شكوفه آذر لـ"المجلة": الثقافة بديل العنف في تاريخ إيران

الكتابة كشكل من أشكال المقاومة والاحتجاج

Booker Prize Foundation
Booker Prize Foundation
الكاتبة الإيرانية شكوفه آذر

شكوفه آذر لـ"المجلة": الثقافة بديل العنف في تاريخ إيران

ولدت الروائية والصحافية الأوسترالية من أصل إيراني شكوفه آذر عام 1971، في عائلة أدبية في إيران، وكان والدها شاعرا ومخرجا وثائقيا مرموقا. عملت في صحف مستقلة، وركزت على القضايا الاجتماعية وحقوق المرأة. وبسبب دفاعها عن حرية التعبير، واجهت اضطهادا سياسيا واعتقلت مرتين، مما اضطرها إلى السفر إلى أوستراليا عام 2011.

اشتهرت بأسلوبها الأدبي المميز في الأدب المعاصر. تمزج ببراعة بين الأسطورة الفارسية ومواضيع النزوح السياسي والذاكرة والصدمات النفسية، محولة قسوة واقع إيران ما بعد الثورة إلى سرد أسطوري يبرز الصمود السياسي والثقافي، لذا حظيت أعمالها بإشادة دولية واسعة. وهي أول كاتبة إيرانية تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر الدولية عام 2020 عن روايتها " شجرة البرقوق الأخضر" الصادرة عام 2017, بالإضافة إلى ترشحها لجائزة الكتاب الوطني للأدب المترجم عن الرواية نفسها. كما صدرت روايتها الثانية، "شجرة جوكاران في وسط مطبخنا" عام 2025 وأبقت اسم المترجم عن اللغة الفارسية مجهولا لأسباب أمنية. وهنا حوار معها.

في رواية "شجرة البرقوق الأخضر"، نشهد العنف من خلال عيني طفل ميت، بينما في رواية "شجرة جوكاران في وسط مطبخنا"، تبدو السردية أكثر ارتباطا بالحياة اليومية. هل يمكن قراءة هذا التحول على أنه انتقال من ميتافيزيقا الفقد إلى واقعية المنفى؟

أعجبني تعبير "من ميتافيزيقا الفقد إلى واقعية المنفى". ربما يكون الأمر كما تقولين، وربما حدث ذلك دون وعي. عندما كنت أكتب "شجرة البرقوق الأخضر"، كنت أعاني من اكتئاب حاد وحزن وغضب. دون قصد، تحولت من صحافية نشطة داخل إيران إلى شخص عادي في المنفى في أوستراليا. كتبت الرواية في حالة من الكآبة والانفعال، غالبا في الليل.

على النقيض من ذلك، كتبت "شجرة جوكاران في وسط مطبخنا" بوعي أكبر، على مدى أربع سنوات. في طبيعة الحال، لا تحمل الرواية الحدة نفسها، ولا تلك الحيوية والإيقاع الجامح الذي يتجاوز حدود المألوف.

أعتقد أن هذه كانت أعظم نقاط قوة رواية "شجرة البرقوق الأخضر": فقد كانت جامحة، غير مقيدة، حتى خارجة عن التصنيفات الأدبية التقليدية. في تلك الرواية، تحديت التعريفات السائدة للواقعية السحرية وقدمت تعريفاتي الخاصة. استلهمت فكرتها السردية الأوسع من "ألف ليلة وليلة".

أما رواية "شجرة جوكاران"، فتتميز ببنية كلاسيكية أكثر. إنها ملحمية في نطاقها، أطول في شكلها، وتستمد روحها من ملحمة الشاهنامه، "كتاب الملوك"، حيث نجد سردا خطيا، يكاد يكون تاريخيا، يتكشف في عالم أسطوري. إنه سرد ملكي - مهيب في نبرته. يظهر الملوك والملكات والعمالقة وطائر السيمرغ بحضور قوي مهيب. هذا ما حاولت، إلى حد ما، محاكاته في هذه الرواية، بينما أسعى في الوقت نفسه إلى صوغ سرد حديث مميز.

