عبدربه منصور هادي... رمزٌ في تاريخ اليمن أم عابرُ سبيل؟

هل كان مستعداً لتحمل مسؤولية تاريخية بهذا الحجم؟

أ ف ب
أ ف ب
الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي منصور يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة في 21 سبتمبر 2017 في مدينة نيويورك

عبدربه منصور هادي... رمزٌ في تاريخ اليمن أم عابرُ سبيل؟

هل كان الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، الذي قضى نحبه في السعودية، رجلاً عادياً وضعته الظروف في موقعٍ لم يسع إليه، أم الرجل غير العادي الذي أراد أن يكون استثنائيا، بما لم يكن بمقدوره أن يكون؟

رغم مجيئه إلى سدة الحكم عبر انتخابات عامة غير مسبوقة، كان فيها هو المرشح الوحيد الذي أجمعت عليه كل الأطراف، رغبة منها في الخروج من مأزق الصراع على السلطة، بعد تنحي سلفه الراحل علي عبدالله صالح، إلا أنه بدا مخيباً لآمال بعض ممن راهنوا على نجاح قيادته للبلاد.

منحت الأقدار والظروف والمصادفات الرئيس المنتخب هادي، ما لم تمنحه لرئيسٍ قبله في شمال البلاد أو جنوبها، قبل وحدتهما عام 1990 أو بعدها. حاول كثيرون من الداخل والخارج شحذ همة الرجل للاستفادة من هذا الزخم في توجيه دفة القيادة بسفينة شعبه إلى بر الأمان، إذ لم يحدث مثلا أن شهد أي بلدٍ أو عاصمة في العالم الثالث، والعالم العربي على وجه الخصوص، أن اجتمع فيها ممثلو الدول الدائمة العضوية، في مجلس الأمن، والمجلس بأجمعه على نحو استثنائي، مثلما جرى في العاصمة اليمنية صنعاء، في سابقة عبَّرت عن مدى الإسناد والتوافق العالمي على ضرورة الوقوف، إلى جانب هادي في مسعاه لاستعادة الشرعية والدولة التي أسقطتها "الميليشيات الحوثية" المدعومة من قبل إيران.

لكن الواقع أيضا أن تحديات كثيرة، كانت أكبر من قدرات هادي على تبصر أي الخيارات أنسب، للتحول بالبلاد نحو مرحلة انتقالية، تقود إلى مرحلة أخرى من الاستقرار السياسي سلماً أو حرباً، خصوصاً في ظل تعنت "الميليشيات" خلال مشاورات السلام، التي انعقدت غير مرة، وتنامي قدراتها العسكرية يوماً بعد آخر، بفعل الدعم الإيراني اللامحدود لها، تسليحاً وتدريباً وتمويلاً وغير ذلك.

الرجل لم يكن مستعداً لتحمل مسؤولية تاريخية بهذا الحجم، وإن كان ما افترضه البعض هو أنه لا بد أن يرقى إلى مستوى الظرف الذي وجد نفسه والبلاد فيه

لا شك أن الرجل لم يكن مستعداً لتحمل مسؤولية تاريخية بهذا الحجم، وإن كان ما افترضه البعض هو أنه لا بد أن يرقى إلى مستوى الظرف الذي وجد نفسه والبلاد فيه. أول تلك التحديات، أن هادي النازح إلى صنعاء عقب كارثة الـ13 من يناير/كانون الثاني 1986 لم يكن قد خَبِر صنعاء، وتعقيدات السياسة والحكم فيها، فهو بالأساس رجلٌ عسكري بامتياز، وإن لم يكن له طول باع في التخطيط العسكري الاستراتيجي. 

ينحى البعض باللائمة على هادي فيما أسفرت عنه الحرب، التي جاءت بناءً على طلبه من التحالف الذي قادته الرياض، للمساعدة على استعادة "الشرعية الدستورية" والدولة اليمنية التي انقلب "الحوثيون" عليها. السعودية تحركت بموجب القرار الأممي 2016 الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي، ووضع بموجبه اليمن تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ثم إن السعودية حتى دون هذا القرار كانت ستتحرك، ذلك أن "الانقلابيين الحوثيين" الموالين لإيران، عمدوا قبل أن تكمل "ميليشياتهم" سيطرتها على العاصمة صنعاء، وغيرها من المحافظات إلى إجراء مناورة عسكرية مثيرةٍ للجدل على مقربةٍ من حدود السعودية، مستفزةً لأمنهم واستقرار بلادهم.

أ ف ب
حضر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي القمة العربية الثالثة للاقتصاد والتنمية الاجتماعية، التي عُقدت في الرياض في 21 يناير 2013

ما الذي أراده هادي؟

لا يختلف كثيرون على "وحدوية" هادي، وإيمانه بالوحدة التي استمات في القتال دفاعاً عنها، ولكن بين أن يكون "رمزاً" مهَّدت الأقدار له أن يكون في قلب التاريخ، أو أن يظل "عابر سبيل" ظل الأمر باختياره. فماذا أراد؟

تعليقاً على ذلك في رحيل هادي، يقول الكاتب السياسي اليمني أحمد الشرعبي: "لا غبار على موقفه الوحدوي، أما الجمهورية ونظامها وقيمها ومعسكرها فقد ذبحها من الوريد إلى الوريد". المؤكد في الأمر أنه بقدر الخيارات التي وضعتها السماء بين يدي هادي، فإنه لم يخْتَر منها كما يرى البعض، إلا ما اختارته له الظروف والمصادفات، ومجموعة من المحيطين به من طلاب السلطة والمال.

