6 أفلام مغربية ترمم الواقع وتعري جراح الذاكرة

تظاهرة سينمائية في ستراسبورغ

6 أفلام مغربية ترمم الواقع وتعري جراح الذاكرة

نظمت جمعية "الخزانة السينمائية" بمدينة طنجة، بالشراكة مع جمعية "ذاكرة الصور المستعادة" بالألزاس، تظاهرة سينمائية بعنوان "شذرات من المغرب" احتفت خلالها بستة أفلام سينمائية مغربية لها طابع الذيوع والانتشار في ذاكرة الفن السابع بالمغرب. وأبرزت هذه التظاهرة التي أقيمت أخيرا، القيمة الجمالية التي تطبع السينما بالمغرب، من خلال اختيار أفلام لها مكانتها الفنية وقيمتها الجمالية في ذائقة المتلقي. إذ جرى الرهان على أفلام توازي في اشتغالاتها السينمائية بين التاريخ والذاكرة والواقع، بما جعلها تقدم بطريقة خفية صورة أثيرة عن مركزية السينما المغربية والزخم الفني الذي أضحى يطبعها والغنى الفكري الذي بات يميزها داخل مهرجانات سينما الفضاء المتوسطي.

لذلك، فإن تظاهرة عالمية من هذا القبيل، تشجع السينما المحلية وتساهم في انتشارها وتجعلها تتكرس في ذهنية المشاهد عبر مدن العالم، لا سيما أن الفيلم المغربي حظي في السنوات الأخيرة، بمكانة رفيعة داخل مهرجانات سينمائية عالمية، بعدما استطاعت ثلاثة أسماء مغربية الفوز عام 2023 دفعة واحدة بثلاث جوائز في مهرجان "كان" السينمائي، ورشحت أفلام أخرى في مهرجان عديدة وفازت فيها، كما هي الحال مع المخرجة أسماء المدير التي فازت بفيلمها "كذب أبيض" بالنجمة الذهبية ضمن "المهرجان الدولي للفيلم بمراكش" في دورته الـعشرين، إذ اعتبرت أول وجه مغربي يفوز بالجائزة في تاريخ المهرجان.

تؤكد هذه المشاركات والعروض والتتويجات والتظاهرات، مكانة المغرب كمركز استراتيجي للفن السابع، بحكم قدراته الموزعة بين الإمكانات المادية ووفرة البنيات التحتية والوسائل المتطورة التي تجعله في قلب تحولات السينمائية العالمية.

من ناحية أخرى، يأتي تنظيم هذه التظاهرة، من أجل التسويق للسينما المغربية وإبراز تجاربها المختلفة والمنتمية إلى أجيال متنوعة، بين الأسماء المؤسسة والأخرى الجديدة التي خطت لنفسها مسارا سينمائيا عالميا، وهي لا تزال في الضفة الأولى من العمر. ذلك ان غياب منصات فنية ومهرجانات سينمائية عربية كبرى يحول دون تحقيق حلم السينما المغربية، والترويج للمنتوج المغربي وفهم خصوصياته الفكرية وإمكاناته التخييلية. لذلك تراهن المؤسسات الرسمية على شراكات ثقافية مع مؤسسات أرشيفية وتظاهرات سينمائية داخل مهرجانات دولية (كان وبرلين على سبيل المثل) من أجل الترويج للفيلم المغربي وتكريس نصوصه وصوره، بسبب غياب مؤسسات سينمائية تعرض الفيلم المغربي داخل صالات دولية.

