الحرب نمطُ حياة

إسرائيل تكيفت مع الحرب والنخبة الحاكمة هناك ليس لديها سوى هذه الوسيلة للبقاء

الحرب نمطُ حياة

استمع إلى المقال دقيقة

يُبين إقرار الكنيست الإسرائيلي "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" الذين يدانون بشن هجمات تؤدي إلى مقتل إسرائيليين، المدى الذي بلغه نفوذ اليمين المتطرف، ليس في الائتلاف الحكومي فقط، بل أيضا في المجتمع الإسرائيلي. في الوقت الذي تستمر فيه الحرب على إيران ولبنان من دون اعتراض جدي على مجرياتها وأكلافها، بين الإسرائيليين.

منذ أعوام عدة، صار اليمين الأشد تطرفا من التيارات الرئيسة في إسرائيل. وتصرفات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير التي كان يُنظر إليها كأعمال صبيانية عندما كان ناشطا في حركة "كاخ" العنصرية، أصبحت حدثا يوميا يشارك فيه آلاف المستوطنين والجنود في الضفة الغربية أمام عدسات الكاميرات من دون الخشية من المحاسبة.

المظاهرات الحاشدة التي اندلعت في مارس/آذار 2023 ضد تعديل نتنياهو وحكومته للقوانين الناظمة للسلطة القضائية، تبدو اليوم كأنها تنتمي إلى ماض بعيد لا يمكن مجرد التفكير باستعادته. أما قصور الرمال التي بناها رئيس الوزراء الأسبق شيمعون بيريز عن "الشرق الأوسط الجديد" فقد انهارت منذ عقود وذرت الرياح كل حبات رمالها.

لقد تغيرت المنطقة تغيرا عميقا منذ تسعينات القرن الماضي عندما تحدث بيريز عن رؤيته "لتكامل" ما، بين المال العربي والعقل الإسرائيلي، ولم يعد أي من الجانبين في حاجة فعلية إلى الآخر بعدما سار الطرفان في طريقين لا مكان حقيقيا للتكامل فيه. وما أشيع عن طرق ومحطات تعبر من البلدان العربية إلى أورويا عن طريق إسرائيل، سيقيم في الأدراج لمدة طويلة مقبلة.

ومن بين الأمور التي كشفتها الحرب الحالية أن إسرائيل امتصت صدمة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأن مجتمعها ازداد عداء لأي نوع من السلام مع الفلسطينيين أولا والعرب ثانيا، وأن عدد الضحايا الفظيع بين المدنيين في غزة الذين سقطوا على أيدي الجيش الإسرائيلي نال استحسان أكثرية الإسرائيليين وليس إدانتهم في ما رأوا أنه انتقام عادل لقتل مسلحي "حماس" المدنيين الإسرائيليين في 7 أكتوبر.

إسرائيل تكيفت مع الحرب، والنخبة الحاكمة هناك ليس لديها سوى هذه الوسيلة للبقاء. ونمط الحياة هذا لا يظهر أنه يلاقي معارضة شديدة من قبل المجتمع

وعلى الرغم من تراجع التقديرات بنمو اقتصادها من 5.2 في المئة عام 2026 إلى 3.3 في المئة، فإن المشهد العام في إسرائيل يشي بأن نمطا من اقتصاد الحرب يرسخ هناك ويدمج استمرار القتال على جبهات عدة في وقت واحد، مع بقاء مستوى معين من الإنتاج الاقتصادي يحول دون ظهور أزمات خانقة في المدى المنظور، ما دام الدعم الأميركي المطلق قائما. بل إن وقف تصدير الغاز الإسرائيلي سبّب أزمات للمستوردين وليس لإسرائيل. 
وتدريجيا، تختفي الصور النمطية السابقة التي اقتنع العرب بها عن عجز إسرائيل على خوض أكثر من حرب في وقت واحد، وعن قصر نفس الجيش الإسرائيلي والحساسية الشديدة في المجتمع لسقوط قتلى في صفوف الجيش. وأظهرت تجربة العامين ونصف العام الماضيين أن هذه أقاصيص تحتاج إلى إعادة نظر. 
فقد انقلبت الحرب الطويلة ومتعددة الأطوار والجبهات والأهداف إلى نمط حياة في الداخل الإسرائيلي الذي لا يريد أن يسمع شيئا عن العرب والفلسطينيين وإيران و"حزب الله" سوى الأنباء عن دمارهم وموتهم، وإلى استثمار سياسي كبير للأحزاب اليمينية الحاكمة التي لا تملك في العمق أي تصور لمستقبل إسرائيل في المنطقة سوى تصور القلعة المحاصرة التي تقاتل من أجل البقاء، أي نموذج قلعة "الماسادا" التي قاومت الهجوم الروماني حتى مقتل آخر المدافعين عنها. 
استعارة تشبيه إسرائيل بـ"الماسادا" ليست جديدة، وكانت جزءا من العمل الدعائي الإسرائيلي طوال عقود. الجديد هو أن هذه القلعة تحولت إلى برج قتالي يوزع الدمار في الاتجاهات كافة من دون أن يشغل سكانه بالهم بمستقبل العلاقات مع الجوار الذي يعيد بدوره صوغ مصالحه والتفكير في تحالفات جديدة تحفظ مصالحه بعد انكشاف هشاشة التصورات السابقة عن ضمانات أمنية من هذه الدولة أو تلك. 
إسرائيل تكيفت مع الحرب، والنخبة الحاكمة هناك ليس لديها سوى هذه الوسيلة للبقاء. ونمط الحياة هذا لا يظهر أنه يلاقي معارضة شديدة من قبل المجتمع أو أنه يسفر عن خسائر غير قابلة للتعويض. وعلى الآخرين التفكير في كيفية التعامل مع الواقع هذا. 

font change