لبنان… ماذا يترتب على سقوط فكرة إزالة إسرائيل؟

نقد عقل "حزب الله" العقل اللبناني عموماً

أ.ف.ب
أ.ف.ب
علم "حزب الله" يرفرف فوق أنقاض مبنى في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان، في 23 يونيو 2026

لبنان… ماذا يترتب على سقوط فكرة إزالة إسرائيل؟

رغم التحولات الكبيرة التي شهدها لبنان والمنطقة خلال العامين الأخيرين، لا تزال المقاربات اللبنانية، على ضفتي الانقسام، أسيرة مرحلة ما قبل الحرب. فـ"حزب الله" يبدو غير قادر على التعامل مع سقوط فكرة إزالة إسرائيل بوصفها الإطار الذي تأسست عليه سرديته ومشروعه السياسي والعسكري، وبالتالي فإن سقوط السقف الأعلى لخطابه يقتضي منه، في وضع طبيعي، المراجعة الأعمق لكل تجربته، وهو ما يتجاوز التعامل مع سقوط توازن الردع مع إسرائيل لكونه خاضعا لموازين قوى متحركة. وفي المقابل، لم يدرك خصومه أن معالجة مسألة "حزب الله" لم تعد ممكنة بالطريقة التقليدية التي اعتادوا طرحها، أي من خلال اختصارها بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة أو بإعادة تركيب النظام السياسي خارج سطوة السلاح، وذلك بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي لهذا السلاح كجزء من معادلة إقليمية ليس هو أو إيران طرفها الوحيد، إذ إن إسرائيل هي طرفها المقابل، وبالتالي فإنه لا يمكن تحقيق ديناميكيات أي طرف من هذه المعادلة دون الآخر، بواقع التخادم والتقابل بينهما.

ذلك أن مسألة "حزب الله" لم تكن في الأصل مسألة معزولة عن وجود إسرائيل كدولة احتلال، توسعية واستيطانية، ترفض التسوية مع الفلسطينيين. ولكنها في الوقت نفسه وضع دولي لا يمكن تجاوزه على اختلالاته. فإذا كان "حزب الله" لا يزال أسير المعادلة القديمة التي قامت على فكرة إزالة إسرائيل، أي على ترميز الواقع بالشعارات غير الواقعية وليس تمثيله كما هو، إذا ما استعدنا عبارة المفكر السوري إلياس مرقص، فإن خصومه بدورهم ما زالوا أسرى معادلة مقابلة تعاملت مع إسرائيل بوصفها مسألة "خارجية"، فيما كانت، ولا تزال، في صلب المعادلة الوطنية والإقليمية، وكأحد العناصر المؤسسة للمعادلة التي أنتجت "حزب الله" نفسه. أي إن حدود مسألة إسرائيل هي بالنسبة إليهم حدود مسألة سلاح "حزب الله"، كما لو أنه يمكن اختصار مسألة إسرائيل بسلاح "حزب اله"، وهو ما ينقل خصوم "الحزب" أيضا إلى ترميز الواقع بدلا من تمثيله.

تكمن إحدى التحولات الأساسية التي يجب أن تعيد السياسة العربية واللبنانية النظر فيها، على قاعدة أن إسرائيل ليست قوة احتلال وحسب، لكنها أيضا وضع دولي، يخضع للمصالح الدولية، وبالأخص الأميركية في المنطقة

لهذا، فإن سقوط فكرة إزالة إسرائيل كفكرة مرجعية لا يعني أن "حزب الله" يفترض أن يكون أمام مراجعة عميقة لمشروعه، بل يعني أيضاً أن خصومه مطالبون بإعادة التموضع على أساس أن حل مسألة "حزب الله" لا يمكن أن ينفصل عن حل مسألة إسرائيل نفسها. فلا يمكن الانتقال إلى مرحلة جديدة ما دامت إسرائيل دولة احتلال وتوسع واستيطان ترفض التسوية السلمية مع الفلسطينيين، كما لا يمكن في المقابل، بعد كل ما جرى منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الإبقاء على فكرة أن الكفاح المسلح أو "المقاومة" هما الطريق الوحيدة والناجعة لحل الصراع.

