السلام اللبناني المفقود... من ينزع سلاح "حزب الله"؟

لا يزال بلدا رازحا تحت الاحتلال

أ ف ب
أ ف ب
جندي من الجيش اللبناني يتولى تشغيل برج مدفعي أعلى ناقلة جند مدرعة متمركزة في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين في الضواحي الجنوبية لبيروت في 21 أغسطس 2025

السلام اللبناني المفقود... من ينزع سلاح "حزب الله"؟

على مدى الأشهر الستة عشر الماضية، اختارت الحكومة اللبنانية والمؤسسة العسكرية تأجيل الحسم، فغامرتا بذلك بمستقبل البلاد. وكانت الدولة اللبنانية الواهنة والمنقسمة، قد تعهدت في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل عام 2024 بنزع سلاح ميليشيا "حزب الله" المدعومة من إيران، ولكن بيروت آثرت أن تتنصل من التزاماتها بدل أن تنهض بها، مبددة بذلك الفرصة التي أتاحها القصف الإسرائيلي العنيف على "حزب الله" في عام 2024. ولكن حين آثرت الدولة اللبنانية تجنب مواجهة المتشددين الشيعة في "الحزب"، خشية انفجار العنف الطائفي، فإذا بها عمليا تختار الحرب مع إسرائيل.

أ ف ب
حطام المركبات المدمرة في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حيًا في مدينة صور الساحلية الجنوبية ليلة 13 مارس 2026

ومن زاوية أوسع، تتكشف جسامة هذه الزلة. ففي 14 مارس/آذار تحل ذكرى "ثورة الأرز"، تلك الانتفاضة الشعبية الجريئة عام 2005 التي أنهت الاحتلال السوري الطويل للبنان. لكن لبنان، بعد كل هذه العقود، لا يزال بلدا رازحا تحت الاحتلال، وقد استحال في الوقت نفسه إلى دولة فاشلة. وما انفكت إيران تستخدم "حزب الله" أداة لفرض هيمنتها على البلاد، وتملي عبره السياسات العامة وقرارات الحرب والسلم.

في الأسبوع الماضي، أطلق "حزب الله" صواريخ على إسرائيل، منهياً وقف إطلاق نار هشّ استمر 15 شهرا. وكانت بيروت قد سعت إلى تحييد لبنان عن عدوى الحرب مع إيران، لكن اغتيال إسرائيل "المرشد الأعلى" الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، شكل خطا أحمر لدى الميليشيا المرتبطة بطهران. وللمرة الثانية في أقل من ثلاث سنوات، يزج "حزب الله" بلبنان في حرب مع إسرائيل. ومع أن "الحزب" هو الذي كسر الهدنة، فإن مسؤولية هذا النزاع لا تقع عليه وحده، إذ تتحمل الحكومة اللبنانية بدورها قسطا من اللوم.

عون تحت وطأة الخشية من "حرب أهلية"، أي من عنف "حزب الله"، أرجأ مسألة نزع السلاح، وآثر الحوار مع الميليشيا

وللحكومات اللبنانية تاريخ طويل ومخز في إرجاء القرارات الصعبة. وقد راودني أمل في أن يتبدل هذا النهج حين التزمت بيروت بنزع سلاح "حزب الله" في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وكان "الحزب" قد خرج من الحرب مثخنا بالجراح، بعد أن تهاوت قيادته وتراجعت قدراته العسكرية. واغتناما لهذه اللحظة، تعهد الرئيس اللبناني جوزيف عون في خطاب تنصيبه في يناير/كانون الثاني 2025 بنزع سلاح "حزب الله". لكن عون، تحت وطأة الخشية من "حرب أهلية"، أي من عنف "حزب الله"، أرجأ مسألة نزع السلاح، وآثر الحوار مع الميليشيا.

واستغرق الأمر أكثر من سبعة أشهر، حتى خريف 2025، لكي تكلف بيروت أخيرا الجيش اللبناني بمصادرة أسلحة "حزب الله". وكان "الحزب"، وهو يضمد جراحه بعد الضربات الإسرائيلية القاسية، قد قبل بتحييده في جنوب لبنان، ونسق مع الجيش اللبناني فيما كان الأخير يستولي على آلاف الصواريخ، ومئات القذائف على امتداد الحدود مع إسرائيل. لكن الجيش لم يتحرك من تلقاء نفسه، بل تصرف بصورة انتقائية استنادا إلى معلومات استخباراتية قدمتها إسرائيل إلى خلية تقودها الولايات المتحدة، وتتخذ من لبنان مقرا لها، متجنبا المواقع التي عدها "حزب الله" حساسة.

