ميناء ينبع... من صمام أمان سعودي إلى مركز تصدير خليجي؟

البحر الأحمر ينهض والمرفق السعودي في قلب التحول اللوجستي في المنطقة

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
حقول الغاز التابعة لشركة "أرامكو" في مدينة ينبع، السعودية، 6 يناير 2004

ميناء ينبع... من صمام أمان سعودي إلى مركز تصدير خليجي؟

إذا كانت أزمة مضيق هرمز قد كشفت شيئا واحدا بوضوح، فهو أن الخليج لا يملك ترف الاعتماد على ممر بحري واحد. وفي هذا السياق، يبرز ميناء ينبع كميناء سعودي مهم، وكأقرب مرشح واقعي ليتحول إلى منصة تصدير خليجية على البحر الأحمر. وهذا لا يعني أن ينبع قادرة اليوم على أن تحل محل الخليج كله، إنما هي تمثل البنية الوحيدة القائمة فعليا في المنطقة العربية القادرة على استقبال كميات ضخمة من النفط القادم من الشرق، وتصديره غربا دون المرور بمضيق هرمز.

جوهر الفكرة بسيط. فالسعودية تملك ما يخدم الكويت وقطر والبحرين في آن، وهو ممر بري نفطي مكتمل من الشرق إلى الغرب. إنه خط شرق–غرب، أو "بترولاين"، الذي يربط حقل بقيق في ينبع عبر نحو 1,200 كلم، وقد رُفعَت طاقته إلى 7 ملايين برميل يوميا وفق التصريحات السعودية الأخيرة، بينما تقدر وكالة الطاقة الدولية أن التدفقات المستدامة التي أمكن اختبارها تاريخيا كانت أدنى من ذلك، وأن الطاقة الفائضة المتاحة فعليا لإعادة التوجيه تبلغ تقريبًا بين 3 و5 ملايين برميل يوميا بحسب الظروف التشغيلية وقدرة التصدير على الساحل الغربي. ويُعد هذا الفارق بين الطاقة القصوى النظرية والطاقة العملية نقطة البداية في أي حديث جاد عن ينبع كمركز خليجي.

لا تأتي أهمية ينبع من خط الأنابيب وحده، بل من كونها منظومة لا نقطة تحميل فقط. فالمدينة تضم مرافق تصدير نفطي، وميناء صناعيا ضخما، ومصفاة بطاقة تقارب 230 ألف برميل يوميا، إضافة إلى قاعدة صناعية بتروكيماوية قديمة نسبيا ومتكاملة. كما أن ميناء الملك فهد الصناعي بينبع يملك طاقة مناولة سنوية تبلغ 210 ملايين طن وفق البيانات الرسمية السعودية، مما يمنح المدينة ميزة لا تتعلق فقط بشحن النفط الخام، بل أيضا بالمنتجات المكررة والبتروكيماويات وسلاسل الإمداد الصناعية المرتبطة بها.

تملك السعودية ما يخدم الكويت وقطر والبحرين في آن، وهو خط شرق–غرب الذي يربط بقيق في ينبع عبر نحو 1,200 كلم، وقد رُفعَت طاقته إلى 7 ملايين برميل يوميا 

وما جعل هذا الخيار يبدو فجأة أقل نظرية وأكثر عملية، هو الحرب وما حدث فيها خلال الأسابيع الماضية. فبيانات الشحن التي نقلتها "رويترز" أظهرت أن صادرات الخام من ينبع قفزت في مارس/آذار 2026 إلى ما يقرب من 4 ملايين برميل يوميا خلال الشهر ، ثم استمرت التحميلات عند مستويات مرتفعة، بينما قدّرت بيانات أخرى أن طاقة التصدير من الميناء نفسه تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميا.

رويترز
أنابيب نفطية في بقيق، 12 أكتوبر 2019

كما سجلت وكالة الطاقة الدولية في 9 مارس/آذار رقما يوميا قياسيا بلغ 5.9 ملايين برميل يوميا من الموانئ السعودية على البحر الأحمر مقارنة بمتوسط 1.7 مليون برميل يوميا في 2025. تشير هذه الأرقام إلى أن السوق اختبرت بالفعل سيناريو التحول غربا، وأن المنظومة استطاعت امتصاص جزء كبير من الصدمة.

 ثلاث مزايا استراتيجية

يقوم خيار ينبع على ثلاث مزايا استراتيجية، هي:

1.الجاهزية القائمة: دول الخليج الأخرى التي تبحث عن بديل لهرمز لا تبدأ من الصفر إذا جعلت ينبع هي نقطة النهاية؛ فهي تستند إلى خط سعودي موجود بالفعل، وموانئ عاملة، ومصاف، ومخازن، وخبرة تشغيلية.

