مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: عبوديتي وحريتي

الكاتب: فردريك دوغلاس

ترجمة وتقديم: باسم محمود

الناشر: دار المدى للنشر والتوزيع- العراق

قد يكون كتاب "عبوديتي وحريتي" لفردريك دوغلاس واحدا من أهم الشهادات الإنسانية التي تناولت تجربة العبودية في الولايات المتحدة بوصفها مأساة إنسانية سلبت الإنسان حريته وكرامته وحقه في المعرفة. يقدم دوغلاس في هذا الكتاب سيرة ذاتية تتخطى حدود التجربة الشخصية لتتحول إلى وثيقة تاريخية وفكرية عن مقاومة الظلم والنضال من أجل التحرر.

ينتمي الكتاب الذي ترجمه وقدمه باسم محمود إلى أدب السير الذاتية التحررية التي كتبها من عانوا من نظام الرق، حيث يروي دوغلاس مسيرته منذ طفولته في ظل العبودية، مرورا بالمعاناة اليومية التي عاشها العبيد، وصولا إلى لحظة اكتشافه طريق الحرية وبناء شخصيته ككاتب وخطيب وناشط في حركة مناهضة العبودية. وقد تحول دوغلاس، بعد هروبه من الرق وتخلصه منه، إلى أحد أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق الأميركيين من أصول أفريقية، شاهرا الكلمة سلاحا لمواجهة العنصرية والاستعباد.

يكشف الكتاب عن الوجه القاسي للعبودية، من حيث إنها لم تكن تقوم على العمل القسري والعنف الجسدي فحسب، بل على محاولة تحطيم الوعي الإنساني ومنع الإنسان من امتلاك المعرفة والإرادة معا. تبرز أكثر الأفكار في تجربة دوغلاس في أن التعليم والقراءة شكلا بداية طريق التحرر، فقد أدرك أن المعرفة تمنح الإنسان القدرة على فهم واقعه ومقاومة القوى التي تسعى إلى إخضاعه وكذلك إبقائه في هذه الحالة من الخضوع.

يقول دوغلاس: "الإنسان الذي يستعبد بني سلالته، لا يعول بأمان على مروءته. يتجلى ما في العبودية من شناعة التكوين وتحجر القلب، في طبيعة العلاقة ما بين الأم وأبنائها، حتى على فراش الموت. فليس من الجائز أن تجتمع الأم التي على شفير القبر بأولادها، كي تحملهم بنصائحها المقدسة، وتناشدهم كي يمنحوها الدعاء بالرحمة بعد موتها. فالمرأة المملوكة مستعبدة، تهجر لتنفق كالبهيمة، فما يحاط به الجواد الأثير لدى صاحبه يكون غالبا أكثر مما تمنحه. لقد جعلت العبودية إخوتي وأخواتي غرباء عني، وأحالت أمي، أمي التي أنا ابن بطنها، إلى أسطورة بالنسبة إلي، حجبت حقيقة أبي في طي الغموض، وتركتني في هذا العالم من دون بداءة مفهومة واضحة، كثيرا ما تمنيت أن لو كنت بهيمة عجماء، أو طائرا، أن أكون أي شيء، باستثناء أن أكون عبدا. ما كان يبلغ سمعي من إخباريات رهيبة من ضيم وانتهاك، أفضت بي- ولما لم أزل بعد في الثامنة أو التاسعة- إلى أني تمنيت أن: يا ليتني لم أجئ أبدا إلى الدنيا".

أسئلة كونية حول معنى الكرامة الإنسانية والظلم وقدرة الفرد على الانتقال من موقع الضحية إلى موقع الفاعل

بالإضافة إلى سرد المعاناة، يحلل الكاتب عميقا طبيعة العبودية وآثارها على الضحية والجلاد معا. فهو يوضح كيف يؤدي نظام قائم على إنكار إنسانية الآخر إلى تشويه القيم الأخلاقية للمجتمع بأكمله، كما ينتقد التناقض بين الشعارات الأميركية حول الحرية والمساواة وبين استمرار ممارسة العبودية في جزء كبير من البلاد خلال القرن التاسع عشر.