محطات في حياة هادي

نشأ هادي المولود في اليوم الأول من شهر سبتمبر/أيلول 1945، في محافظة أبين جنوب البلاد، في بيئة قبلية عسكرية، خصوصاً بعد تخرجه عام 1964 في مدرسة "جيش محمية عدن"، كما درس في أكاديمية "ساند هيرست" العسكرية الملكية البريطانية، التي تخرج منها عام 1966 ليبدأ حياته العملية بعد ذلك. تقلد هادي سلسلةً من المناصب العسكرية والأمنية والإدارية في القوات المسلحة، في عدد من المناطق جنوب البلاد ابتداءً من عام 1966، وحتى تعيينه وزيراً للدفاع بعد حرب عام 1994، وصولاً إلى انتخابه رئيساً للبلاد عام 2012، بعد تنحي سلفه الراحل علي عبدالله صالح عن السلطة، بمقتضى المبادرة الخليجية.

أ ف ب
رجل يمني يحمل صورة للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بينما يتظاهر الآلاف في مدينة عدن الساحلية الجنوبية في 3 نوفمبر 2016 ضد خطة جديدة للأمم المتحدة لإنهاء الصراع في اليمن

خطوبٌ وأحداث جسام

شهد هادي في حياته سنواتٍ مما عرف بـ"حرب التحرير" ضد الاستعمار البريطاني حتى جلائه عن البلاد في الثلاثين من نوفمبر/تشرين الثاني 1967، وإن لم يشارك عملياً في معارك تلك الحرب على نحوٍ فعال كعدد من رفاقه، الذين تولوا حكم البلاد بعد هذه المرحلة. وعقب انفجار الصراع بين جناحي "الحزب الاشتراكي" الحاكم في جنوب البلاد في 13 يناير/كانون الثاني 1986، نزح هادي مع آلاف من الكوادر العسكرية والأمنية الموالية للرئيس الأسبق علي ناصر محمد، وذلك إلى شمال اليمن، ولم يمارس حتى عام 1994 أي نشاطٍ عسكريٍ أو سياسيٍ عامٍ يذكر.

وحين اندلعت حرب صيف عام 1994 تصدر هادي مع عدد من رفاقه الجنوبيين مقدمة القوات الموالية للرئيس صالح، حيث تولى تنفيذ عددٍ من المهام القتالية النوعية، التي أدت إلى هزيمة قوات الزعيم الاشتراكي الراحل علي سالم البيض، والسيطرة على مدينة عدن، وبقية محافظات الجنوب. لكن المرحلة الأخطر في حياة هادي تمثلت في اجتياح "الميليشيات الحوثية" لصنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014 خلال رئاسته للدولة، ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى خروجه من صنعاء إلى عدن، وفراره منها عند اندلاع الحرب ضد "الحوثيين" عام 2015 إلى سلطنة عمان، ومنها إلى المملكة العربية السعودية، التي اتخذ من عاصمتها الرياض مقراً مؤقتاً لحكومته، حتى تنازله عن السلطة في7 أبريل/نيسان عام 2022، وتفويضه صلاحياته الدستورية كاملة، لمجلس قيادةٍ رئاسي مكونٍ من ثمانية أعضاء.

قام هادي بإجراءات واسعة لإعادة هيكلة قوات الجيش والأمن، حيث أطاح بالعشرات من القادة العسكريين الذين اعتقد باستمرار موالاتهم لسلفه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وحليفه السابق علي محسن الأحمر

إنجازات هادي

قام هادي بإجراءات واسعة لإعادة هيكلة قوات الجيش والأمن، حيث أطاح بالعشرات من القادة العسكريين الذين اعتقد باستمرار موالاتهم لسلفه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وحليفه السابق علي محسن الأحمر، كما قام بإعادة تنظيم ونشر الوحدات العسكرية والأمنية، متعهداً بإعادة بناء القوات المسلحة على أسس وطنية، بما يضمن حيادها وعدم انزلاقها أو تورطها في الصراعات السياسية أو المناطقية أو القبلية، لكن عديدين رأوا أن ذلك كان سبباً في إضعاف المؤسستين العسكرية والأمنية، وعجزهما لاحقاً عن الوقوف في وجه "الميليشيات الحوثية" عند اجتياحها للعاصمة صنعاء.

سياسياً، يحسب للرئيس الراحل رعايته لمؤتمر الحوار الوطني الذي أعقب انتخابه عام 2012، وذلك بكل صبر وأناة حتى توصله إلى عدد من المخرجات، من بينها تنظيم شكل الحكم، وتوزيع الدولة إلى ستة أقاليم اتحادية، وإعداد مشروع لدستور البلاد، غير أن انقلاب "جماعة الحوثيين" أطاح بكل تلك المنجزات والتطلعات.

font change

مقالات ذات صلة