غنى فني وزخم جمالي

تضمن البرنامج عرض مجموعة "السراب" (1979) لأحمد البوعناني و"كذب أبيض"(2023) لأسماء المدير و"بعيون مغربية" (2025) لكريم الدباغ و"كازا نيكرا" (2008) لنور الدين الخماري و"ضربة في الرأس" (2017) لهشام العسري و"البطلات" لدليلة الندري (2000). فهي أفلام تتأرجح بين الوثائقي والروائي، لكنها تتصادى في ما بينها من ناحية الالتصاق بحميمية الواقع المغربي وتبدلاته. فإذا عدنا إلى تاريخ هذه الفيلموغرافيا المختارة وجدنا أنها تحمل وراءها تاريخا من المجد السينمائي، لا يتعلق الأمر فقط بالأفلام المنتجة القديمة، بل حتى تلك المنتجة بين 2023 و2025، فهي حظيت بمشاهدات عالية وتتويجات معتبرة ورافق مشاهدها الفنية جدل نقدي أصيل. مما يعني أننا أمام أفلام مختارة بعناية لكونها تمثل ملامح السينما "المستقلة" بالمغرب، بحكم أنها تبني رؤيتها الفنية من فكرة ممارسة نوع من الخرق الجمالي الذي يجعلها تخرج من الأشكال الفيلمية التقليدية للبحث لها عن منافذ ضوء جديدة تحتمي بها.

تظهر هذه الأفلام غنى التجربة المغربية وأصالة موضوعاتها وأشكالها ومفاهيمها والطرق التي يتواصل بها السعي إلى إنتاج سينما مستقلة

تظهر هذه الأفلام الوثائقية والروائية غنى التجربة المغربية وأصالة موضوعاتها وأشكالها ومفاهيمها والطرق التي تسعى بها إلى إنتاج سينما مستقلة أقدر على تفكيك الواقع وملامسة شغاف الذاكرة وتخييل التاريخ.

ملصق "بعيون مغربية"

وتعكس الأفلام المختارة المشروع السينمائي المتنوع الذي راهن عليه مخرجون مغاربة منذ سبعينات القرن الماضي والذي أخذ يتبلور مع رواد السينما المغربية، في سبيل تكريس فكر حداثي لم يعد يتوقف عند النصوص الأدبية ونظيرتها الفكرية، بل أصبح يقتحم براديغم الصورة بمختلف ألوانها السينمائية والتشكيلية.

تمثل هذه الأفلام امتدادا سينمائيا عميقا للتجربة المغربية المستقلة التي بدأت بوادرها منذ أواسط السبعينات مع مصطفى الدرقاوي وأحمد البوعناني وأحمد المعنوني وسهيل بنبركة ومحمد عبد الرحمان التازي وغيرهم.

ملصق "السراب"

لكن إذا استثنينا صاحب فيلم "السراب"، فإن أصالة الانتماء لم تمنع الأسماء الأخرى من الخروج من الكادر السبعيني، لأن مشاهد هذه الأفلام سيجد نفسه أمام ثورة داخل السينما المغربية، إذ مكنت دراسة المخرجين في مختلف المعاهد الغربية من تحديث الصورة السينمائية وفتح النص على تخوم غير مفكر فيها داخل التربة المغربية. وعي السينمائيين المغاربة بجرح الواقع وقهر التاريخ وكيف يرخي بظلاله على اللحظة المعاصرة، جعلهم يفكرون في سينما مختلفة، بقدر ما تظل مشدودة إلى الواقع، فإنها تتطلع بعنوان صوب مجاهل الصورة.

فهذا التجريب السينمائي واللعب بالأضواء وتغيير طرق التصوير واللجوء إلى نصوص يرتفع فيها منسوب النقد والسخرية تجاه الواقع المغربي، جعلهم يبتكرون لغتهم السينمائية الخاصة والقائمة في الدرجة الأولى على تجريب بصري يدفعهم إلى الغوص في الأشكال الفيلمية ونفض التقليد المخيم على الفيلموغرافيا المغربية. إن المتأمل في عمق صور ومشاهد هذه الأفلام (الروائية على الخصوص) سيلاحظ قوة السيناريوهات التي باتت علامة قوة لهذه الأفلام، ذلك أن ضعف السيناريوهات وهشاشتها جعلت السينما المغربية من نهاية الستينيات تغرق في التقليد.