عبوديتي وحريتي

يمتاز الكتاب بقوة أسلوبه، إذ يجمع بين السرد الأدبي والشهادة التاريخية والخطاب النضالي. دوغلاس يؤكد أن الحرية ليست مجرد التخلص من القيود الخارجية، وإنما هي امتلاك الوعي والقدرة على التعبير عن الذات.

صحيح أن الكتاب ينتمي إلى زمن العبودية، لكنه حاضر في النقاشات المعاصرة حول الحرية والعدالة وحقوق الإنسان ومواجهة أشكال التمييز. إنه كتاب عن الإنسان حين يحرم من حقوقه، وعن القوة الداخلية التي تمكنه من مقاومة القهر وتحويل الألم إلى فعل تغيير.

قراءة تجربة فردريك دوغلاس تتيح للقارئ فهم مرحلة حاسمة من تاريخ الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تطرح أسئلة كونية حول معنى الكرامة الإنسانية والظلم وقدرة الفرد على الانتقال من موقع الضحية إلى موقع الفاعل والمؤثر في التاريخ.

الكتاب: الدين، الديمقراطية، الفضاء العمومي المغربي

الكاتب: رشيد العلوي

الناشر: منشورات دار التوحيدي للنشر والتوزيع- المغرب

يطرح كتاب "الدين، الديمقراطية، الفضاء العمومي المغربي" للباحث رشيد العلوي واحدة من أكثر القضايا حضورا في الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر، وهي العلاقة بين الدين والديمقراطية، ودور المعتقدات الدينية في المجال العام داخل المجتمعات الحديثة. يأتي هذا الكتاب في سياق نقاش واسع حول موقع الدين في الدولة والمجتمع، ومدى التفاعل بين المرجعيات الدينية ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ينطلق الكتاب من إشكالية أساسية تتمثل في كيفية بناء فضاء عمومي يسمح بتعايش مختلف المكونات الفكرية والثقافية والدينية، من دون أن يتحول الاختلاف بينها إلى صراع أو إقصاء. فالفضاء العمومي، كما يناقشه العلوي، هو فضاء تتشكل داخله القيم المشتركة، وتطرح فيه القضايا التي تهم المجتمع، وتلتقي فيه مختلف وجهات النظر حول مستقبل الإنسان والمجتمع، أكثر من كونه مجالا للتواصل السياسي فحسب.

يعالج الكاتب حضور الدين في هذا الفضاء، ويناقض التصورات التي ترى أن الحداثة تقتضي بالضرورة اختفاء الدين من الحياة العامة، وفي المقابل ينفي التصورات التي تسعى إلى احتكار المجال السياسي باسم الدين. ويؤكد أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الدين أو غيابه بحد ذاته، إنما في طبيعة حضوره، وعلاقته بقواعد الحوار الديمقراطي والتعددية والاختلاف.

كما يناقش الكتاب مفهوم الديمقراطية باعتبارها أكثر من مجرد انتخابات، فهي، بحسب رؤيته، ثقافة تقوم على الاعتراف بالآخر، وقبول التنوع، وإدارة الاختلافات بوسائل سلمية وعقلانية. ومن هنا، يصبح الفضاء العمومي مجالا للحوار بين مختلف الأطراف، من حيث إنه يمكن للأفكار الدينية والفلسفية والسياسية أن تتفاعل معا ضمن شروط المساواة والاحترام المتبادل.

لا يقدم الكاتب إجابات جاهزة بل يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والسياسة ضمن أفق ديمقراطي

ثمة أهمية إضافية للكتاب تكمن في كونه يلامس أسئلة راهنة يعيشها المغرب، فالكاتب يفند ذلك بقوله: "قد يبدو بديهيا في بلد يسير في طريق النمو كما هو حال المغرب أن وجود الفضاء العمومي والصحافة والرأي العام والنخب عموما أمر طبيعي وضروري، غير أن كل تلك المجالات ليست هبة من أحد بقدر ما هي مكتسبات تاريخية كلفت عديدا من الأرواح والتضحيات في سبيل الحرية، وهو ما أدرجته ضمن مرحلة انغلاق الفضاء العمومي أو ما يعرف في أدبيات اليسار المغربي بسنوات الجمر والرصاص، حيث اشتد القمع بمختلف أصنافه واستهدفت طليعة من النخب المثقفة والمناضلة من أجل تحقيق مغرب جديد".