استلهمت حياة البروفسور أحمد تفضلي، الباحث في الثقافة واللغات الإيرانية القديمة بجامعة طهران، الذي قتل بوحشية على يد النظام

حاولت، إلى حد ما، عكس هذا في هذه الرواية، بينما أسعى في الوقت نفسه إلى صوغ سرد حديث متميز. في رواية "شجرة البرقوق الأخضر"، الراوية هي روح فتاة مراهقة، حاضرة وفاعلة باستمرار في القصة التي تروى بصيغة المضارع. وكما في حكايات "ألف ليلة وليلة"، تتشكل الرواية وفقا لمنطق السرد في أساطير بلاد ما بين النهرين القديمة. أما في رواية "شجرة جوكاران"، فالراوية هي روح امرأة ناضجة، تدون ذكرياتها لابنها. هي روح، لكنها تسترجع ماضيها. ولذلك، فإن السرد أكثر خطية، مع حركة محدودة للغاية، تكاد تكون غير محسوسة، بين الماضي والحاضر والمستقبل.

السرد الأسطوري

وصف بعض النقاد رواية "شجرة البرقوق الأخضر" بأنها أقرب إلى الأسطورة، بينما تبدو رواية "شجرة جوكاران في وسط مطبخنا" أكثر حميمية وتجريبية. هل يمكنك إخبارنا المزيد عن تجربتك في الكتابة في كلا العملين؟

كتابة رواية مثل "شجرة البرقوق الأخضر" ليست نتاجا للفكر المجرد بقدر ما هي نتاج لكثافة عاطفية - لنوع من الاضطراب الداخلي. الفكر والبنية والوعي حاضرة، لكنها متداخلة مع ذلك القلق وتدفق المشاعر. إنه أسلوب كتابة أعشقه بشدة، لكنه ليس شيئا يمكن إنتاجه متى شئت، مرارا.

غلاف رواية "شجرة البرقوق الأخضر"

أتذكر أنني قرأت في مذكرات غبريال غارسيا ماركيز أنه بعد روايته "خريف البطريرك"، أول رواية له بعد "مئة عام من العزلة"، شعر بعض النقاد بخيبة أمل وتساءلوا عن سبب اختلافها عن "مئة عام من العزلة". فأجاب بأن هذه رواية لا يمكن المرء كتابتها إلا مرة واحدة في العمر.

أشعر بشيء مماثل. قد يكون من الممكن كتابة نص آخر مثل "شجرة البرقوق الأخضر"، لكنه سيتطلب ذلك الاضطراب الداخلي نفسه، الذي لا يمكن استحضاره بإرادة المرء. إنها طاقة داخلية عميقة يجب أن تتراكم مع مرور الوقت ثم تفيض. آمل أن يحدث ذلك مرة أخرى في المستقبل.

"شجرة جوكاران في وسط مطبخنا"، كما ذكرت، هي نتاج درجة أكبر من الوعي الذاتي. تعتمد الرواية على سرد خطي، يكاد يكون تاريخيا، تتشكل من شخصيات حقيقية وأسطورية. في رواية "شجرة البرقوق الأخضر"، الشخصية الأسطورية الوحيدة هي الموت. أما في رواية "شجرة جوكاران"، فيدخل الشيطان والموت والحياة أنفسهم إلى السرد كحضور أسطوري ضمن سياق تاريخي للقصة.

في الوقت نفسه، لدي شخصيات مستوحاة من الأساطير الإيرانية. على سبيل المثال، شخصية جريرة - وطريقة موتها - مستوحاة من شخصية جريرة في "الشاهنامة"، التي تنوح على ابنها.

الحركة الوطنية التي تتكشف في إيران اليوم هي، في جوهرها، انتفاضة ضد الثورة الإسلامية عام 1979، وشوق جماعي للعودة إلى نقطة ما قبل ذلك الانقطاع التاريخي

شخصية فريدون مستوحاة من مصدرين: أحدهما أسطوري والآخر حقيقي. في "الشاهنامة"، فريدون هو البطل الذي يهزم الوحش زحاك بعد ألف عام من الدمار في إيران، ويقيده في جبل دماوند، وفي النهاية، يصبح فريدون ملكا عادلا ورحيما. لكن في روايتي، استلهمت أيضا من حياة البروفسور أحمد تفضلي، الباحث في الثقافة واللغات الإيرانية القديمة بجامعة طهران، الذي قتل بوحشية على يد النظام، وكان أحد ضحايا ما يسمى بالاغتيالات المتسلسلة، التي طاولت سرا العديد من المثقفين الإيرانيين.