أ ف ب
يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة في الضاحية الجنوبية لبيروت في 12 مارس 2026

وقد وصفت إسرائيل الجهود الأولى للجيش اللبناني في نزع السلاح بأنها "مشجعة" لكنها غير كافية. ورغم شكوك إسرائيل، أعلن الجيش اللبناني في مطلع يناير/كانون الثاني "إنجاز المهمة" في جنوب لبنان، قائلا إنه استكمل المرحلة الأولى من نزع سلاح "حزب الله". غير أن القيادة المركزية الأميركية أعلنت، بعد شهر واحد فحسب، أن الجيش اللبناني اكتشف "نفقا ضخما تحت الأرض" كان يستخدم لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية في الجنوب. وخلال الأسبوع الماضي، قصفت إسرائيل عشرات الأهداف في جنوب لبنان، بينها مواقع لإطلاق الصواريخ، والقذائف ومنشأة لتصنيع الطائرات المسيرة.

يكشف الأداء الفاتر للجيش اللبناني في الجنوب أولوياته الحقيقية. فبدل أن يوجه جهده إلى سلاح "حزب الله"، انصرف إلى تفادي الصدام معه. وقد قبل "الحزب" بقدر محدود من جمع السلاح في الجنوب، لكنه توعد بمهاجمة الدولة إذا امتدت عمليات الجيش شمالا. فتراجع الجيش، والتزمت الحكومة اللبنانية الصمت، واستمر وهم نزع السلاح قائما.

واليوم، يشعر كثير من اللبنانيين بغضب عارم من "حزب الله" لأنه زج البلاد مرة أخرى في حرب خدمة لإيران. ولهم في ذلك ما يبرره. فالحملة الإسرائيلية المتجددة تنذر بعواقب كارثية على لبنان. وما تزال بيروت غارقة في أزمتها المالية، ولم تبدأ بعد إزالة آثار الدمار الذي خلفته الجولة السابقة أو الشروع في إعادة الإعمار.

ويبدو أن انزعاج بيروت لا يعود إلى امتناع "حزب الله" عن تسليم سلاحه، بقدر ما يعود إلى قراره إشعال حرب جديدة مع إسرائيل. وقد حظر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، منذ ذلك الحين، "جميع الأنشطة العسكرية" لـ"حزب الله" وعدّها غير قانونية، وطالب الميليشيا بأن "تسلم أسلحتها". كما منع عناصر "الحزب" التابعين لـ"الحرس الثوري" الإيراني من البقاء في البلاد، وأمر بترحيلهم.

إن تجديد حكومة سلام تأكيد قرارها نزع سلاح "حزب الله" أمر مرحب به، لكنه على الأرجح لن يكون فعالا. فإحدى المشكلات أن قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، لا يبدو منسجما مع هذا التوجه. فهو يقول إن الوحدة الوطنية هي أولوية لبنان، وقد أصدر بيانا أوحى فيه بأن الجيش ليس خاضعا لمساءلة الحكومة. وخلال تصويت مجلس الوزراء على هذه السياسة، وبحسب صحيفة "نداء الوطن" اللبنانية، دار سجال بين سلام وهيكل. ونقل عن هيكل قوله: "لدينا عدة خيارات، فلنبدأ بخيار التنسيق مع (حزب الله)". ويحسب لسلام أنه رد عليه قائلا: "كفى. لم يعد هناك شيء اسمه أمن بالتوافق".

ويقول هيكل إنه يحتاج إلى مزيد من التمويل للجيش اللبناني، قبل أن يزجه في مواجهة مع "حزب الله". صحيح أن الجيش يعاني ضائقة مالية، ويفتقر إلى التجهيز الكافي لمهمة بهذه الصعوبة. غير أن مشكلته الأساسية لا تكمن في نقص القدرة، بل في غياب الإرادة. فحتى وقت قريب، ظلت الحكومة اللبنانية تتردد في منحه الغطاء السياسي اللازم لهذه المهمة. وبدل أن يدافع قادة الجيش عن سيادة الدولة في مواجهة تغول "حزب الله"، انشغلوا بحماية المؤسسة العسكرية من كلفة الاصطدام بالميليشيا.

لم يكن مستغربا، في ظل هذا الواقع، أن تدعو بيروت الآن إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لا لصنع السلام، وإنما لاستئناف وقف إطلاق النار

أ ف ب
قام مسعفون بإجلاء جثة من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حيًا في بلدة ميه ميه، على بعد نحو خمسة كيلومترات شرق مدينة صيدا جنوب لبنان، في 13 مارس 2026

ولم يكن مستغربا، في ظل هذا الواقع، أن تدعو بيروت الآن إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لا لصنع السلام، وإنما لاستئناف وقف إطلاق النار. طبعا، ينبغي للحكومة الإسرائيلية أن تتحاور مع بيروت، ولكن لبنان لن يعرف سلاما، ولن ينعم بوقف إطلاق نار دائم، ما لم يتحرك لنزع سلاح "حزب الله" ووضع حد للاحتلال الإيراني للدولة. وكما قال المبعوث الأميركي الخاص توم باراك فيما يخص قضية نزع سلاح "حزب الله": "كفوا عن هذا الهراء. إذا لم يكن هناك فعل حقيقي، فلا جدوى من الأمر".

font change

مقالات ذات صلة