والحال، فقد كشفت الحرب الأخيرة حدود المعادلة التي حكمت الجنوب اللبناني منذ عقود، فإذا كان "حزب الله" يقدم نفسه باعتباره القوة القادرة على ردع إسرائيل ومنعها من تكريس احتلالها، كانت إسرائيل تقدم أمن "شمالها" باعتباره المبرر الدائم لعملياتها العسكرية داخل لبنان والاحتفاظ بـ"حرية الحركة". غير أن هذه المعادلة تعرضت لضربة مزدوجة؛ فمن جهة، تلقى "حزب الله" ضربات كبيرة ولم يعد قادراً على إسناد خطابه بالمعادلة الردعية التي حكمت مرحلة ما بعد عام 2006، ومن جهة أخرى أصبحت الذريعة الأمنية الإسرائيلية أقل قدرة على الإقناع، بعدما تجاوز حجم القتل والدمار الناتج عن العمليات الإسرائيلية، في نظر شرائح واسعة من الرأي العام الدولي، وحتى داخل الولايات المتحدة، حدود مواجهة تهديد مباشر وأصبح ينظر إليه بوصفه استخداما مفرطا للقوة، وغاية لذاته.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون عند مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 21 يوليو 2026

ولم يكن عابراً أن يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خيار التدخل السوري في لبنان، لأن الرئيس أحمد الشرع بخلاف إسرائيل لا يهدم مباني كاملة ويقتل عشرات الأشخاص ليقتل عنصرا واحدا من "حزب الله". فكلام ترمب بغض النظر عن دقته يعكس هذا التحول في النظرة الدولية بل والأميركية إلى إسرائيل. فهي لم تعد تُقرأ فقط بوصفها دولة تواجه تهديداً أمنياً، إنما أيضاً بوصفها قوة عسكرية وسياسية تخضع خياراتها للتقييم والمراجعة، خصوصاً عندما تصبح عملياتها العسكرية عاملاً يهدد الاستقرار الإقليمي.

وهنا تكمن إحدى التحولات الأساسية التي يجب أن تعيد السياسة العربية واللبنانية النظر فيها، على قاعدة أن إسرائيل ليست قوة احتلال وحسب، مثل الاحتلال النازي لفرنسا مثلا، لكنها أيضا وضع دولي، يخضع للمصالح الدولية، وبالأخص الأميركية في المنطقة. وهذا يفترض أن يدفع، لبنانيا وعربيا، للتعامل مع مسألة إسرائيل تعاملا واقعيا سياسيا وليس تعاملا شعاراتيا يرمز الواقع بل ويغيبه، بإدخال عوامل غيبية في مقاربته وإدارته، وهو ما يوجب مستوى مراجعة أعمق من ذاك الذي تلى الهزيمة القومية في 1967.

لذلك من الضروري أن يعود الداخل الإسرائيلي إلى الوعي السياسي اللبناني والعربي كشرط لإعادة تعريف السياسة في المنطقة، لأن الانتخابات الإسرائيلية، ومستقبل حكومة أقصى اليمين، والانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، لم تعد شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل أصبحت عوامل مؤثرة في مستقبل المنطقة.

الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان كما في الجنوب السوري ينظر إليه عربياً وتركياً بوصفه جزءا من مشروع الهيمنة الإقليمية لإسرائيل بما يتجاوز مسأله سلاح "حزب الله"

فكما أن العالم بأسره يتابع التحولات في إيران والخليج  بالنظر إلى تأثيراتها السياسية والاقتصادية في المنطقة وعلى الصعيد الدولي، فإن متابعة التحولات داخل إسرائيل لا تقل أهمية أقله بالنسبة لمشرق العربي الذي يخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، لأن تغيير الحكومة، في الانتخابات المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، أو تغير المزاج السياسي الإسرائيلي، -على صعوبة ذلك في المدى المنظور- قد يكون جزءاً من إعادة تشكيل النظام الإقليمي المقبل، أو أحد شروطها الأساسية.

