يقتصر الاهتمام العربي حاليا على الكيفية التي يمكن بها جني أكبر الأرباح من الذكاء الاصطناعي من خلال تحسين أداء الشركات وفرص الاستثمار، من جهة، والاستخدامات الأمنية والعسكرية من جهة ثانية. بيد أن التركيز على الجوانب هذه يهمل الجوانب الأخطر في التقنية المذكورة وآثارها على مجمل بنى الدولة والمجتمع والاقتصاد.
في الشهور القليلة الماضية، ساهم أصحاب شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "أمازون" و"تسلا" و"بالنتير" في نقاش ما يعنيه الذكاء الاصطناعي من وجهة نظرهم. امتدت المسائل المطروحة للنقاش من موقع الإنسان في عالم يسيّره الذكاء غير البشري والحق في العمل ونهاية المجتمع بصيغته التي سادت العالم منذ الثورة الزراعية قبل آلاف الأعوام، وصولا إلى السلطة والديمقراطية والحكم والنُخب المالية.
في "المنتدى الاقتصادي العالمي" الأخير في دافوس، رسم إيلون ماسك صاحب الثروة الأكبر في العالم وشركات "سبيس إكس" و"تسلا" و"إكس"، صورة وردية لمستقبل العالم الذي سيفتح له اندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات "آفاقا من الوفرة" فيما سينتشر الوعي عبر الفضاء بفضل مشاريع "سبيس إكس" في كون يندر فيه بشدة الوعي والحياة. أما الأكثرية من البشر فلن تكون مضطرة للعمل بفضل الثروة التي ستوزع على المواطنين جراء عمل الآلات.
الجدير ذكره أن إيلون ماسك جهر بتأييده جماعةَ "استعادة بريطانيا" المتطرفة التي قال إنها "وحدها من سينقذ بريطانيا" وموّل مظاهرات "وحدوا المملكة" التي نظمها الناشط تومي روبنسون الذي تتهمه وسائل إعلام بريطانية عدة بالعنصرية.
من جهته، فإن جيف بيزوس مؤسس شركة "أمازون" العملاقة شن قبل أيام هجوما شرسا على سياسات زهران ممداني عمدة نيويورك، الضريبية، بسبب اقتراح الأخير فرض ضرائب على الشركات الكبرى التي كانت جملة من القوانين والإعفاءات التي صدرت أثناء إدارات "الحزب الجمهوري" قد قلصتها بشدة. واعتبر بيزوس أن النظام الذي يدعو ممداني إليه فاشل وأن الوظائف التي تؤمنها شركته أكثر جدوى ونفعا من تحصيل الضرائب من الأغنياء.
أما أليكس كارب صاحب شركة "بالنتير" لتقنية المعلومات فهو الأوضح في انحيازه إلى رؤية لعالم تحكمه وتديره شركات التكنولوجيا المتقدمة ويناصب المطالبين بالمساواة والحقوق العداء الصريح، ناهيك عن انحياز كامل إلى سياسات إسرائيل بالمطلق بما فيها الإبادة التي نفذتها في غزة حيث دافع عنها باعتبارها "قتلا للإرهابيين".
رسالة البابا لاون تبدو في الكثير من فقراتها كأنها رد مباشر على طروحات أصحاب الشركات الكبرى. ذلك أنه يدعو إلى تعزيز دور الحكومات في الرقابة على الشركات التي تطور الذكاء الاصطناعي
بغض النظر عن اجتماع آراء أصحاب شركات التكنولوجيا المتقدمة الكبرى على تأييد ودعم قوى اليمين الشعبوي والمتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا على نحو ينذر بأن يكون "الأخ الأكبر"- الذي تتحدث عنه الأدبيات الديستوبية المبشرة بمصائر كالحة السواد للبشرية- هو صاحب شركة تقنية وليس ديكتاتورا عاديا، فإن الصراع على دور الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالمجتمع البشري لم يُحسم بعد.
وكانت الرسالة المفتوحة التي وجهها البابا لاون الرابع عشر إلى العالم بعنوان "الإنسانية الرائعة" خطوة مهمة في وضع الإطار الأخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي والمحاذير التي يتعين على الشركات الكبرى تجنب الوقوع فيها. والرسالة تبدو كاستمرار لنهج البابا السابق فرنسيس الذي وجه رسالتين حول خطر التغير المناخي والكوارث التي قال إن العامل البشري في ظهورها لم يعد قابلا للإنكار وأن الإصرار على تجاهلها ستكون له عواقب وخيمة على البشرية كلها.
ورسالة البابا لاون تبدو في الكثير من فقراتها كأنها رد مباشر على طروحات أصحاب الشركات الكبرى المذكورين. ذلك أنه يدعو إلى تعزيز دور الحكومات في الرقابة على الشركات التي تطور الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق الموظفين والعمال الذين تهددهم هذه التكنولوجيا وتشجيع الطلاب على تبني التفكير النقدي حيالها والحيلولة دون تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى منابر للكراهية والدعوات إلى العنف.
وفي بداية الألفية، ظهرت في أوساط عدة مخاوف من الأخطار التي جلبها تطور تقنيات التحكم بالعوامل الوراثية والاستنساخ، في الوقت الذي كان العلماء يتقدمون بخطى واسعة لاستكمال الخريطة البشرية الشاملة أو "الجينوم" الذي أثار آمالا عريضة في العثور على علاجات للكثير من الأمراض المستعصية. ولكنه ولّد ذعرا مشروعا من استغلال التقنيات هذه لخلق "مسوخ" بشرية لاستغلالها في شتى النشاطات التي قد تتفتق عنها العقول المريضة.
منحى مشابه يبرز اليوم حيال التناول الحذر لمسألة التوسع غير المدروس والمراقب للذكاء الاصطناعي بحيث تصبح الأحلام التي تروج لها شركات تسعى وراء الأرباح الفاحشة، بداية انزلاق إلى هاوية لا قرار لها.