هل من "خيار ثالث" للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية؟

قد يبدو سهلا اقتراح "خيار ثالث" أو رابع أو أكثر، كنوع من التمرين الذهني أو "العمل النظري"

هل من "خيار ثالث" للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية؟

استمع إلى المقال دقيقة

تُكتب هذه الأيام مقالات عن "خيار ثالث" في المفاوضات أو المواجهات بين لبنان وإسرائيل. خيار تتجلى فيه الطهرانية الرافضة للعلاقة مع إسرائيل إلى جانب اتهام المفاوضين اللبنانيين بالسذاجة والتفريط بالحقوق.

والخيار الأول المفترض هو مقاومة القوات الإسرائيلية بالسلاح وإحياء تجارب الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي والامتناع عن التفاوض المباشر والركون إلى قتال مديد حتى تحرير الأرض وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي احتلها إلى مواقع السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي قبل "حرب الإسناد" الأولى.

أما الخيار الثاني فهو التفاوض المباشر بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية واعتبار أن "حزب الله" عدو مشترك وأن السلام بين لبنان وإسرائيل يمر حكما بنزع سلاح "الحزب" بطريقة أو بأخرى. يضيف مفسرو الخيار هذا أن لا سلام ممكن بين الجانبين من دون معاهدة تنطوي على التطبيع وعلاقات دبلوماسية وسياسية كاملة بما فيها التعاون الأمني، على طريقة الاتفاقات الإبراهيمية.

ويقدم أصحاب "الخيار الثالث" أنفسهم على أنهم الحريصون على المصلحة اللبنانية العليا وأنهم يتحلون بالوعي الذي ينقص دعاة السلام المستعجل مع إسرائيل ويضعون جملة من التنبيهات والاعتبارات التي يرونها ضرورية لعدم انزلاق لبنان والارتماء في الحضن الإسرائيلي.

وإذا نحينا جانبا اللهجة الاستعلائية والمتعجرفة لدعاة "الخيار الثالث" الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم محتكرين للحقيقة الوحيدة وبأنهم هم الحريصون على المصلحة الوطنية التي يفرط فيها الآخرون، لن يبقى الكثير لنقاشهم في طروحاتهم لأسباب بسيطة، أهمها أنهم يكررون ما تقوله الدولة اللبنانية عموما على لسان المتحدثين باسمها ممن ظهروا في الأيام القليلة الماضية على وسائل الإعلام، وأشاروا إلى أن السلطة اللبنانية تعي خطورة الموقف والكمائن السياسية التي يمكن أن ينصبها الإسرائيليون.

وربما يكون مغريا على المستوى البلاغي والسجالي استخدام تقنية "رجل القش" في الهجوم على المفاوض اللبناني، أي صوغ سلسلة من المواقف المستوحاة من أقوال غلاة اللوبي اللبناني المؤيد لإسرائيل والممتد من بعض المصرفيين في الولايات المتحدة الذين يسيطرون على إمبراطورية إعلامية في لبنان، وصولا إلى بعض سياسيي الصف الثالث والرابع ممن لا قيمة ولا أثر لما يقولون خارج تغذيتهم دوامة من المهاترات لا تتوقف لا ليلا ولا نهارا. وبعد ذلك يتقدم النقاد البارعون لتدمير "رجل القش" المغلوب على أمره والذي لا يملك فرصة للدفاع عن آراء ليست له في المقام الأول.

أبرز ما يفوت دعاة "الخيار الثالث" هو الصعوبة الشديدة في تشخيص المصلحة الوطنية اللبنانية في ظل انقسام عميق بين اللبنانيين حول رؤيتهم لمستقبل بلدهم المنكوب

مهما يكن من أمر هذه الممارسة الهزلية في النقاش السياسي، فإن أبرز ما يفوت دعاة "الخيار الثالث" هو الصعوبة الشديدة في تشخيص المصلحة الوطنية اللبنانية في ظل انقسام عميق بين اللبنانيين ليس حول رؤيتهم لمستقبل بلدهم المنكوب فحسب، بل أيضا للمسار الذي أفضى بهم إلى الحال هذه. 
ومن المفيد التذكير بأن لبنان تعرض لواحد من أسوأ ثلاثة انهيارات اقتصادية في القرون الثلاثة الماضية على مستوى العالم (بحسب تقرير "البنك الدولي" في الأول من يونيو/حزيران 2021). وحتى اليوم لم يصدر قانون إصلاحي واحد أو إجراء حكومي لمعالجة الانهيار الكارثي الذي أعقبه تفجير مرفأ بيروت الذي دمر أجزاء واسعة من العاصمة بيروت وأدى إلى مصرع أكثر من 230 إنسانا وخسائر بمليارات الدولارات. وحتى الآن تمنع قوى الأمر الواقع استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لتقديم المتسببين في الانفجار إلى العدالة. يضاف إلى ذلك أن الفساد الذي يعمل كمؤسسة لها قوانينها وأطرها التنظيمية يبقى بعيدا عن المساءلة. ولا ننسى أن "المقاومة" الممثلة في "حزب الله" وأمينه العام السابق، ساهمت بقوة في إفشال كل جهد إصلاحي سواء بتعطيل التحقيقات أو باتهام المطالبين بالإصلاح "بالعمالة للسفارات". السؤال البديهي هنا: إذا كانت "المقاومة" من القوى المستفيدة من الفساد والمتسببة في الانهيار، فلماذا ينبغي أن يدافع اللبنانيون عنها ويتمسكوا بها؟
وعموما، يشعر اللبنانيون بالاستياء عندما يقول المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون إن "لبنان دولة فاشلة". لكن هذه هي الحقيقة التي يرفض كثير من اللبنانيين الاعتراف بها، للأسف. 
على هذه الخلفية، يصح التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها رسم "المصلحة اللبنانية العليا" وتشخيصها والدفاع عنها أمام المفاوضين الأميركي والإسرائيلي اللذين يأتيان بموقف موحد ومطالب صريحة. في المقابل، تقدم الحكومة اللبنانية ما تعتقد أنه موقف متفق عليه داخليا مخففة من فداحة التناقضات الطائفية والجهوية والسياسية المتفاقمة والتي تلامس حدود الانفجار الأمني. 
عليه، قد يبدو سهلا اقتراح "خيار ثالث" أو رابع أو أكثر، كنوع من التمرين الذهني أو "العمل النظري"، في حين تتناقص كل يوم العوامل التي تجمع اللبنانيين وتوحدهم وتناقصت عوامل القوة من بين يدي المفاوض اللبناني. 

font change