لماذا اخترت طفلة ميتة لتروي "شجرة البرقوق الأخضر"؟

أتمتع بذاكرة بصرية قوية - ما يراه الناس في الغرب قد يطلق عليه أحيانا أحلام اليقظة. قبل ستة أشهر تقريبا من بدء كتابة هذه الرواية، كنت أرى باستمرار صورة فتاة مراهقة، في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها، تشبهني في صغري. كانت تظهر مرارا في المتاجر، في الشارع، وحتى في الحفلات. كانت تمشي أو تركض حولي، لكنها لم تكلمني قط. وكنت أراها دائما ترتدي سروالا قصيرا من الجينز. عندما كنت مراهقة، كان لدي سروال جينز ممزق الأطراف، فقصصته أسفل الركبتين وارتديته هكذا. كانت هذه الفتاة ترتدي السروال نفسه. في تلك الصور، لم تتكلم أبدا. كانت تنظر إلي فقط، كما لو كانت تنتظر شيئا ما.

AFP
الروائي الكولومبي غبريال غارسيا ماركيز

بعد ستة أشهر، شعرت بالملل وبدأت أخيرا بالكتابة عنها. ظننت أنها ستكون قصة قصيرة، لكن بدا أن لديها الكثير لتقوله، فتحولت إلى رواية. بالنسبة لي، هي أيضا رمز لبراءة مراهقتي. بطريقة ما، أصبحت هي والرواية شكلا من أشكال الحداد على ذلك الزمن البريء الضائع. بالنسبة لي، هي أيضا رمز لبراءة مراهقتي. لقد ماتت، لأن مراهقتي البريئة قد ماتت هي الأخرى.

من وجهة نظر سردية، أردت راويا حاضرا في كل مكان وغائبا في آن واحد. منذ مراهقتي، فضلت البقاء متوارية في الأماكن المزدحمة، أراقب الآخرين دون أن يلاحظني أحد. أعتقد أن العديد من الكتاب يشتركون في هذه الغريزة. هذا الشعور بالحضور والغياب ملازم لي منذ عقود.

البنية الدائرية

في رواية "شجرة جوكاران في وسط مطبخنا"، يتسع نطاق الصوت السردي ويصبح أكثر تعددا. هل كنت تبحثين عن شكل مختلف للذاكرة؟

خلف كل فكرة في رواياتي، تكمن معان متعددة وتفسيرات أعمق. بعبارة أخرى، تتشكل كل فكرة بفعل أسباب كامنة. أميل عموما إلى الابتكار، إلى اختبار الحدود ودفع شكل السرد إلى آفاق جديدة. أهتم بالسرد القصصي الذاتي، ولكن بأساليب مبتكرة أيضا. كانت الفكرة المحورية وراء هذه الرواية هي وضع شجرة جوكاران في قلب السرد، وجعل الأحداث والشخصيات تدور حولها بطريقة تعود فيها النهاية إلى البداية، لتشكل بنية دائرية.

استلهمت هذه الفكرة جزئيا من أعمال إم. سي. إيشر، الذي أسرتني رسوماته منذ طفولتي. سلالم تبدو صاعدة، لكنها في النهاية تنحدر إلى الأسفل. أياد ترسم نفسها، بحيث يستحيل التمييز بين اليد التي ترسم الأخرى. صور توحي بحركة دائرية حتى وهي داخل إطار مربع. تعد لوحة إيشر الحجرية، "الصعود والنزول"، مثالا بارزا: سلم يبدو كأنه يرتفع في شكل مربع، ثم يعود إلى نقطة انطلاقه، خالقا وهما بحلقة.

غلاف رواية "شجرة جوكاران في وسط مطبخنا"

فكرت في هذه البنية لأشهر. في النهاية، لم أستطع تطبيقها بالكامل. من الصعب للغاية، بل ربما من المستحيل، الحفاظ على سرد روائي على نطاق رواية يبدو خطيا وتاريخيا، ولكنه في النهاية يعود إلى بدايته ويشكل حلقة. قد يكون هذا النوع من البنية أكثر ملاءمة للقصة القصيرة. أما في الرواية، فإما أنه غير ممكن، أو أنني لم أجد بعد طريقة لتطبيقه. إنها فكرة ما زلت أفكر فيها.

الواقعية السحرية أدب أصيل يستمد من المعتقدات والتقاليد المحلية المكبوتة ليقف في وجه الروايات السائدة أو الدعائية

على صعيد آخر، تتتبع الرواية جيلا كان على وشك الازدهار حين خنقته ثورة 1979، والذي سعى، منذ حركة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، إلى النهوض مجددا، وإلى شن ثورة جديدة ضد تلك الثورة نفسها. هنا، نجد أنفسنا مرة أخرى أمام شكل الدائرة، ومنطق العودة. فالحركة الوطنية التي تتكشف في إيران اليوم هي، في جوهرها، انتفاضة ضد الثورة الإسلامية عام 1979، وشوق جماعي للعودة إلى نقطة ما قبل ذلك الانقطاع التاريخي.

