كان المشهد في دمشق الثلاثاء معبرا جدا إلى درجة أنه يختصر اللحظة الراهنة في المشرق العربي والمنطقة عموما كلحظة انتقالية بين مرحلتين تاريخيتين وبين نظامين إقليميين. فإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع استعداد فرنسا للمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد السوري والقطاع المصرفي، كان أعقب انفجار عبوتين ناسفتين بالقرب من الفندق الذي كان يقيم فيه وبعد دقائق معدودة على خروجه منه؛ هذا دليل كاف على أن سوريا في قلب التحول الإقليمي والدولي، لا بل هي ساحته الرئيسة، وهو ما يعيد تعريف دور سوريا بأكمله، ليس كدولة استبدل فيها نفوذ إقليمي بآخر، وتحديدا بين إيران وتركيا، وإنما كدولة تلعب دورا مركزيا في النظام الإقليمي الجديد.
بهذا المعنى لم تكن زيارة ماكرون مجرد عودة دبلوماسية وسياسية فرنسية بأعلى مستوى إلى دمشق، وإنما إشارة إلى أهمية سوريا في المعادلة الإقليمية الآخذة في التشكل، وإلى تحولها إلى ساحة لصراع النفوذ الإقليمي والدولي، ولكن ليس بالطريقة التي كانت سائدة طيلة سنوات الحرب، على اعتبار أن تقاطع المصالح الدولية والإقليمية في سوريا يجعل الصراع أو التنافس فيها مضبوطا ومحكوما بقواعد اشتباك بين الخصوم والحلفاء، ومنهم الولايات المتحدة وفرنسا، إذ من الواضح أن الطرفين لا يتبنيان التوجه نفسه إزاء سوريا ولبنان والمنطقة عموما، وهذا امتداد للتباين التاريخي بين البلدين بشأن ملفات المنطقة.
لكن الأهم أن سوريا التي اختُزلت خلال أكثر من عقد في مفردات الحرب والنزوح والتدخلات الخارجية، تعود تدريجياً إلى الاستثمار في موقعها الجغرافي، في لحظة إقليمية ودولية تتيح هذا الاستثمار، لا بل تحفزه إلى أبعد حدود، كحاجة ملحة للاقتصاد العالمي؛ هذا ما يؤشر إليه كلام الشرع خلال اجتماع الطاولة المستديرة بين الجانبين السوري والفرنسي، عن أن "سوريا تمتلك موقعاً استراتيجياً يصل المتوسط بالخليج والعراق وعلى مسافة ساعات بحرية من مرسيليا، وبعد أزمة مضيق هرمز أدرك العالم قيمة الممرات الآمنة والمستقرة هنا، وهنا تبرز أهمية الجغرافيا السوريّة التي استعادت اليوم دورها الحيوي كعقدة ربط لا غنى عنها في سوق الممرات العالمية".


