أوروبا... اليمين واليسار في معزل عن ضرورة الإثارة

يتعين الأخذ في الاعتبار أن خيارات الناخبين الذين ينبذون أكثر فأكثر التيارات الوسطية التي سيطرت على الحياة العامة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يتجهون نحو قوى جذرية

أوروبا... اليمين واليسار في معزل عن ضرورة الإثارة

استمع إلى المقال دقيقة

فور إعلان نتائج الانتخابات العامة في المجر الشهر الماضي وسقوط رئيس الوزراء فيكتور أوربان (أو "أمير الظلام" كما تلقبه وسائل الإعلام)، حتى ظهرت العناوين المرحبة بانحسار موجة اليمين الشعبوي ليس في المجر وحدها بل في أوروبا والعالم بأسره واستعادة العالم رشده بإدراكه فضائل الليبرالية الديمقراطية التقليدية على حكم "الرجل القوي" الممهد لظهور الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية، على ما كان خصوم أوربان وحزبه "فيديس" يحذرون.

لم تمض أسابيع قليلة قبل أن يسجل "حزب الإصلاح" البريطاني بزعامة نايجل فراج- الذي ربما يفوق حزب أوربان تطرفا- فوزا باهرا في الانتخابات المحلية البريطانية التي استهلت أزمة سياسية عميقة أعادت تسليط الضوء على استعصاء نظام الحزبين البريطاني وعجزه عن تحقيق حتى الوعود التي يقطعها المرشحون للانتخابات قبيل وصولهم إلى مناصبهم.

وزاد من سواد المشهد مظاهرة "وحدوا المملكة" التي سارت في لندن بدعوة من الناشط المتطرف تومي روبنسون، حيث بدا أن جزءا من الجمهور البريطاني على استعداد للذهاب أبعد من فراج في مطالبه بالتضييق على المهاجرين وطالبي اللجوء وصولا إلى استخدام خطاب الكراهية وما قد يتبعه، على ما حذر رئيس الوزراء كير ستارمر.

وغالبا ما يوضع رئيس الوزراء الإسباني بدرو سانشيز الذي أعاد "الحزب الاشتراكي الإسباني" إلى نهج يساري صريح في السياسات الداخلية كما الخارجية الى جانب الاستقرار النسبي في العملية الديمقراطية في الدول الاسكندنافية، كثقل موازن أو دليل على أن المعركة لم تحسم نهائيا بعد لمصلحة المتطرفين اليمينيين على الرغم من الانتصارات التي يحققونها وتوسع قواعدهم التمثيلية في الكثير من البلدان مثل فرنسا وهولندا.

في الوقت الذي تبدو فيه أحزاب يمين الوسط ويساره في حالة جمود أمام عمق التبدلات الاقتصادية-الاجتماعية السريعة والعميقة، تبدو الحلول أبسط على أطراف المتن السياسي

وفي معزل عن الابتهاج المتسرع بسقوط أوربان وحاجة المعلقين إلى العناوين المثيرة أو التحذيرات من وصول فراج إلى رئاسة الحكومة البريطانية في الانتخابات المقررة في 2029 وزعيمة اليمين الشعبوي الفرنسي مارين لوبان إلى قصر الإليزيه، وفي منأى أيضا عن الميل إلى تضخيم كل تغيير مهما كان جزئيا وإسباغ أبعاد خيالية عليه، يتعين الأخذ في الاعتبار أن خيارات الناخبين الذين ينبذون أكثر فأكثر التيارات الوسطية التي سيطرت على الحياة العامة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يتجهون نحو قوى جذرية، يمينية أو يسارية كـ"حزب الخضر" في بريطانيا و"فرنسا الأبية" بزعامة جان-لوك ميلونشون في فرنسا وسانشيز في أسبانيا (التي تراجع فيها نفوذ "بوديموس" اليساري الأكثر جذرية من الاشتراكيين، من دون أن يفقد وزنه)، وغيرها من البلدان.
إن هذا الميل هو في حقيقة الأمر انعكاس لحالة اللايقين المسيطرة على قطاعات اقتصادية واجتماعية واسعة في ظل ثورة تكنولوجية متجددة من الاتصالات إلى الذكاء الاصطناعي وما يتركه ذلك من آثار على توجهات الشركات الكبرى وعلى سوق العمل تاليا.
ففي الوقت الذي تبدو فيه أحزاب يمين الوسط ويساره في حالة جمود بل ذهول أمام عمق التبدلات الاقتصادية-الاجتماعية السريعة، وبروز عوامل مؤثرة لا يمكن التكهن بالأبعاد التي ستتركها على المجتمعات، تبدو الحلول أبسط على أطراف المتن السياسي وهوامشه. 
تومي روبنسون، منظم مسيرة "وحدوا المملكة" في لندن، أجاب عندما سئل ما الذي ستفعله إذا أصبحت رئيسا للوزراء، قائلا: "سأوقف الإسلام". ثم استرسل في ذكر الأخطار التي يشكلها الإسلام في رأيه على بريطانيا وعلى ثقافتها وهويتها... إلخ. بيد أن روبنسون لم يشرح كيف سيعمل على معالجة العبء الهائل الذي يمثله الإنفاق على التقاعد والخدمات الاجتماعية والنظام الصحي من خلال "وقف الإسلام". 
غني عن البيان أن المقاربة المذكورة وأشباهها ستحمّل المهاجرين "الكسالى والعاطلين عن العمل" مسؤولية تضخم الإنفاق المذكور واستهلاكه الجزء الأكبر من الضرائب الباهظة التي يدفعها المكلف البريطاني. مع ذلك سيجد سياسيون من المدرسة ذاتها جرأة كافية للدعوة إلى عدم الإنفاق على المتقاعدين وعلى المرضى المزمنين ما يعيد المشكلة إلى الدائرة المفرغة الأزلية: الإنفاق على المجتمع أو التخلي عن مسؤولية الدولة حياله. 
جواب السؤال هذا قدمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما قال إنه لا يبالي إطلاقا بازدياد العبء على مواطنيه جراء ارتفاع أسعار الوقود... إنهما عالمان متوازيان تتقطع الخيوط الواصلة بينهما بتسارع واضطراد.

font change