نهاية عصر "التموين" في مصر

بعد أكثر من ثمانية عقود على نظام الحصص، تراهن القاهرة على الدعم النقدي لإصلاح المالية العامة

نسمة محرّم
نسمة محرّم

نهاية عصر "التموين" في مصر

تستعد مصر لإطلاق عملية إعادة هيكلة واسعة لنظام دعم الغذاء القائم على السلع، وهو نظام يمتد لعقود طويلة، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في معالجة أوجه قصوره، وفي مقدمتها عجزه عن الوصول بدقة إلى الفئات الأحق بالدعم.

غير أن التخلي عن النظام القديم، الذي يتيح لعشرات الملايين من المصريين الحصول على الخبز ومجموعة من السلع الغذائية الأساس بأسعار شبه مجانية، قد يضع الحكومة أمام خطر إثارة غضب ملايين المواطنين.

وسيقدم النظام الجديد، وللمرة الأولى في تاريخ مصر، دعما نقديا للمواطنين المسجلين في منظومة دعم الغذاء الوطنية.

ووفق للحكومة، سيحصل المستفيدون من النظام على بطاقات ذكية تودع عليها قيمة الدعم النقدي شهريا. وسيكون في وسعهم استخدام هذا الدعم في شراء الغذاء واحتياجات أخرى من المتاجر الكبرى المنتشرة في أنحاء البلاد. إلا أن الحكومة لم تعلن بعد قيمة المبالغ التي ستودعها للأسر ضمن النظام الجديد.

بدأت مصر تطبيق نظام الحصص التموينية للمرة الأولى خلال الحرب العالمية الثانية، لمواجهة النقص الحاد في السلع وموجات التضخم التي فرضتها ظروف الحرب

أما النظام الحالي القائم على السلع، فيمنح كل فرد مسجل ضمن الأسرة 50 جنيها مصريا شهريا، حتى الفرد الرابع، و25 جنيها للفرد الخامس وما بعده، تُصرف في صورة سلع غذائية أساس، مثل الأرز والمعكرونة وزيت الطهي والسكر. وتبلغ قيمة الدعم للفرد نحو دولار واحد أو أقل بقليل وفقا لسعر الصرف. وعلى الرغم من أن هذا المبلغ يبدو محدودا، فإن مخصصات الدعم الفردية تتحول، على مستوى الدولة، إلى مئات الملايين من الدولارات سنويا من موازنة الحكومة.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتحدث في مؤتمر صحفي في مقر الحكومة بالقاهرة، 19 ديسمبر/كانون الأول 2025

وفي السنة المالية 2025/2026، خصصت الحكومة 160 مليار جنيه (نحو 3.2 مليار دولار) لدعم السلع التموينية ورغيف الخبز. ويتيح النظام لكل مستفيد الحصول على خمسة أرغفة خبز مدعم يوميا بسعر 20 قرشا للرغيف، بينما تتحمل الدولة الجزء الأكبر من تكلفته، بحيث لا يدفع المستفيد سوى نحو 15 في المئة من التكلفة الفعلية للرغيف. وقد صرّح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بأن دعم الخبز يكلّف الدولة 140 مليار جنيه مصري.  

ولتلبية احتياجات 71 مليون شخص مسجلين في منظومة دعم الخبز الوطنية، يتعين على المخابز في مختلف أنحاء البلاد إنتاج نحو 350 مليون رغيف يوميا.

دروس من الماضي

يشكل نظام الحصص التموينية ملفا بالغ الحساسية في مصر، خصوصا في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، اللذين جعلا أسعار الغذاء خارج قدرة عشرات الملايين من المواطنين. 

وكانت مصر قد بدأت تطبيق نظام الحصص التموينية للمرة الأولى خلال الحرب العالمية الثانية، لمواجهة النقص الحاد في السلع وموجات التضخم التي فرضتها ظروف الحرب.

كان هناك دائما هذا الشعور بأن الجمهور لن يقبل أي تغيير في نظام دعم الغذاء

يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة

لكن هذا النظام تحول، مع مرور السنوات، إلى ركيزة أساس للأمن الغذائي في البلاد، ولا سيما في ما يتعلق بالخبز، الذي يمثل عنصرا لا غنى عنه في غذاء المصريين.

ويستفيد من منظومة دعم الغذاء في مصر نحو 21 مليون أسرة، أي ما يقارب 67 مليون شخص، مما يجعلها إحدى أكبر شبكات الحماية الاجتماعية في البلاد، في ظل تكرار موجات التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه المصري. ويرى اقتصاديون أن الحكومات المصرية المتعاقبة تجنبت، على الدوام، المجازفة بإجراء تغييرات جوهرية في هذا النظام، خشية رد فعل شعبي واسع قد يترتب على ذلك.

رويترز
مصري يستخدم بطاقة الدعم في مخبز، في مدينة السويس، 24 فبراير/شباط 2014

وقالت يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة: "كان هناك دائما هذا الشعور بأن الجمهور لن يقبل أي تغيير في نظام دعم الغذاء".

