الشركاء الخليجيون... ركيزة لا غنى عنها في أي تسوية إيرانية دائمة

صياغة السلام الإقليمي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب مع قادة دول الخليج خلال قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض، في 14 مايو 2025

الشركاء الخليجيون... ركيزة لا غنى عنها في أي تسوية إيرانية دائمة

مدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق من هذا الأسبوع، المهلة التي كان حددها لأسبوعين من أجل تثبيت وقف إطلاق النار الهش مع إيران، مانحا قادة النظام الإيراني وقتا إضافيا لتقديم موقف أكثر تماسكا، في المحادثات التي تتوسط فيها باكستان.

ومنذ إعلان هذا التمديد، واصلت الولايات المتحدة إرسال إشارات متباينة بشأن المسار المقبل. فقد وصلت قوة عسكرية إضافية، تمثلت في مجموعة حاملة طائرات ثالثة، إلى المياه القريبة من إيران في الأسبوع ذاته الذي أعلن فيه ترمب التمديد، مؤكدا في الوقت نفسه رغبته في إبرام "أفضل صفقة" مع القيادة الإيرانية.

لقد انتقلت سياسة واشنطن تجاه إيران، خلال ولاية الرئيس ترمب الثانية، من نهج "الضغط الأقصى" إلى حال من "ذروة عدم اليقين" يغلب عليها قدر كبير من الغموض الاستراتيجي. في الماضي، كتب القائد العسكري والفيلسوف الصيني القديم سون تزو أن القائد الماهر هو من يحقق الغلبة على خصمه من دون قتال. ويبدو أن ميل ترمب إلى الدبلوماسية يتقدم، ولو بدرجة محدودة في هذه المرحلة، على خيار التصعيد العسكري.

وفي مسار مواز يرتبط بالملف الإيراني، انتقلت المباحثات بين إسرائيل ولبنان هذا الأسبوع من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض، بالتزامن مع إعلان ترمب تمديد وقف إطلاق النار بينهما لثلاثة أسابيع إضافية.

غير أن تقلب مواقف ترمب على مختلف الجبهات، يجعل من المبكر الجزم بتمسكه بخيار الدبلوماسية مع كل من لبنان وإيران، أو عودته إلى التصعيد إذا لم تحقق هذه المسارات نتائج في وقت قريب.

لماذا يحتاج الشركاء العرب إلى دور أقوى في دبلوماسية إيران

إذا واصل ترمب الرهان على المسار الدبلوماسي، فإن عنصرا أساسيا لا يزال غائبا في هذه المعادلة، وهو انخراط الولايات المتحدة الثابت والمنتظم مع شركائها العرب، ولا سيما في الخليج، لتحديد ملامح الهدف الاستراتيجي النهائي في التعامل مع إيران. لقد نسقت واشنطن مع هذه الدول، إلا أن هذا التنسيق تركز أساسا على مواءمة الإجراءات الدفاعية في مواجهة الهجمات الإيرانية.

لا تزال باكستان القناة الرئيسة لتنسيق المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، مع اضطلاع كل من مصر وتركيا بأدوار مساندة. أما دول الخليج، فقد أبدت ترددا مفهوما في أداء دور الوسيط بين واشنطن وطهران

لا تزال باكستان القناة الرئيسة لتنسيق المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، مع اضطلاع كل من مصر وتركيا بأدوار مساندة. أما دول الخليج، فقد أبدت ترددا مفهوما في أداء دور الوسيط بين واشنطن وطهران، رغم خبرة دول مثل عمان وقطر والإمارات العربية المتحدة في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة. إذ ألحقت الهجمات الإيرانية بهذه الدول أضرارا مادية، وأضعفت في الوقت نفسه، مستويات الثقة التي يقوم عليها أي مسعى وساطة من هذا النوع.

وخلال العامين الماضيين، شكل الشركاء الإقليميون للولايات المتحدة عاملا مضاعفا مهماً في المجالين العسكري والأمني. فمنذ جولتي التصعيد مع إيران في عام 2024، مرورا بحرب الأيام الاثني عشر العام الماضي، وصولا إلى المواجهة الحالية، عملت الولايات المتحدة بتنسيق وثيق، مع طيف واسع من الشركاء على الصعيد العسكري.

