ما دمنا في حمأة الكرة والتحكيم و"الڤار"، فقد يخطر في بالنا السؤال: هل أدخلت تقنية "الڤار" (Video Assistant Referee مساعدة الفيديو في التحكيم) مزيدا من العدالة إلى لعبة كرة القدم، أم أنها أعادت النظر في مفهوم الحقيقة، وغيرت دور الخطأ ودلالته، وربما مسار المباريات ذاتها؟
في الماضي كان الخطأ التحكيمي جزءا من دراما المباراة. كان الجمهور يغضب، واللاعبون يحتجون، ثم يتحول قرار الحكم إلى مادة للسرد والذاكرة، فيغطي جدالات الأسبوع في انتظار مباراة مقبلة. أما اليوم فقد صار هناك أمل دائم في حسم المسألة في حينها وعلى الميدان، وذلك بالاحتكام إلى التقنية، لتفصل في النزاعات، وتبت "حقيقة" ما جرى. لكن هذا الأمل نفسه ولد نوعا جديدا من التوتر. فكل قرار أصبح قابلا للمراجعة، وكل لقطة قابلة للتشريح، فكأن المباراة لم تعد تلعب فقط في الملعب، بل أيضا في نسختها "الأقرب إلى الحقيقة" داخل غرفة "الڤار".
التقنية والتأويل
من هذه الوجهة يشبه مفعول "الڤار"، على نحو ما، ما أحدثته الحداثة في مجالات أخرى من تقليص هامش فعالية الإنسان باسم الموضوعية، وإحلال التقنية محله لتوسيع قدراته، وتقوية حواسه. لكن المفارقة أن هذه التقنية، كما هو الأمر في المجالات الأخرى، لم تحقق تلك الموضوعية المنشودة، ولم تلغ تعدد التأويلات، وزوايا النظر.
فقد كنا في ما سبق نثق في الحكم، لأننا نجهل ما لا يراه، فلما ادعينا أننا نرى كل شيء، لم يبق ما نثق به. كأن "الڤار" لم يقض على الجدال، بل نقله من سؤال: "ماذا رأى الحكم؟" إلى سؤال أكثر تعقيدا: "كيف ينبغي أن نرى ما نراه؟" وربما لهذا السبب تستمر كرة القدم، وقد يقول البعض من حسن الحظ، في إثارة الشغف، لأنها تذكرنا بأن العدالة الكاملة أصعب من مجرد امتلاك صورة أو تقنية. فبين الوقائع وتأويلها تبقى دائما مسافة صغيرة، هي المسافة التي يتسلل منها الشك، ويتدخل الإنسان فيحتد الجدال.