وهذا يقود إلى فهم أوسع للنظام الذي حكم المنطقة خلال العقود الماضية بالنظر إلى أن واقع التعبئة وعدم الاستقرار لم يكن نتاج مشروع واحد، بل نتيجة تقابل مشروعين أيديولوجيين متصارعين، أيديولوجيا "الحرس الثوري" التي قامت على تصدير الثورة وبناء شبكات النفوذ المسلحة خارج حدود الدولة من ضمن مفهوم الدفاع المتقدم الذي أسقطته الحرب الأخيرة، وأيديولوجيا اليمين الإسرائيلي التي قامت على الاحتلال والتوسع الجغرافي والاستيطان والهيمنة الأمنية ورفض التسوية السلمية. وبينما كان كل طرف يقدم نفسه باعتباره رداً على الآخر، كان كل منهما يمنح الآخر مبرراً للاستمرار، وهو ما أنتج المأزق الأساسي للنظام الإقليمي القديم.

أ.ف.ب
دبابة إسرائيلية تتخذ موقعها على طول الحدود مع جنوب لبنان، كما تظهر من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل، في 22 يوليو 2026

لذلك، فإن تجاوز أيديولوجيا "الحرس الثوري" كمصدر استقطاب وعدم استقرار إقليمي لا يمكن أن يكتمل من دون تجاوز أيديولوجيا اليمين الإسرائيلي. فالمنطقة لا تستطيع الانتقال إلى نظام جديد إذا جرى تفكيك أحد طرفي المعادلة والإبقاء على الطرف الآخر.

من هنا تُفهم الاستراتيجية الأميركية الحالية تجاه إيران، على قاعدة أن المواجهة لا تبدو محصورة بالبرنامج النووي، وإنما تتجه إلى تغيير الدور الذي لعبته إيران من خلال "الحرس الثوري" في المنطقة. وقد ينتهي هذا المسار إلى تصفية نفوذ "الحرس الثوري" أو إلى تغيير أوسع في النظام الإيراني، مع المخاطر التي يحملها سيناريو الفوضى في حال انهياره. لكن أياً كان المسار، فإن السؤال التالي أصبح متعلقاً بإسرائيل: هل يمكن بناء نظام إقليمي جديد في ظل حكومة أقصى اليميني الإسرائيلي؟

وهو ما يحيلنا إلى محاولات واشنطن تحييد إسرائيل عن مسار التصعيد الأخير مع إيران، في إشارة إلى أن الملف الإيراني أصبح أميركياً أكثر مما هو إسرائيلي أو أن واشنطن تسعى لتقليص مساحة التأثير الإسرائيلي فيه. وقد يكون ذلك بداية إخراج حكومة بنيامين نتنياهو من إدارة الملف الإيراني، تمهيداً لإخراجها أيضاً من المعادلة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة. كذلك قد يحمل لقاء ترمب نتنياهو مؤشرات مهمة على مستقبل العلاقة بين الرجلين، وحدود التباين في استراتيجية كل منهما إزاء إيران والمنطقة.

كما يحيلنا ذلك كله إلى دعوة ترمب إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ومن الأراضي السورية، على اعتبار أن استمرار هذا الاحتلال أصبح عبئاً على المشروع الأميركي لإعادة تركيب النظام الإقليمي كمصلحة أميركية. ففي الحالة السورية تحديداً، لا يبدو أن لدى واشنطن مصلحة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي خارج الجولان إذا كانت تراهن على استقرار السلطة الجديدة في دمشق وضمان توجهاتها. أما في لبنان، فإن استمرار الاحتلال يتحول تدريجياً من ورقة أمنية إسرائيلية إلى عقبة أمام بناء التوافقات الإقليمية التي تسعى إليها الولايات المتحدة، على اعتبار أن الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان كما في الجنوب السوري ينظر إليه عربياً وتركياً بوصفه جزءا من مشروع الهيمنة الإقليمية لإسرائيل، بما يتجاوز مسأله سلاح "حزب الله".