2.التموضع الجغرافي: فالبحر الأحمر يفتح مباشرة على قناة السويس وأوروبا والبحر المتوسط، كما يتيح الوصول إلى أفريقيا، بينما تبقى الصادرات المتجهة إلى آسيا قادرة على العبور جنوبا عبر باب المندب.

3.الاستقرار السيادي: فالممر كله داخل دولة واحدة حتى لحظة الوصول إلى البحر، بخلاف مشاريع عابرة دولا يهددها اختلاف السياسات أو النزاعات الحدودية.

لكن تحويل ميناء ينبع من "صمام أمان سعودي" إلى "مركز تصدير خليجي" يحتاج إلى أكثر من الاستفادة من الموجود. وأول ما يحتاجه هو توسيع الممرات الداخلة إليها. فاليوم، الخط القائم يخدم السعودية أساسا، ويستهلك جزءا من قدرته في تغذية مصافي ومرافق غرب المملكة. لذلك فإن أي سيناريو خليجي يتطلب، عمليا، إما إنشاء خطوط جديدة موازية من داخل السعودية إلى ينبع، أو بناء شبكات ربط من الكويت والبحرين وربما المنطقة الشرقية المحاذية لقطر إلى شبكة السعودية الرئيسة. من ثم، يجب رفع الطاقة الاستيعابية في محطات الضخ والتخزين والمرافئ على الساحل الغربي. ما لم يحدث ذلك، ستظل ينبع مركزا سعوديا قويا مع هامش إضافي، لا مركزا إقليميا كاملا. وقد سبق لوكالة الطاقة الدولية نفسها أن حذرت من أن اللوجستيات وسلاسل الإمداد اللازمة لإعادة توجيه تدفقات كبيرة "لم تُختبر بقوة" بعد.

تحويل ميناء ينبع من "صمام أمان سعودي" إلى "مركز تصدير خليجي" يحتاج إلى أكثر من الاستفادة من الموجود. وأول ما يحتاجه هو توسيع الممرات الداخلة إليه

أما العامل الثاني فهو التكامل اللوجستي الأوسع. فينبع لا تحتاج فقط إلى أنابيب، بل إلى شبكة تدعم دورها كمحور متعدد الوسائط. هنا تظهر أهمية المشاريع السعودية الأوسع في الربط البري. وفي إطار تعزيز التكامل اللوجستي على ساحل البحر الأحمر، أطلقت "الهيئة الملكية للجبيل وينبع" بالتعاون مع "الهيئة العامة للنقل"، مبادرة لربط مركز الخدمات اللوجستية في ينبع بشبكة السكك الحديد مع كلٍ من ميناء الملك عبدالله وميناء جدة الإسلامي، بطاقة تصل إلى 2.5 مليون حاوية سنويا، وذلك ضمن توجه لدمج مدينة ينبع الصناعية في مشروع "الجسر البري".

تكتسب هذه المبادرة أهميتها من دورها في ربط المدن والتجمعات الصناعية والاقتصادية الكبرى داخل المملكة، بما يعظم عوائدها الاقتصادية ويدعم الشبكة الوطنية للسكك الحديد، فضلا عن تعزيز جاذبية المملكة لمقدمي الخدمات اللوجستية العالميين والصناعات المرتبطة بها. كما تسهم في خفض تكاليف النقل على القطاع الصناعي بنحو 30 في المئة، مما يعزز تنافسية الصناعة الوطنية، ويقلل أعداد الشاحنات على الطرق، بما ينعكس إيجابا على خفض الانبعاثات الكربونية وتخفيف الازدحام المروري، إضافة إلى تحسين الاستفادة من الحاويات الفارغة المتاحة حاليا لدعم حركة التصدير من مدينة ينبع الصناعية.

قيود لا بد من التعامل معها

مع أن مرفق ينبع خيار قوي، لكنه ليس حلا كاملا. وأول القيود التي تعترضه هو أن تعويض قطر عبر ينبع ليس سهلا في المدى المنظور، فالمشكلة أن نموذج تصدير يعتمد على الغاز الطبيعي المسال له متطلباته الخاصة. وتشير تقديرات دولية إلى أنه في الوقت الحالي لا توجد طرق بديلة لنقل صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية إلى السوق العالمية خارج مرافقها الحالية التي تمر عبر هرمز، كما أن خط أنابيب "دولفين"، الذي يربط بين ثلاث دول خليجية هي قطر مرورا بالإمارات وصولا إلى سلطنة عمان، له قدرة فائضة محدودة ولا يحل مشكلة التصدير العالمي.