ودعت الحماقي، في حديثها إلى "المجلة،" إلى إدارة أكثر كفاءة للمنظومة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

ولا تزال ذاكرة المصريين الذين تجاوزوا الستين تستحضر اضطرابات عام 1977، حين رفع الرئيس الراحل أنور السادات أسعار الخبز وسلع غذائية أساسية أخرى ببضعة قروش، على الرغم من أن الجنيه الواحد يساوي مئة قرش.

من المتوقع أن تبدأ مصر تطبيقا تدريجيا للتحول من نظام دعم الغذاء العيني إلى نظام دعم نقدي أو نقدي بالقيمة خلال السنة المالية 2026/2027

وفي الوقت نفسه، كانت مصر تسعى منذ سنوات إلى استبدال نظام دعم الغذاء العيني بدعم نقدي مباشر، باعتباره أكثر كفاءة في توجيه الدعم إلى مستحقيه. غير أن حساسية إصلاح منظومة الدعم، وما ارتبط بها من ذكريات انتفاضة الخبز عام 1977، ظلت تدفع الحكومات المتعاقبة إلى تبني نهج تدريجي وحذر في تنفيذ أي تغييرات جوهرية.

لماذا بات الإصلاح ضروريا؟

يبدو أن صناع القرار في القاهرة حسموا خيارهم بالمضي في إصلاحات طال التخطيط لها. وبحسب الحكومة، من المتوقع أن تبدأ مصر تطبيقا تدريجيا للتحول من نظام دعم الغذاء العيني إلى نظام دعم نقدي أو نقدي بالقيمة خلال السنة المالية 2026/2027، التي بدأت في الأول من يوليو/حزيران، على أن يُنفذ التحول على مراحل بعد استكمال التجربة والإجراءات التنفيذية.

رويترز
مصرية تبيع بضاعة ضمن المنتجات المدعومة، القاهرة، 14 فبراير/شباط 2016

وتؤكد الحكومة أن النظام الجديد سيكون متعدد المستويات، بحيث تحصل الأسر الأشد فقرا على أعلى مستوى من الدعم المالي، فيما تحصل الأسر الأقل هشاشة على مستويات أقل من المساعدة.

وتضيف أن المنظومة الجديدة ستصنف الأسر وفق مستويات مختلفة بحسب الدخل والوضع الاجتماعي، بما يسمح بتوجيه دعم أكبر إلى الفئات الأكثر فقرا في المجتمع. وتقول الحكومة إن هذا النظام سيستند إلى قواعد بيانات محدّثة، بما يتيح استهدافا أدق لمن يستحقون الدعم.

تشير تقارير إلى أن التغيير المرتقب في نظام دعم الغذاء ينسجم مع برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، الذي يدعو إلى تحسين كفاءة منظومة الدعم وتوجيهها بصورة أفضل إلى الفئات الأكثر احتياجا

وفي 14 يونيو/حزيران، قال مدبولي إن الهدف من إعادة هيكلة المنظومة هو جعلها أكثر دقة في الاستهداف، وأكثر قدرة على إيصال الدعم إلى الفئات الأجدر بالحصول عليه. ويرى مطلعون على النظام الجديد أن التحديد الدقيق للمستحقين سيجعل المنظومة أقدر على الإسهام في مكافحة الفقر، ورفع كفاءة استراتيجيات الحماية الاجتماعية في مصر.

وقال عبد المنعم خليل، الرئيس السابق لقطاع التجارة الداخلية في وزارة التموين، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم الحصص التموينية، لـ"المجلة": "ينطوي النظام القائم على السلع على ثغرات تمنع دعم الدولة من الوصول إلى الفقراء". وتوقع خليل أن يوفر النظام الجديد دعما ماليا أكبر للمواطنين المؤهلين للحصول عليه، بما يسهم في خفض معدل الفقر على المستوى الوطني.

رويترز
عامل مصري يقوم بصف المنتجات المدعومة في متجر وسط القاهرة 29 أغسطس/آب 2017

وكانت وزارة التموين قد أجرت، خلال السنوات القليلة الماضية، عمليات متكررة لتصفية قواعد بيانات المستفيدين، استبعدت خلالها مئات الآلاف من غير المستحقين الذين كانوا يحصلون على دعم كان ينبغي أن يذهب إلى غيرهم.

وتقول الوزارة إن هذه العملية وفرت على خزانة الدولة ملايين الجنيهات، كانت تذهب إلى جهات أو أسر لا تستحق الدعم. وبحسب رئيس الوزراء، كان نحو 25 في المئة من دعم الخبز يذهب إلى أشخاص غير مستحقين.

معضلة مزدوجة

تشير تقارير إلى أن التغيير المرتقب في نظام دعم الغذاء ينسجم مع برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، الذي يدعو إلى تحسين كفاءة منظومة الدعم وتوجيهها بصورة أفضل إلى الفئات الأكثر احتياجا، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية.

وبالمضي في هذا المسار، تبدو القاهرة كأنها تواجه معضلة مزدوجة: الاستمرار في نظام قديم لا ينجح في إيصال الدعم إلى مستحقيه، أو تحمل غضب ملايين المواطنين الذين يخشون أن يجعلهم النظام الجديد أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي.

