مفاوضات لبنان وإسرائيل انتهت قبل أن تبدأ

ستكون السيطرة الأمنية الإسرائيلية على مساحات شاسعة من الجنوب اللبناني شبه كاملة لا يخرقها سوى بعض العمليات التي يشنها "حزب الله" ضمن نوع من حرب الاستنزاف

مفاوضات لبنان وإسرائيل انتهت قبل أن تبدأ

استمع إلى المقال دقيقة

أنهت إسرائيل المفاوضات مع لبنان قبل أن تبدأ. وجرياً على عادتها، فرضت حكومة بنيامين نتنياهو أمرا واقعا في الجنوب اللبناني سيكون من المستحيل على الدولة اللبنانية بقدراتها الحالية، تجاوزه.

القرى التي احتلتها إسرائيل منذ بدء الحرب في الثاني من مارس/آذار أصبح أكثرها رمادا بالمعنى الحرفي للكلمة. ولن يكون ممكنا إعادة إعمارها وعودة أهاليها إليها من دون مشروع دولي ضخم لا يبدو– حتى الآن على الأقل- أن هناك من يرغب في تمويله. هذا في حال وافقت إسرائيل على سحب قواتها من عشرات المواقع التي استحدثتها داخل الأراضي اللبنانية وهو ما لا يوجد ما يوحي بأن الإسرائيليين في صدد القيام به في المستقبل المنظور.

لقد مسحت القرى تماما عن الخريطة وهناك مدن كاملة مثل بنت جبيل والخيام، وهي من الحواضر الكبيرة والتاريخية في جبل عامل، لم يعد فيها "حجر على حجر" على ما يقال، بفعل تصور إسرائيلي مسبق لما يجب أن تكون عليه المنطقة الحدودية في الجنوب اللبناني.

فعلت إسرائيل الأمر ذاته في الضفة الغربية في الوقت الذي كانت تتفاوض فيه مع السلطة الفلسطينية على المرحلة النهائية من اتفاق أوسلو؛ إذ زرعت الضفة بآلاف الوحدات الاستيطانية والطرق الالتفافية ثم بنت الجدار العازل مع بدء الانتفاضة الثانية بحيث بات كل حديث عن تفكيك المستوطنات وإنشاء كيان فلسطيني متصل في الضفة ضربا من الخيال. فالوقائع التي تخلقها إسرائيل على الأرض بفضل إمكاناتها الكبيرة، تنتقل فورا إلى طاولة التفاوض كحقائق لا يمكن القفز من فوقها.

الأمر ذاته جرى في غزة، حيث يسيطر الجيش الإسرائيلي على حوالي 60 في المئة من مساحة القطاع ويحشر مليوني فلسطيني في ما تبقى من أرض، بينما الأفق مسدود تماما أمام أي حل ولو كان إنسانيا لهؤلاء البشر المزدحمين في مخيمات غير صالحة للسكن.

سيكرر المفاوضون اللبنانيون ما سبقهم إليه غيرهم من المفاوضين العرب عن ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية بينما سيعود الإسرائيليون إلى حجتهم بأن لبنان هو من بدأ الحرب

والأرجح أن جدول الأعمال الإسرائيلي في المفاوضات مع لبنان خلال الأيام المقبلة سيتركز على ما يعرف الإسرائيليون قبل اللبنانيين استحالة تنفيذه. ذلك أن ممثلي حكومة اليمين العنصري الإسرائيلي سيطالبون بتفكيك "حزب الله" ونزع سلاحه وقرار كهذا، لا يمكن اتخاذه في بيروت بل في طهران التي أنشأت "الحزب" وسلحته وجعلته جزءا من استراتيجيتها العابرة للحدود والتي لا تزال متمسكة بها بل ترى أنها تعود عليها بالمكاسب في هرمز. 
وسيجد المفاوضون اللبنانيون أنفسهم يكررون ما سبقهم إليه غيرهم من المفاوضين العرب عن ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية بينما سيعود الإسرائيليون إلى حجتهم بأن لبنان هو من بدأ الحرب وعليه تحمل تبعات فعلته تلك وأن السلطة اللبنانية عاجزة حتى عن تنفيذ القرارات التي تتخذها. 
ولم يكن لدى لبنان فيما هو يراقب تفاقم نكبته غير المسبوقة سوى ان يطرح آخر ورقة في يده اي الدعوة الى التفاوض المباشر مع اسرائيل، علّه في ذلك يدفع عن نفسه كأس الدمار الذي فُرض عليه. 
أما على أرض الواقع، فستكون السيطرة الأمنية الإسرائيلية على مساحات شاسعة من الجنوب اللبناني شبه كاملة لا يخرقها سوى بعض العمليات التي يشنها "حزب الله" ضمن نوع من حرب الاستنزاف التي تختلف جذريا عن تلك التي شهدها لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي بعدما تغير العالم على نحو لم تعد فيه القوى الدولية ولا الإقليمية تؤدي الأدوار والوظائف السابقة ذاتها. 
في هذا الوقت، تبقى كارثة النزوح الكثيف والاكتظاظ في المناطق التي استقبلت المهجرين وستتفاعل الأزمة الداخلية اللبنانية وسيتعمق الانقسام المناطقي والطائفي ليلامس الانفجارات الدورية التي لن تخلو من عنف ومن استعراض لأبشع نزعات الكراهية المتبادلة بين المكونات، على خلفية اختناق اقتصادي يفاقمه انحدار شديد في التحويلات المالية من اللبنانيين المقيمين في الخارج جراء الحرب الدائرة في الخليج. 
ويخطئ من يظن أن أجواء كهذه ستساعد المفاوض اللبناني على السير على هدي المفاوضات المصرية والأردنية، وأن لبنان وإسرائيل سيكرران هذين النموذجين. بل إن ما يجوز توقعه هو تكرار للمفاوضات السورية في عهد آل الأسد وفي زمن الحكومة الحالية، ولنظيرتها الفلسطينية من حيث الدوران في دوائر مغلقة من المطالب الإسرائيلية المستندة إلى القوة العارية تقابلها محاولات لبنانية لاستعادة الحقوق مع الحفاظ على حد أدنى من الكرامة. 
وسط هذا المشهد تتردد مزحة غير مضحكة عن "تحسين شروط لبنان التفاوضية" وتجميع نقاط القوة.

font change