لم يعد الخوف من الالتزام العاطفي عارضا نفسيا طارئا، ولا نزوة سلوكية تخص جيلا أو فئة عمرية بعينها، هو في أحد وجوهه العميقة سؤال وجودي حديث، تشكل في لحظة تاريخية بدأ فيها الإنسان يشك في معنى الاختيار نفسه. فالالتزام كفعل تثبيت وتعريف نهائي للذات، أصبح في ضمير الفرد المعاصر تهديدا لها، ولم يعد يستقبل كتتويج للحرية. ربما يكون مرد ذلك إلى الخوف من مواجهة الآخر، أو الوقوف أمام حالة الحب، وأمام المسؤولية، وأمام السؤال القاسي. فلماذا على الذات أن تختار مرة واحدة، وأن تعرف نفسها تعريفا لا رجعة فيه؟
في هذا السياق، يظهر دور السينما كوسيط سردي، يلتقط هذه الحالة، ويحولها إلى مساحة تفكير بصري وفلسفي، فالسينما بخلاف الخطاب النفسي والاجتماعي المباشر، تسأل أسئلة مربكة، من قبيل: ماذا لو كان الخوف من الالتزام مبررا؟ ماذا لو كان الرفض أو التأجيل أو التردد، شكلا من أشكال الوعي لا العجز؟
منذ منتصف القرن العشرين، أخذت الشخصيات السردية في الأدب أولا، ثم في السينما لاحقا، تنحرف تدريجيا عن نموذج البطل الذي يعرف ما يريد، ويسعى إليه، ويصل في النهاية إلى قرار نهائي يمنحه معنى وجوده. ففي رواية مثل "الحارس في حقل الشوفان" للأميركي ج. د. سالينجر، نرى هولدن كولفيلد يهرب من المجتمع، ومن فكرة التحول إلى شخص بالغ مكتمل التعريف. وهذا الرفض هو في جوهره رفض للثبات، ناتج من عدم رغبته في أن يصبح شيئا يشبه الكبار الذين يعرفهم، أو شيئا يمكن تسميته وتوقعه وحصره. لذلك أصبح يخاف المستقبل لأنه يمثل ما لا يريد أن يكونه بشكل قاطع ونهائي.
السينما بدورها ستنقل هذا التردد من حيز اللغة إلى حيز الزمن والصورة، فالشخصيات التي تتشكل داخل هذا الأفق، تعيش داخل إيقاع مؤجل ومرجأ على الدوام، فأدوات السينما تستغني عن الاعترافات المباشرة، والمونولوغات السردية الطويلة، وتستبدلها باللقطات الممتدة، والحوارات التي تنتهي دون حسم، والنهايات التي تقف عند العتبات.