تنبع المخاوف من النظام الجديد، في الأساس، من ضعف الثقة في قدرته على الصمود أمام التضخم وتقلبات قيمة الجنيه المصري

وقد أثقلت الحصص التموينية موازنة مصر لعقود طويلة، غير أن غيابها يظل أمرا يصعب تصوره في بلد ترتفع فيه معدلات الفقر، بحسب متخصصين.

وكان ما يقرب من 30 في المئة من سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر الوطني وفق أحدث البيانات الرسمية المتاحة قبل موجة التضخم الأخيرة. وفي السنة المالية 2025/2026، خصصت الحكومة 160 مليار جنيه (3.2 مليار دولار) لدعم السلع التموينية والخبز، بما يعادل نحو 3.5 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي.

مخاوف وتحديات

تنبع المخاوف من النظام الجديد، في الأساس، من ضعف الثقة في قدرته على الصمود أمام التضخم وتقلبات قيمة الجنيه المصري.

أ.ف.ب
عامل يخزن البضائع في مصنع للأطعمة في القاهرة، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2016

قد خسر الجنيه المصري أكثر من ثلثي قيمته أمام الدولار منذ مارس/آذار 2022، ليتراجع من نحو 15.7 جنيها للدولار إلى ما يقارب 50 جنيها للدولار بعد تحرير سعر الصرف في مارس/آذار 2024. يأتي ذلك بعدما نفذ البنك المركزي سلسلة من خفوضات سعر الصرف، استجابة لأزمة نقص النقد الأجنبي وتداعيات الحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الفائدة عالميا، إلى جانب الضغوط الإقليمية التي أثرت في موارد النقد الأجنبي، مثل إيرادات قناة السويس.

وقد أنهت هذه الخفوضات وما رافقها من تحرير لسعر الصرف نظاما اتسم بقيود على سوق النقد الأجنبي وسعر صرف مُدار، لتحل محله آلية أكثر مرونة تحدد فيها السوق سعر العملة بدرجة أكبر، وهو توجه رحبت به مؤسسات مالية دولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، باعتباره خطوة أساسا لتعزيز استقرار الاقتصاد واستعادة تدفقات النقد الأجنبي. لكن هذا التوجه نفسه يقلص هامش الثقة في القوة الشرائية للعملة الوطنية المصرية، على الأقل في المستقبل المنظور.

تعهدت الحكومة بالفعل بمراجعة قيمة الدعم النقدي المقدم للمستفيدين من النظام الجديد بصورة منتظمة، وبهذا التعهد، تقر الحكومة ضمنيا بأنها قد تضطر إلى زيادة قيمة الدعم إذا ارتفع التضخم إلى مستوى يجعل المبالغ المقدمة للأسر محدودة الأثر

وانعكس تراجع قيمة الجنيه في موجة تضخم غير مسبوقة، إذ بلغ معدل التضخم السنوي في المدن 38 في المئة في سبتمبر/أيلول 2023، وهو أعلى مستوى يسجله على الإطلاق، بينما ارتفع تضخم أسعار الغذاء إلى 73.6 في المئة في الشهر نفسه، قبل أن يتراجع تدريجيا خلال عامي 2024 و2025 و2026 ليبلغ 14.9 في المئة في أبريل/نيسان الماضي مع انحسار الضغوط السعرية.

وقال الموظف الحكومي محمود محمد، 48 عاما، لـ"المجلة": "الأسعار لا تكاد تتوقف عن الارتفاع، مما يعني أن أي مبلغ مالي لن يكون قادرا على مجاراتها". ومع ثلاثة أطفال وراتب لا يتجاوز 8 آلاف جنيه، أي نحو 160 دولارا، بالكاد يستطيع محمد سداد الفواتير وتوفير الطعام لأسرته. لذلك، يأمل أن يواكب الدعم النقدي الذي سيحصل عليه ضمن النظام الجديد معدلات التضخم.

رويترز
أشخاص يشترون البطاطس والطماطم من خيمة مؤقتة لبيع السلع المدعومة حكومياً في القاهرة، مصر، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2018

وقد تعهدت الحكومة بالفعل بمراجعة قيمة الدعم النقدي المقدم للمستفيدين من النظام الجديد بصورة منتظمة، لضمان تناسبه مع التضخم.

وبهذا التعهد، تقر الحكومة ضمنيا بأنها قد تضطر إلى زيادة قيمة الدعم إذا ارتفع التضخم إلى مستوى يجعل المبالغ المقدمة للأسر محدودة الأثر. غير أن هذا المسار قد يجعل النظام الجديد عبئا إضافيا على موازنة الدولة، بدلا من أن يكون أداة لتخفيف الضغوط عنها.

كما يثير التعهد تساؤلات حول قدرة الحكومة على مجاراة التضخم حتى النهاية، وهي تسعى إلى ضمان الأمن الغذائي لعشرات الملايين من المسجلين في المنظومة.

font change

مقالات ذات صلة