لذلك، فإن التحول الذي طرأ من خلال نور الدين الخماري وهشام العسري ونبيل عيوش ومحمد مفتكر، يكمن في أن السيناريو أصبح العنصر الأساس الذي يساهم في إنجاح الفيلم لا أكثر. وهو أمر نلمحه بشكل جلي في "كازا نيكرا" أو "ضربة في الرأس"، فهذه الأفلام تركز على فعل الكتابة وتجعلها بمثابة المختبر الآسر الذي منه يتبلور المشروع السينمائي المغربي. في حين تراهن الأفلام الوثائقية الأخرى على جماليات الشكل وعلى اختراق ازدواجية "وثائقي روائي"، فهي تلعب على الحبلين، دون أن تسقط هواجسها الجمالية تجاه شكل فني. لذلك سيجد المتفرج أن هذه الأفلام تقع في زاوية "الما بين" حيث تعطي نفسها شرعية التماهي مع الروائي تارة واستلهام ميكانيزمات الوثائقي تارة أخرى.

مكنت هذه الطريقة المتمثلة في اختراق بنية الشكل الفيلمي التقليدي من الخروج من بوتقة التكرار البصري وفتح الفيلم على أشرعة لا محدودة وعوالم جديدة لم يكن مفكرا فيها داخل السينما المغربية. إن الطفرة الفنية تبدأ من الثورة على الشكل السينمائي ومحاولة البحث عن لغة جديدة مبتكرة تدهش المتلقي وتزج به في سلسلة من التأويلات الفكرية اللامتناهية. بيد أن هذا الخرق الجمالي بين الوثائقي والروائي لم يتبلور مع الحساسيات الجمالية الجديدة داخل السينما المغربية، لكنه أخذ يتحقق مع تجارب سابقة، كما هي الحال مع فيلم "الحال" لأحمد المعنوني الذي يظل سباقا في اعتماد هذه التقنية في تاريخ الفن السابع بالمغرب.

ملصق "كازا نيغرا"

تغول الواقع وجرح الذاكرة

يراهن نور الدين الخماري في "كازا نيكرا" على ما يمكن أن نسميه بـ"الصورة العارية" حيث يعمد إلى شكل فيلمي أجرأ في اختراق الواقع. لذلك حظي هذا الفيلم بتتويجات دولية نقلت الخماري إلى طليعة الأفلام الأكثر شهرة ومشاهدة في تاريخ السينما بالمغرب. فكل الأجيال تعرف "كازا نيغرا"، الفيلم السوداوي الذي يصور حقيقة مدينة الدار البيضاء ويكشف أهوالها ومآزقها وتصدعاتها وفق آلية سينمائية لا تراهن كثيرا على التخييل، بل تستند على الواقع الحي المباشر في بناء حرارة الصورة السينمائية.

نجح صاحب "الزيرو" في إخراج السينما المغربية من السلفية الفنية ووضع الواقع لأول مرة أمام حقيقته

نجح صاحب "الزيرو" (2012) بفيلمه هذا في إخراج السينما المغربية من السلفية الفنية ووضع الواقع لأول مرة أمام حقيقته من خلال حكاية صديقين (عادل وكريم) تجمع بينهما صداقة عميقة، الأول عاطل عن العمل يعمد إلى تشغيل الأطفال في بيع السكائر بالحانات والمقاهي الشعبية، بينما الثاني يطمح إلى الحصول على المال للهجرة صوب الخارج. لم يقف نجاح "كازا نيغرا" على الجانب التجاري وشهرة الفيلم والممثلين، إذ تجاوز ذلك إلى المخرج نفسه الذي دفعه هذا الفيلم، إلى إنتاج ثلاثية سينمائية شهيرة تتضمن "كازا نيغرا" و"الزيرو" و"بورن آوت".

