لبنان وحرب إسرائيل عليه "حتى النهاية"

يمكن فهم الرفض الإسرائيلي للتفاوض مع لبنان في انتظار المزيد من التدهور في قدرة هذا البلد على إدارة أموره وإغراقه في أزمات لا قبل له على حلها

لبنان وحرب إسرائيل عليه "حتى النهاية"

استمع إلى المقال دقيقة

رفضت إسرائيل مفاتحات السلطات اللبنانية لبدء مفاوضات مباشرة ترمي إلى وقف إطلاق النار. تذرّع المتحدثون باسم حكومة بنيامين نتنياهو بافتقار حكومة بيروت إلى الصدقية اللازمة لتنفيذ وعودها، وبالمراوغة طوال عام ونيف في مسألة نزع سلاح "حزب الله"، وإلى أن الوقت قد فات وأن الجيش الإسرائيلي سينهي المهمة التي بدأها ويقضي على "الحزب" مرة واحدة ونهائية.

يعرف الإسرائيليون من دون شك هزال قدرات الدولة اللبنانية التي لم تخرج بعد من نائبات الانهيار الاقتصادي والحرب السابقة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024 واستعصاء كل الأزمات الداخلية، السياسية والاقتصادية والأمنية، على الحل، ومنها غياب الإجماع الضروري بين اللبنانيين على أي نوع من التسوية في أي ملف. الصورة العامة للمشهد السياسي اللبناني ليست غائبة عن المسؤولين الإسرائيليين، بداهة.

والامتناع عن القبول بالعرض اللبناني الذي كان يبدو قبل عامين ضربا من ضروب الخيال، يصب في خانة تحسين أوراق التفاوض الإسرائيلية في انتظار فرض تغيير ميداني جذري في ساحات القتال ودفع أزمة النازحين من مناطق الجنوب والضاحية إلى حدود الانفجار والاقتتال الأهلي بسبب ما تضيفه إلى الأجواء المسمومة أصلا من سموم وتوتر وكراهيات متبادلة. إضافة إلى رفع فاتورة الضحايا المدنيين إلى مستويات غير محتملة.

عندها، ربما يبدأ الدبلوماسيون الأميركيون بنقل اقتراحات إسرائيلية عن كيفية تطبيق وقف إطلاق النار ويقتنع الموفد الأميركي توم باراك بأن الحكومة اللبنانية "أقلعت عن كل هذا الهراء" بحسب ما نقل عنه موقع "أكسيوس".

في المنظور الإسرائيلي، لم تتحقق بعد الشروط اللازمة لبدء التفاوض. فالاختراق الأمني الكاسح لـ"حزب الله" الذي يظهر في كل مناسبة وضربة، والانتقال السهل من الإنزال الجوي في منطقة البقاع بحثا عن رفات الملاح رون أراد إلى تصفية خلية عمليات قيادية لـ"الحرس الثوري" الإيراني في أحد فنادق بيروت، مظاهر على أن لا عوائق حقيقية أمام عمل إسرائيل العسكري والأمني في لبنان من أقصاه إلى أقصاه.

بيد أن ذلك لا يكفي الإسرائيليين. فهم يعرفون أيضا أن "البيئة" الشيعية التي تعرضت لهزيمة ساحقة في 2024 وتحملت أعباء التهجير والمهانة طوال 2025 جراء تقصير "حزب الله" في مساعدتها وغوثها (دع عنك الدولة وغيابها المزمن)، لم تنفك تماما من حول "الحزب" ولا من حول مقولة الاحتفاظ بالسلاح للدفاع عن النفس في مواجهة خطر مثلث المصادر: إسرائيل، والطوائف المعادية، والنظام السوري الجديد.

زعامة "الثنائي الشيعي"، وعلى الرغم من كل ما قيل عن خلافات داخله، لم توحِ بالاستعداد للتنازل عن أي من المكتسبات التي حازها منذ نهاية الحرب الأهلية في 1990

وتسعى إسرائيل إلى دفع السلطات اللبنانية لإكمال مهمة نزع السلاح وتصفية الأذرع الأمنية والعسكرية التي أنشأها "حزب الله" في الأعوام الأربعين الماضية. وتُقدم هذه المهمة بصفتها ضرورة لقيام الدولة في لبنان وبدء حصوله على مساعدات عربية ودولية. 
لا يخلو هذا الكلام من الصحة. لكن السؤال الذي لا يجد جوابا له هو الثمن الذي يتعين على لبنان دفعه للوصول إلى النتائج المذكورة. فزعامة "الثنائي الشيعي" وعلى الرغم من كل ما قيل عن خلافات داخله، لم توحِ بالاستعداد للتنازل عن أي من المكتسبات التي حازها منذ نهاية الحرب الأهلية في 1990. العلاج الوحيد للإصرار الشيعي على التمسك بالسلاح وبالتالي فتح باب المساءلة لحقبة طويلة من سيطرة حركة "أمل" و"حزب الله" على مفاصل رئيسة في الدولة، هو العنف الذي لا توجد أداة تستطيع اللجوء إليه في مواجهة "الثنائي" غير الجيش اللبناني، الذي تواجهه- بدوره- عقبات كبيرة ليس أقلها خطر انقسامه على أسس طائفية. 
من هنا، يمكن فهم الرفض الإسرائيلي للتفاوض مع لبنان في انتظار المزيد من التدهور في قدرة هذا البلد على إدارة أموره وإغراقه في أزمات لا قبل له على حلها أو حتى معالجتها. والإنذارات الإسرائيلية بإخلاء مناطق كاملة من سكانها بهدف دفع هؤلاء إلى مناطق الطوائف الأخرى، وما يرافق ذلك من ارتفاع حاد في التوتر المجتمعي والاكتظاظ والاحتكاك بين المواطنين، ليس بالغائب عن بال المخططين في حكومة نتنياهو. 
وحتى لو توقفت الحرب على الجبهة الإيرانية، فإن لبنان سيظل في دوامة "العرض الجانبي" للحرب التي قرر الإسرائيليون أن يمضوا فيها إلى النهاية. من دون أن نعرف بالضبط نهاية من وماذا. 

font change