وراء صخب المدرجات يمتد رف هادئ تراكمت عليه طوال أكثر من قرن مكتبة كروية غنية يمر بها كثير من عشاق اللعبة مرور الكرام، مكتبة بدأت تتشكل يوم صارت كرة القدم لغة العالم المشتركة، فحملها مؤرخون نقبوا في جذورها، وسوسيولوجيون قرأوا في اقتصادها وسياستها وجه المجتمع، وصحافيون رأوا في المباراة الواحدة صورة مكثفة لزمنهم، حتى انحنى عليها روائيون وشعراء وحائزو نوبل يلتمسون فيها مادة للأدب الرفيع. تشعبت أشكال هذا الأدب بين التأريخ الموسوعي والتحليل التكتيكي والتحقيق الميداني والرواية والسيرة الذاتية، بيد أن ما يجمعها هم واحد: قراءة العالم من خلال المستطيل الأخضر.
يكمن سر هذا الثراء في مفارقة تسكن جوهر اللعبة: بساطتها الظاهرة تتيح لها استيعاب أعقد ما في الإنسان. تكفي قدم وكرة وخط أبيض ليتسع الملعب لقصص المنفى والطبقة، وللحرب والقومية وانكسار الأحلام، حتى يخرج القارئ خيرة ما كتب عنها بقناعة راسخة: تأريخ الكرة في القرن الماضي هو تأريخ القرن نفسه مرويا بلغة أخرى. تتعدد هذه الكتب بلغاتها وأزمنتها وأمزجتها، ويجمعها أن الملعب فيها أحد أصدق مسارح الحياة الحديثة وأكثرها كشفا لما يعتمل تحت السطح. تنتقي هذه القراءة عشرة من خيرة ما خطه هذا الرف من لغات وأمكنة وأزمنة متباعدة.
1. الكرة مدورة (The Ball Is Round - 2006) – ديفيد غولدبلات
كم من الجرأة تلزم لكتابة تاريخ العالم كله انطلاقا من كرة القدم؟ إنها مغامرة خاضها المؤرخ البريطاني ديفيد غولدبلات في عمل يتجاوز التسعمئة صفحة، يتعقب فيه اللعبة من مراعي إنكلترا الفيكتورية إلى أزقة بوينس آيريس، ومن مناجم وادي الرور إلى رمال ريو، وصولا إلى ملاعب أفريقيا المستعمرة واستادات آسيا الحديثة. يقدم الكتاب تأريخا للحداثة ذاتها أكثر منه سجلا للأهداف والبطولات، فيظهر كيف امتطت كرة القدم موجات الثورة الصناعية والإمبراطورية والهجرة والتلفزيون والمال حتى أمست أول ثقافة كونية يتقاسمها البشر.