الدين، الديمقراطية، الفضاء العمومي المغربي

ثم يتابع ليرى إنه ثمة اعتبارات ومبررات لا يمكن إحصاؤها "تجعل البحث ممكنا في موضوع شائك كهذا، غير أنني سلكت مسلكا آخر ورأيت في الموضوع أهمية أخرى سيجيب عنها البحث، فصحيح أن ما يجري اليوم في المغرب- كما في مختلف البلدان- من تحولات جذرية في مختلف المجالات يدعو إلى التساؤل والبحث عن أسبابها وكيفيات حدوثها، والعوائق التي يمكن أن تعترض مسيرة التقدم في المغرب مستقبلا". وعليه، فإن العلوي لا يقدم إجابات جاهزة، بل يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والسياسة ضمن أفق ديمقراطي يوازن بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات العصر.

الكتاب: الموت والخلود

الكتاب: ك. غ. يونغ

ترجمة: سلام خير بك

الناشر: دار الحوار للنشر والتوزيع- سوريا

كتاب "الموت والخلود" لكارل غوستاف يونغ، الذي ترجمة سلام خير بك، يعتبر من الأعمال التي تتناول إحدى أعمق القضايا التي شغلت الفكر الإنساني: علاقة الإنسان بالموت، ومعنى الحياة، وفكرة الخلود. يحاول يونغ في هذا الكتاب، انطلاقا من رؤيته في علم النفس التحليلي، فهم الموت باعتباره تجربة نفسية وروحية لها أثر كبير في تكوين شخصية الإنسان ونظرته إلى وجوده، وليس بوصفه نهاية بيولوجية فقط.

يرى يونغ أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة متوازنة إذا تجاهل حقيقة الموت أو حاول إنكارها. فالموت، في نظره، جزء أساسي من دورة الحياة، والوعي به يمنح الإنسان فرصةً لإعادة تقييم أهدافه وقيمه واكتشاف المعنى الأعمق لوجوده. فالإنسان في النصف الأول من حياته غالبا ما يكون منشغلا ببناء الذات وتحقيق النجاح (الخارجي)، أي الانشغال ببناء المستقبل وتحقيق الإنجازات المهنية والاجتماعية، أما في مراحل العمر المتقدمة فإنه يواجه أسئلة داخلية تتعلق بالغاية والمعنى والمصير، بمعنى أن التفكير في الموت يتحول إلى وسيلة للنضج النفسي وليس إلى مصدر للخوف فقط.

يتناول يونغ كذلك مفهوم اللاوعي الجمعي والرموز التي تظهر في الأساطير والأديان والأحلام، ويرى أن فكرة الخلود أو استمرار الروح حاضرة في التجربة الإنسانية منذ القدم. فالمعتقدات المتعلقة بالحياة بعد الموت لا تمثل عنده مجرد أفكار دينية، بل تعكس حاجات نفسية عميقة لدى الإنسان ورغبته في تجاوز حدود وجوده الفردي المحدود. ويؤكد أن الرموز الروحية تساعد الإنسان على مواجهة القلق المرتبط بالموت، ومنح حياته إحساسا بالاستمرارية والمعنى.

يجمع الكتاب بين التحليل النفسي والتأمل الفلسفي ويظهر بعدا روحيا، ويقدم رؤية مختلفة للموت بوصفه تجربة إنسانية شاملة

كما يوضح الكتاب أن مواجهة الموت تتطلب عملية تصالح مع الذات، وأن الإنسان الذي يحقق قدرا من التكامل الداخلي يصبح أكثر قدرة على تقبل فكرة النهاية. فالموت عند يونغ ليس ضد الحياة، على العكس، هو جزء من اكتمالها، والوعي به يمكن أن يدفع الإنسان إلى حياة أكثر صدقا وعمقا.

يجمع الكتاب بين التحليل النفسي والتأمل الفلسفي ويظهر بعدا روحيا، ويقدم رؤية مختلفة للموت بوصفه تجربة إنسانية شاملة. ويدعو القارئ إلى النظر في معنى وجوده، وفي العلاقة بين المحدودية البشرية وتوق الإنسان الدائم إلى الخلود.