رويترز
صورة جماعية للقادة والرؤساء المشاركين في القمة العربية الإسلامية الطارئة لمناقشة الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، قطر، 15 سبتمبر 2025

تكبدت دول الخليج بحكم الجغرافيا خسائر كبيرة بسبب الحرب. فقد تعرضت بعض هذه الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة، لأضرار طالت بنيتها التحتية، فيما لا تزال دول المنطقة جميعها تتحمل كلفة اقتصادية كبيرة نتيجة الحرب، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، الخاضع الآن لحصار مزدوج من إيران والولايات المتحدة. وقد فضلت هذه الدول العربية جميعها مسار خفض التصعيد والدبلوماسية، لا المسار الذي اختارته الولايات المتحدة وإسرائيل.

أما الدبلوماسية العاجلة المطلوبة لمعالجة القضايا الأساسية، وفي مقدمها إعادة فتح مضيق هرمز، وتأمين المواد النووية الإيرانية، فستبقى في معظمها رهنا بطرفين من الأطراف الثلاثة الرئيسة في هذه الحرب، هما الولايات المتحدة وإيران. لكن أبعد من الأفق المباشر، سيكون إشراك الشركاء العرب للولايات المتحدة ضروريا لأي تسوية دائمة مع إيران.

وقد تحقق نجاح ترمب الأبرز عندما استطاع وقف إطلاق النار في غزة، وإطلاق سراح الرهائن في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى حد بعيد بفضل تنسيقه الوثيق مع هذه الدول العربية. وأسهمت تلك الدبلوماسية في وضع الإطار لما أصبح لاحقا "مجلس السلام"، وهي مبادرة لم تحقق حتى الآن مكاسب كبرى للفلسطينيين في غزة. وعلى إدارة ترمب الآن أن تسعى إلى بناء إطار دبلوماسي غير رسمي، مصغر أو متعدد الأطراف، يضم شركاء أساسيين في الخليج، إلى جانب مصر والأردن، للتعامل مع التحديات الكثيرة المقبلة في الملف الإيراني.

وقد فضلت هذه الدول العربية جميعها مسار خفض التصعيد والدبلوماسية، لا المسار الذي اختارته الولايات المتحدة وإسرائيل. وإضافة إلى ذلك، كانت لدول الخليج كلها علاقات مع إيران قبل هذه الحرب. ويكفي التذكير بأن السعودية وإيران أعادتا العلاقات الدبلوماسية في مارس/آذار 2023، بعد سلسلة من المحادثات في المنطقة ومباحثات استضافتها الصين. وفي سبتمبر/أيلول 2025، وبعدما هاجمت إسرائيل الدوحة أثناء مفاوضات وقف إطلاق النار مع "حماس"، شاركت إيران في القمة العربية-الإسلامية الاستثنائية التي استضافتها قطر. صحيح أن تلك القمة كانت، في معظمها، عرضا رمزيا للتضامن، ولم تقدم سوى إجراءات عملية قليلة بشأن الطريق إلى الأمام، لكنها أظهرت أن قنوات النقاش بين إيران وجيرانها العرب، ظلت قائمة قبل هذه الحرب.

حرب إيران عام 2026 بدلت الواقع داخل إيران وفي المنطقة، وفرضت مقاربة أوسع مع أصحاب المصلحة الإقليميين، ضمن حوار جديد يتجاوز الملف النووي، ويفتح الباب أمام نقاش أرحب حول ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء

 

(أ.ف.ب)
فانس يتحدث في مؤتمر صحافي بعد فشل الجولة الأولى من المحادثات، بحضور كوشنر وويتكوف، 12 أبريل 2026

في الماضي، كانت الإدارات الأميركية السابقة تتجنب، إلى حد كبير، إشراك شركاء الشرق الأوسط مباشرة في المحادثات مع إيران، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعقيد المفاوضات النووية التي كانت تدار، في معظمها، ضمن إطار مجموعة 5+1 وبمشاركة القوى الكبرى. غير أن حرب إيران عام 2026 بدلت الواقع داخل إيران وفي المنطقة، وفرضت مقاربة أوسع مع أصحاب المصلحة الإقليميين، ضمن حوار جديد يتجاوز الملف النووي ويفتح الباب أمام نقاش أرحب حول ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء.

فدول المنطقة هي التي ستجاور أي واقع يتشكل في إيران، بعد انقضاء هذه الأزمة المباشرة، ولذلك فإن منحها صوتا على الطاولة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تسوية نزاعات مزمنة، قد يساعد في شق طريق نحو تفاهم أكثر رسوخا واستدامة مع إيران.

font change

مقالات ذات صلة