رغم التحولات الكبيرة التي شهدها لبنان والمنطقة خلال العامين الأخيرين، لا تزال المقاربات اللبنانية، على ضفتي الانقسام، أسيرة مرحلة ما قبل الحرب. فـ"حزب الله" يبدو غير قادر على التعامل مع سقوط فكرة إزالة إسرائيل بوصفها الإطار الذي تأسست عليه سرديته ومشروعه السياسي والعسكري، وبالتالي فإن سقوط السقف الأعلى لخطابه يقتضي منه، في وضع طبيعي، المراجعة الأعمق لكل تجربته، وهو ما يتجاوز التعامل مع سقوط توازن الردع مع إسرائيل لكونه خاضعا لموازين قوى متحركة. وفي المقابل، لم يدرك خصومه أن معالجة مسألة "حزب الله" لم تعد ممكنة بالطريقة التقليدية التي اعتادوا طرحها، أي من خلال اختصارها بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة أو بإعادة تركيب النظام السياسي خارج سطوة السلاح، وذلك بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي لهذا السلاح كجزء من معادلة إقليمية ليس هو أو إيران طرفها الوحيد، إذ إن إسرائيل هي طرفها المقابل، وبالتالي فإنه لا يمكن تحقيق ديناميكيات أي طرف من هذه المعادلة دون الآخر، بواقع التخادم والتقابل بينهما.
ذلك أن مسألة "حزب الله" لم تكن في الأصل مسألة معزولة عن وجود إسرائيل كدولة احتلال، توسعية واستيطانية، ترفض التسوية مع الفلسطينيين. ولكنها في الوقت نفسه وضع دولي لا يمكن تجاوزه على اختلالاته. فإذا كان "حزب الله" لا يزال أسير المعادلة القديمة التي قامت على فكرة إزالة إسرائيل، أي على ترميز الواقع بالشعارات غير الواقعية وليس تمثيله كما هو، إذا ما استعدنا عبارة المفكر السوري إلياس مرقص، فإن خصومه بدورهم ما زالوا أسرى معادلة مقابلة تعاملت مع إسرائيل بوصفها مسألة "خارجية"، فيما كانت، ولا تزال، في صلب المعادلة الوطنية والإقليمية، وكأحد العناصر المؤسسة للمعادلة التي أنتجت "حزب الله" نفسه. أي إن حدود مسألة إسرائيل هي بالنسبة إليهم حدود مسألة سلاح "حزب الله"، كما لو أنه يمكن اختصار مسألة إسرائيل بسلاح "حزب اله"، وهو ما ينقل خصوم "الحزب" أيضا إلى ترميز الواقع بدلا من تمثيله.