التعامل، لبنانيا، مع إسرائيل كمسألة "خارجية" أو مسألة تعني "حزب الله" وإيران وحدهما، هو دليل على عدم وعي شروط التموضع في النظام الإقليمي والدولي الجديدين

وهذا تحول يغير جذريا مقاربة ملف الجنوب اللبناني، إذ أن المعادلة السابقة التي أرساها "حزب الله" بوصفه الطرف القادر على فرض الانسحاب الإسرائيلي بقوة سلاحه قد سقطت، لصالح المبادرة السياسية والدبلوماسية، إذ أصبحت الدول العربية والإقليمية، التي ترفض الهيمنة الإقليمية لإسرائيل، قادرة على جعل الانسحاب الإسرائيلي شرطاً من شروط الترتيبات الإقليمية الجديدة التي تسعى واشنطن إلى إرسائها. وبالتالي، فإن المطلوب لبنانياً هو توظيف الدبلوماسية في أوسع إطار إقليمي ودولي ممكن وعدم الاكتفاء بالمسار الأميركي على ضرورته. وهذا يقتضي وعي المصالح الاستراتيجية لدول المنطقة والتي تحول الملف اللبناني بموجبها إلى ملف إقليمي. ذلك ما لا يبدو أن السلطة أو الدائرة السياسية في لبنان تتحرك بمقتضياته على نحو كاف، إذ لا تزال السردية الرسمية والعامة حول إسرائيل وسلاح "حزب الله" أسيرة القاموس السياسي المحلي.

وفي المحصلة، فإن ما يواجهه لبنان اليوم، على طرفي المعادلة الداخلية، يتجاوز مسألة سلاح "حزب الله" أو مستقبل مقاربة إسرائيل كل على حدة، إلى أزمة أعمق تتعلق بطريقة التموضع إزاء المتغيرات الحاصلة. فـ"حزب الله" الذي كان يربط شرعيته بهدف أقصى هو إزالة إسرائيل يجد نفسه أمام واقع جديد، حيث لم يعد معيار انتصار هو إزالة إسرائيل، وإنما مجرد بقائه، وهو ما ينطبق على إيران أصلا. في المقابل فإن دينامية السلطة والحقل السياسي المعارض لـ"حزب الله"، تحصر مسألة سلاحه بحصره بالدولة من دون تحديد ماهية هذه الدولة، على اعتبار أن طبيعة الدولة نفسها كانت أحد العوامل الرئيسة في ترسيخ حالة "حزب الله".

أ.ف.ب
صورة التقطت من موقع في شمال إسرائيل، بالقرب من الحدود مع لبنان، تظهر مركبة مدرعة تابعة لقوات "اليونيفيل" وهي تمر بجوار مبان مدمرة في جنوب لبنان في 22 يوليو 2026

فكما نتج عن هزيمة عام 1967 مراجعة واسعة تمثلت ذروتها بـ"نقد العقل العربي"، فإن التحولات التي يشهدها لبنان والمنطقة راهنا تفرض مراجعة واسعة عنوانها نقد عقل "حزب الله"، ونقد العقل اللبناني عموماً. فالمعضلة لا تكمن في أن "الحزب" لا يزال أسير معادلات ما قبل الحرب، وإنما أيضاً في أن خصومه بقوا أسرى مقاربة جزئية تختزل مسألة سلاح "الحزب" بالصراع على السلطة والتوازنات الداخلية، وحتى إن الربط بين سلاحه وسيادة الدولة وتعافيها يغفل عن ماهية هذه الدولة في أدوارها الداخلية، والأهم يغفل عن إعادة تعريف وظيفة لبنان ضمن المعادلة الإقليمية الآخذة في التشكل. ومن ذلك أن التعامل، لبنانيا، مع إسرائيل كمسألة "خارجية" أو مسألة تعني "حزب الله" وإيران وحدهما، هو دليل على عدم وعي شروط التموضع في النظام الإقليمي والدولي الجديدين، مع العلم أنه خارج هذا التموضع لن يصبح لبنان قابلاً للحياة مرة أخرى، ولذلك فإن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة سيظل عاجزا عن إنتاج واقع لبناني للمستقبل إن لم يدرج من ضمن دينامية لإعادة تعريف الدولة داخليا من حيث كيفية تأديتها لوظائفها وبأي سقف سياسي وأخلاقي، وخارجيا من حيث البحث عن وظيفتها الإقليمية، وهو بحث يبدأ بالسياسة وينتهي بالاقتصاد.

font change

مقالات ذات صلة