الموت والخلود

باختصار، فإن كتاب "الموت والخلود" هو محاولة فكرية ونفسية لفهم واحدة من أكثر التجارب الإنسانية حساسية وتعقيدا. يتعامل مع الموت من خلال فتح باب التأمل في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبالمعنى الذي يمنحه لحياته. ويكشف كيف بقي سؤال الخلود حاضرا في وجدان البشر عبر التاريخ، ويطرح أسئلة تتجاوز الزمن حول الوجود والمصير الإنساني.

الكتاب: رولان بارت- الكاتب الذي لم يُقرأ بعد

الكاتب: يوسف خليل السباعي

الناشر: دار روائع الكتب للنشر والتوزيع- السعودية، ودار خطوط وظلال للنشر والتوزيع- الأردن

يأتي كتاب "رولان بارت- الكاتب الذي لم يُقرأ بعد" للكاتب يوسف خليل السباعي بوصفه محاولة فكرية لإعادة الاقتراب من أحد أبرز الأسماء التي طبعت الفكر النقدي واللسانيات والفلسفة الثقافية في القرن العشرين بطابعها. فـرولان بارت كان مفكرا من طراز خاص، بحيث إنه أعاد النظر في علاقة اللغة بالنص والقارئ والمعنى، وفتح مساحات جديدة لفهم الأدب والصورة والإعلام والثقافة اليومية وغيرها.

ينطلق الكتاب من فكرة أساسية تتمثل في أن مشروع بارت ما يزال يحمل جوانب غير مكتشفة بالكامل، وأن أعماله، رغم مرور عقود على ظهورها، ما تزال تنتج أسئلة جديدة تتخطى القراءات التقليدية للنصوص. ومن هنا جاء عنوان الكتاب: الكاتب الذي لم يقرأ بعد، في إشارة إلى أنه لا ينبغي التعامل مع فكر بارت بوصفه منجزا مغلقا أو مرحلة تاريخية انتهت، إنما هو مشروع مفتوح على التأويل والقراءة وإعادة القراءة باستمرار.

يقدم يوسف خليل السباعي مقاربة تحاول إضاءة مسار بارت الفكري وتحولاته الكبرى، من اهتمامه المبكر باللسانيات والنقد البنيوي، إلى مقاربته مفاهيم الكتابة والنص المفتوح ولذة القراءة. ويتوقف عند مفاهيم مركزية في تجربة بارت، مثل موت المؤلف، ودور القارئ في إنتاج المعنى، وتحليل الخطابات التي تشكل وعينا بالعالم. فالمعنى، وفق بارت، لم يكن ولا مرة حقيقة ثابتة جاهزة داخل النص، إنما يتحصل ويتكشف نتيجة تفاعل مستمر بين النص والقارئ والسياق الثقافي.

 يقول الكاتب: "ولعل المفارقة الكبرى أن بارت، الذي توفي في حادث شاحنة قبل أن يتمكن من إلقاء محاضرته حول بروست وعرض صوره، بقي في موته وفي كتاباته شاهدا على "حادثات" الأدب نفسه. الموت هنا ليس فقط موت الجسد، بل موت الشاهد، كما قال عن شاتوبريان. ومع ذلك، لأن بارت كتب، فإننا "نعرف"، ولأننا نقرأ، فإن ما تبقى من الشهادة حي.

يبرز الكتاب الجانب النقدي في مشروع بارت، وعلى نحو خاص اهتمامه بكشف الأنساق الخفية التي تعمل داخل الثقافة والإعلام والصور اليومية

 إن كتابة بارت عن بروست، وعن المغرب، وعن ذاته، كلها وجوه لنص واحد طويل، لم يكتب بكامله، لكنه حي، تماما كما هو بروست بالنسبة له: أثر لا ينتهي، قراءة لا تستنفد، لذة لا تستكمل. هكذا يتحول النص لدى بارت إلى ممارسة حية، لا تنتمي إلى النقد، ولا إلى الرواية، بل إلى مجال ثالث، هو الروائية بوصفها أفقا وممارسة، حيث الحياة تروى لا كما حدثت، بل كما ينبغي أن تعاش في الذاكرة، في الجسد، وفي اللغة".