ومن منظور أسطوري أيضا، التاريخ ليس خطيا بل دائري. ففي الروايات الأسطورية، تظهر فكرة العودة إلى نقطة البداية بعد رحلة البطل مرارا. في العالم القديم، كانت بعض الطقوس تعتبر إعادة تمثيل للحظة الخلق، مما يسمح للناس، من خلال أدائها، بالعودة إلى البداية - إلى نقطة الصفر في الوجود. وقد استكشف مفكرون وعلماء أساطير مثل ميرسيا إلياد، وكارل يونغ، وجوزيف كامبل، هذه الفكرة باستفاضة.

كانت هذه هي الأفكار التي استندت إليها محاولتي لكتابة سرد دائري، لكنها في النهاية لم تتبلور بشكل كامل. ما بقي بدلا من ذلك، هو الفكرة الصوفية والأسطورية للعودة إلى الأصل.

Reuters
منظر لجبل دماوند عند شروق الشمس شمال شرق طهران، 7 يونيو 2007

الراوية ميتة منذ البداية، على الرغم من أننا لا ندرك ذلك إلا في السطور الأخيرة من الفصل الأخير. إنها تكتب القصة من أجل "شخص ما" ولا نفهم أن "هذا الشخص" هو ابنها إلا في الفصول الأخيرة. بمجرد انتهاء الرواية، يترك القارئ مع سؤال: إذا كانت الراوية تتحدث بضمير المتكلم وهي ميتة في النهاية، فكيف تكتب ذكرياتها في البداية؟ الإجابة الوحيدة الممكنة هي أنها يجب أن تكون ميتة بالفعل حتى تروي موتها. في رواية "شجرة البرقوق الأخضر"، على النقيض من ذلك، ندرك بحلول الفصل الخامس أن الراوي قد مات. في رواية "شجرة جوكاران"، تستحضر فكرة الدائرة والعودة إلى نقطة البداية مرارا. في صدى لتلك النية السابقة لخلق سرد دائري متكامل.

عندما تعجز اللغة المباشرة عن نقل واقع العنف، كما في "شجرة البرقوق الأخضر"، هل تصبح الواقعية السحرية شكلا من أشكال المقاومة بدلا من مجرد أسلوب سردي؟

إحدى القوى المحورية التي تشكل الواقعية السحرية هي المقاومة الثقافية. العمل الواقعي السحري الذي لا يجسد الاحتجاج والمقاومة المتجذرين في الثقافة الأصلية، لا يعتبر، في نظري، واقعيا سحريا حقيقيا.

تتعدد تعريفات هذا النوع الأدبي، لكن التعريف الذي أتبناه وأمارسه يتمحور حول فكرة "المقاومة الثقافية". أرى الواقعية السحرية أدبا أصيلا يستمد من المعتقدات والتقاليد المحلية المكبوتة ليقف في وجه الروايات السائدة أو الدعائية، تماما كما فعلت أقدم وأصدق أعمال الواقعية السحرية في أمسركا اللاتينية. لهذا السبب، أعتقد أن الواقعية السحرية تنتمي بحق إلى الأصوات الأصلية أو المتجذرة.

أستمد في أعمالي العناصر والإمكانات في الثقافة الإيرانية كشكل من أشكال المقاومة والاحتجاج. تشمل هذه الموارد الأصلية، الأدب الفارسي القديم، والتقاليد الأخلاقية والفلسفية للأديان والتصوف ما قبل الإسلام، فضلا عن الفن والفولكلور والأساطير. وفي الوقت نفسه، إجابة عن سؤالك، نعم، لقد مكنتني الواقعية السحرية من التعبير عن عمق العنف بأقل قدر ممكن من العنف.

أعتقد أن الثقافة والأدب الإيرانيين أغنى من أن يرد على العنف بمجرد تصويره على الورق. في عملي، لا أتردد في إظهار عنف النظام الإسلامي، بل أكشف أيضا عن جمال وعمق ومرونة الثقافة والفنون والآداب الإيرانية. هدفي يتجاوز مجرد تصوير العنف. أسعى إلى تقديم بديل له، بديل صمد عبر التاريخ في إيران من خلال الثقافة والأدب والفن.

font change

مقالات ذات صلة