كان قائماً خلال الحرب الباردة. ولذلك فإن أي توسيع إسرائيلي للحرب في لبنان أو سوريا يجري ضمن بيئة إقليمية أكثر اختلالاً، ويجعل الضغط السياسي العربي والتركي والدولي على واشنطن عاملاً حاسماً في تحديد سقف التصعيد. وقد مارست إسرائيل بالفعل ضغطاً مباشرا على دمشق من خلال توغل قواتها داخل الأراضي السورية وصولاً إلى نحو 20 كيلومترا من العاصمة السورية. ومن الممكن أن تسعى إلى تكرار النموذج نفسه في لبنان، عبر التوغل إلى مسافات أقرب إلى بيروت، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار فوري باحتلال العاصمة؛ عندها تصبح عاصمتان عربيتان، بيروت ودمشق، تحت الضغط الإسرائيلي المباشر، وتحت مرمى النيران الإسرائيلية المباشرة. وهذا يفترض استنفاراً عربياً وإقليمياً لمنع هذا السيناريو، لأن التحدي الإسرائيلي يصبح تدريجياً تحدياً للمنطقة العربية والإقليم ككل، وليس للبنان وسوريا وحدهما.

ومرة جديدة قد يكون هذا السيناريو العسكري الأقصى بعيداً عن القدرة الإسرائيلية الحالية، وقد تمنعه الحسابات الأميركية والدولية والإقليمية، ولكن على الدولة اللبنانية أن تتعامل معه كاحتمال قائم، على قاعدة أن إسرائيل يمكن أن تكون في صدد التفكير في إعادة إنتاج شيء من مشهد 1982، ولو بصيغة مختلفة. وعند هذه النقطة، يصبح الاستنفار العربي والإقليمي ضرورياً؛ فإذا اقتربت إسرائيل من بيروت ودمشق في الوقت نفسه، فإن المسألة تتحول من مواجهة مع "حزب الله" أو ضغط على الدولة اللبنانية، إلى تحدٍ يمس أمن المنطقة العربية والإقليم ككل. وهذا تحديداً ما تدركه العواصم العربية وتركيا، وقد كان أحد الدوافع لتشكيل "حلف مكة"، فالطريق الإسرائيلي إلى بيروت، والذي تحدث عنه آفي أشكينازي، هو طريق إلى قلب النظام الإقليمي الجديد، والذي لا يريد أحدا في المنطقة أن يتشكل على قاعدة الانتقال من الهيمنة الإيرانية إلى الهيمنة الإسرائيلية.

font change