أرواحنا الرخيصة وقضايانا العظيمة

إذا كان للحرب من فضيلة، فهي أنها حضتنا جميعا لننظر في المرآة

أرواحنا الرخيصة وقضايانا العظيمة

استمع إلى المقال دقيقة

القضايا كي تنجح تطلب ثمنا. فالقضايا كالتزام جماعي بتحقيق هدف مشترك، لا تتقدم من دون تضحيات بشرية ومادية. وفي سياق هذه المسيرة تتشكل الهوية و"الذات" الجمعية المنطوية على خضوع الفرد للمصلحة العامة.

هكذا يدعونا المؤتمنون على القضايا العظيمة إلى إبداء الغيرية والتخلي عن مصالحنا الضيقة من أجل صالح عام وخير مرتجى. لكن الأمور تأخذ منحى غير سويّ بل أقرب إلى الكوميديا السوداء، عندما لا يبقى من القضية العادلة إلا الثمن الباهظ الذي يتعين على الفرد والجماعة تقديمه، فيما القضية لا تني تتراجع وتنتكس وتصاب القوى الحاملة للوائها بالهزيمة تلو الأخرى. ويصبح السؤال عن الثمن الذي سنجنيه كأفراد وجماعات مقابل التضحيات التي تتعاظم حتى تتحول إلى دمار شامل للعمران والاجتماع، بمثابة الخيانة والكفر البواح.

فقَدَ لبنان في شهر ونيف أكثر من ألفين من أبنائه، ودُمرت قرى ومناطق سكنية تمتد من أقصى جنوبه إلى آخر شماله. يضاف إلى هذه القائمة الحزينة آلاف الجرحى والمشوهين وحوالي مليون مهجر قد لا يعودون إلى بيوتهم قريبا. وما زال خطاب القضية العادلة و"المقدسة" يلعلع من دون توقف. وفي الوقت ذاته، يبلغ الانقسام حول مسائل الحرب والسلم والعلاقات مع الخارج والتوازنات الداخلية، مستوى لم يبلغه منذ قيام "لبنان الكبير".

لقد أخرجت الحرب التي شُنّت ثأرا لمقتل "المرشد" الإيراني علي خامنئي، كل ما اعتمل في نفوس اللبنانيين طوال عقود من التسلط والتحكم والاستفزاز مارسته قوى بعينها ضد لبنانيين آخرين. فشهدنا الشتائم الطائفية الصريحة على شاشات التلفزة والرفض الكامل لمجرد وجود مهجرين من طوائف باتت مرفوضة في مناطق لا ترحب بهم. وإذا كان للحرب من فضيلة، فهي أنها حضتنا جميعا لننظر في المرآة ونرى وجوهنا بكل بشاعتها وندوبها من دون أقنعة وتجميل وتزويق.

بعض البرغماتية يفرض وضع ما خسره اللبنانيون منذ عامين مقابل المعنى الأعمق للقضية التي يختصرها البعض "بالكرامة" و"الرأس المرفوع" و"الوفاء لدماء الشهداء"

أما القضية التي تستدعي التفافا جماعيا حولها، من النوع الذي ألفناه في بلادنا، فغالبا ما تنجم عن المسؤولية الأخلاقية التي يحددها أشخاص أو جماعات ويبدأون العمل على إنجازها ومعالجة الإخفاق الذي يعانون منه كالفقر والظلم والاحتلال. وفي العادة تكون الدولة– كأوضح ممثل للسلطة– هي المسؤولة عن المعاناة والإخفاقات فتصير مقاومتها خلاصة للقضية التي تكتسب عدالة لا تضاهى. 
هذا في النماذج المدرسية. لكن ما العمل إذا كانت المقاومة هذه التي أنتجتها ظروف اختفت وولت، هي المسؤولة عن الإخفاق والهزيمة والدمار وتفتت المجتمع. وأن المقاومة ذاتها منعت كل محاولة إصلاحية وأنزلت رعاعها إلى الشوارع للاعتداء على المطالبين بمكافحة الفساد وإسقاط نظام المحسوبيات في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019. والمقاومة هذه هي من أوقفت التحقيق في كارثة تفجير مرفأ بيروت ومنع الوصول إلى الحقيقة حماية لمنظومة حاكمة هي جزء منها وإن أنكرت. من يسائل هذه المقاومة والحال كما تقدم؟ المقاومة ترفض المساءلة. فالعدو على الأبواب بل عاد لاحتلال أجزاء واسعة من أرضنا وفتح ملفات الماضي لا يخدم سوى العدو المتربص. هذا ما يجب أن نقتنع به. 
هنا لا يصح أن نتخلى عن الحق بالبحث في طبيعة هذه القضية وعدالتها والثمن الأقصى الذي يتعين علينا دفعه من أجل تحقيقها. بعض البرغماتية يفرض وضع ما خسره اللبنانيون منذ عامين لا أكثر- ويتمثل في آلاف القتلى والجرحى ودمار رهيب- مقابل المعنى الأعمق للقضية التي يختصرها البعض "بالكرامة" و"الرأس المرفوع" و"الوفاء لدماء الشهداء". 
غني عن البيان أن هذه كلمات قد لا تخلو من بعض البلاغة الخطابية لكن لا يمكن لها أن تحصل على قبول أكثرية اللبنانيين. وأن الهزائم المتعاقبة (التي كان حسن نصرالله قد أكد أن زمنها قد ولى) تجذب لبنان إلى المزيد من الفقر والظلم والاحتلال الخارجي. أي إنها تولد "قضايا" جديدة تستحق أن يجتمع المتضررون منها لتحقيق العدالة لهم ولجماعاتهم. وفي هذا عودة إلى دائرة مغلقة من طلب العدالة وامتناعها عن التحقق وفتح لأبواب جحيم أبدي. 
كان أرسطو يجيب عن سؤال الهدف النهائي (التيلوس) بأنه الحياة الطيبة في المدينة أو أي اجتماع بشري. وإذا كنا نشكو من صخب الخطاب الداعي إلى حياة فاضلة في ظل "المقاومة" و"الكرامة" الواصلتين من مضيق هرمز، فهل سنعلم يوما ما الثمن النهائي لهذه القضايا العادلة؟ 

font change