أما فيلم "السراب" (1979) لأحمد البوعناني، فيكاد يكون "جوكر" هذه التظاهرة السينمائية، لأنه يعتبر أشهر أفلام بدايات السينما في المغرب وحظي قبل شهور قليلة بعرض النسخة المرممة في 'إطار الدورة الجديدة من مهرجان برلين السينمائي الدولي، وهو أمر يعكس قيمة الفيلم ومكانته في تاريخ السينما المغربية. فهو يراهن على بساطة حكاية شعبية تبدو مألوفة داخل الإنتاج المغربي الجديد من خلال قصة فلاح يعثر على أوراق نقدية داخل حقله فيقرر السفر إلى المدينة لعل وضعه يتحسن، لكنه يصاب بخيبة أمل كبيرة تجاه ما سيتعرض له من ظلم ومشاكل تجعله يغير مواقفه تجاه العالم الذي ينتمي إليه. لكن بغض النظر عن بساطة الحكاية، فقد ظل الفيلم يحظى بمنزلة رفيعة في وجدان النقاد السينمائيين، لكونهم يعتبرونه من المحاولات السينمائية القليلة التي راهنت على البعد الجمالي وأعادت الاعتبار للخروج من الطابع الإيديولوجي الذي خيم على بعض الأفلام وجعلها تكون عبارة عن مانيفستو سياسي تنتفي فيه اللغة السينمائية والتلقي الجمالي.

ملصق "البطلات"

لكن في مقابل ذلك، تراهن دليلة الندري (1966 ـ2020) في فيلمها "البطلات" (2000) على المرأة باعتبارها هوية وجودية للواقع، إذ تروي بطريقة وثائقية سيرة العديد من النساء داخل المدينة القديمة بالدار البيضاء، حيث تتوغل الكاميرا في عالم النساء وتجعلهن يبحن بالعديد من الأحلام والمواقف والهواجس التي طبعت حياتهن داخل الفضاء الذكوري. وهو فيلم يرصد معاناة النساء وطريقة صمودهن داخل واقع مغربي متغول في الذكورية وأكثر بطشا إذ يدعي الحداثة، لكنه يرتبط بسلسلة من العادات والتقاليد والمواضعات التي تتحكم فيها التنشئة والتكوين والأسرة وغيرها.

ملصق "ضربة في الرأس"

أما أسماء المدير وهشام العسري وكريم الدباغ، فيراهنون على مفهوم الذاكرة كامتداد ونتاج فكري لتحولات الواقع المغربي. يصبح التاريخ في "ضربة في الرأس" وسيلة ضرورية لقراءة تحولات الواقع الراهن، من خلال ملامسة الجرح إبان يوم واحد يعود إلى عام 1986 الذي يمثل يوم انطلاق كأس العالم لكرة القدم.

ملصق "كذب أبيض"

في حين يطمح "كذب أبيض" إلى خلق نوع من المصالحة مع الذاكرة الجماعية المغربية التي تعود إلى عام 1981 بما يمثله من جرح سياسي. هكذا تحاول المخرجة عبر تاريخ عائلتها وجسدها الشخصي أن ترمم حكايتها الذاتية، عاملة على الكشف عن الجذور والعلامات والأحلام التي تطارد ذاكرتها في المغرب.

يراهن أسماء المدير وهشام العسري وكريم الدباغ على مفهوم الذاكرة كامتداد ونتاج فكري لتحولات الواقع المغربي

إذا كانت الذاكرة الجماعية وعوالمها تغدو عنصرا أساسيا في التلاقي الجمالي بين العسري والمدير، فإن كريم الدباغ يراهن على حكاية فردية من خلال فيلم وثائقي يظهر علاقته بالكاتب الأميركي الشهير بول بولز الذي عاش حياته في مدينة طنجة. يروي الدباغ في فيلمه هذا الذي عرض خلال الدورة الأخيرة من مهرجان مراكش السينمائي الدولي، قصة مع صاحب "يوميات طنجة" كمحاولة لتأجيج الذاكرة الفردية من خلال تقديم سرديات سينمائية نادرة عن هذا الكاتب الذي ساهم في شهرة طنجة من خلال ما كان يؤلفه من قصص وحكايات تستمد أسسها التخييلية من فضاء طنجة وسحرها.

font change

مقالات ذات صلة