للمفارقة، وفي تقرير نشرته وكالة "موديز للتصنيف الإئتماني" عام 2017، أشارت إلى أن خط "دولفين" يظل عرضة لمخاطر جيوسياسية مرتفعة، محذّرة من أن احتمالات انقطاع إمدادات الغاز قد تكون أعلى مما كان مقدّرا سابقا في حال تصاعد التوترات، مع تأثيرات قد تكون "شديدة للغاية"، مما يعكس محدودية دوره كحل إقليمي لا يمكن أن يعوّض تدفقات الطاقة العالمية.

معنى ذلك أن ينبع قد تصبح حلا ممتازًا للنفط وبعض المنتجات إنما ليس الغاز.

رويترز
سفينة عند مضيق هرمز، بالقرب من السواحل العمانية، 12 أبريل 2026

وفي سياق متصل، لم يعد الساحل الغربي نفسه منطقة خالية من المخاطر نتيجة تهديدات الحوثي، لكن الأرجح أن يتم التعامل معها لأنها اقل اشكالا من تعقيدات الصراع مع إيران كما أن للبحر الأحمر مخرجا بديلا وهو قناة السويس بخلاف مضيق هرمز.

وإذا نظرنا إلى البدائل المتاحة، فإن ينبع تبدو الأكثر نضجا بينها جميعا. فالكويت لا تملك منفذا بديلا قائما، وكذلك البحرين، وجميعها تملك بمفردها طاقة تصديرية تعيد صوغ المعادلة، أما المشاريع المتجهة إلى بحر العرب عبر اليمن فتبقى نظريا أكثر جرأة، وهي ممكنة لكنها أكثر حساسية وتعقيدا سياسيا وأمنيا.

لم يعد الساحل الغربي نفسه منطقة خالية من المخاطر نتيجة تهديدات الحوثي، لكن الأرجح ان يتم التعامل معها لأنها أقل اشكالا من تعقيدات الصراع مع إيران 

لذلك، فالتقييم الواقعي هو أن ينبع تصلح اليوم لأن تكون مركز التخفيف الأول، ويمكن خلال سنوات أن تتحول إلى مركز التصدير الخليجي الجزئي إذا اقترنت بثلاثة نشاطات، هي توسعة خطوط الأنابيب الداخلة إليها، ورفع قدرات التخزين والتحميل والتكرير على الساحل الغربي، وربطها بشبكة لوجستية خليجية أوسع تشمل السكك والحاويات والمناطق الصناعية. عندها تنتقل الفكرة من مجرد التفاف سعودي على هرمز إلى إعادة هندسة جغرافيا الخليج الاقتصادية.

فينبع هي أقرب ما تملكه المنطقة اليوم إلى بنية تحتية سيادية جاهزة يمكن البناء عليها. ويمكن أن تصبح "منفذ الخليج" أيضا. وما أظهرته أزمة 2026 والتهديدات المحتملة دائما في منطقة الخليج تجعل مد الأنابيب من الشرق الى الغرب بدأ يقترب من أن يصبح ضرورة.

التصدير إلى بحر العرب وتحدياته

تشير تحليلات استراتيجية إلى أن فكرة مد خط أنابيب سعودي عبر اليمن إلى بحر العرب طُرحت في فترات مختلفة، بهدف تجاوز مضيق هرمز عبر ما يُسمى بـ"الاستراتيجيا الخلفية" والوصول المباشر إلى المحيط الهندي. وعلى الرغم من أن هذه المقترحات لم تتحول إلى مشاريع منفذة، فإنها تعكس سعيا طويل الأمد لتأمين صادرات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية بعيدا من نقاط الاختناق الجيوسياسية.

أنابيب نفطية تمتد إلى ساحل ينبع على البحر الأحمر

إلا أن عدم الاستقرار في اليمن نتيجة الحرب والنزاعات، فضلا عن الانقسامات الداخلية وصعوبة حماية خط ثابت وطويل، تحول دون ذلك بسهولة وسلاسة. وقد يكون اليمن بيئة غير مناسبة لمشروع بهذا الحجم على الأقل حاليا حتى يستقر الوضع وهو المأمول بعد نهاية النزاع الإيراني الذي يؤمَل أنه سينعكس ايجابا على بقية نزاعات المنطقة.

يُعدّ بناء خط أنابيب عادة هدفا سهلا نسبيا وتصعب حمايته عبر مئات الكيلومترات خاصة مع وجود جماعات مسلحة مستوطنة مثل تنظيم "القاعدة" في الجنوب والحوثي في الشمال. ولا يمكن تخطي هذا الواقع في المرحلة الحالية، في انتظار تطورات المستقبل القريب. ويبقى الخط فكرة استراتيجية مهمة ستمكن هذه الدول من الوصول إلى المحيط مباشرة وفي الوقت نفسه تعزيز الاستقرار والازدهار في اليمن ايضا.

font change