الكاتب الذي لم يقرأ بعد

يبرز الكتاب الجانب النقدي في مشروع بارت، وعلى نحو خاص اهتمامه بكشف الأنساق الخفية التي تعمل داخل الثقافة والإعلام والصور اليومية. فقد حاول بارت أن يبين كيف تتحول العلامات والرموز العادية إلى أدوات تحمل أفكارا وقيما اجتماعية وسياسية، وهو ما جعله مؤثرا في مجالات متعددة تتجاوز الأدب إلى السيميائيات والدراسات الثقافية.

يقدم الكتاب للقارئ العربي مدخلا لفهم تجربة مفكر ترك أثرا عميقا في النقد الحديث، كما يدعو إلى تجاوز القراءة السريعة لأعماله والعودة إليها باعتبارها مطرحا للتفكير والاختلاف. إنه كتاب عن رولان بارت، لكنه في الوقت نفسه كتاب عن فعل القراءة ذاته.

الكتاب: فلسفة التشاؤم

الكاتب: ستيوارت سيم

ترجمة: عقبة زيدان

الناشر: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع- سوريا

في زمن يهيمن فيه خطاب التنمية البشرية والتفاؤل بوصفه وصفة جاهزة للسعادة، يأتي كتاب "فلسفة التشاؤم" للمفكر البريطاني ستيوارت سيم، بترجمة عقبة زيدان، ليقدم قراءة مغايرة لأحد أكثر التيارات الفلسفية إثارة للجدل. فالكتاب لا يدعو إلى الاستسلام لليأس، ولا يحتفي بالنظرة السوداوية إلى العالم، إنه كتاب يتتبع الجذور الفكرية للتشاؤم بوصفه موقفا فلسفيا حاول فهم الوجود الإنساني بعيدا عن الأوهام وعن النظرة المتفائلة التي تتجاهل الألم والمعاناة.

يستعرض ستيوارت سيم تاريخ فكرة التشاؤم منذ جذورها الفلسفية، ويتوقف عند أبرز المفكرين الذين جعلوا من الألم والمعاناة محورا للتأمل الفلسفي. ويحتل الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور مكانة مركزية في هذا السياق، بوصفه أحد أهم من صاغوا رؤية متكاملة للعالم تقوم على أن الرغبة الإنسانية لا تنتهي، وأن الإنسان يظل عالقا بين الألم والملل في رحلة لا تعرف الاكتمال. كما يتناول الكتاب إسهامات مفكرين آخرين، موضحا كيف تطورت النزعة التشاؤمية وتقاطعت مع الأدب وعلم النفس والفكر الحديث.

إضافة إلى عرض الأفكار التاريخية يناقش الكتاب كذلك حضور التشاؤم في العالم المعاصر، حيث تتزايد المخاوف المرتبطة بالحروب، والأزمات الاقتصادية، والتغيرات المناخية، والقلق الوجودي الذي يرافق الإنسان في القرن الحادي والعشرين. ومن هنا فإنه يناقش فكرة فيما لو أن التشاؤم مجرد رؤية سلبية للعالم، أم أنه قد يكون وسيلة لفهم الواقع بقدر أكبر من الصراحة والواقعية.

فرصة لاكتشاف أن التشاؤم، بمعناه الفلسفي، ليس نقيض الأمل، إنما هو محاولة لتأسيس نظرة أكثر واقعية وتعقيدا إلى الحياة والوجود

اللغة الواضحة والأسلوب الذي يجمع بين العرض الفلسفي والتحليل الثقافي، الذي نجح المترجم بتقديمه، يجعل الكتاب مناسبا للقارئ غير المتخصص دون أن يفقد عمقه الفكري. ويحرص ستيوارت سيم على تقديم التشاؤم باعتباره تيارا فكريا متنوعا، لا يرفض الحياة، بل يدعو إلى التحرر من الأوهام، وإعادة النظر في الأفكار السائدة عن التقدم والسعادة والنجاح.

فلسفة التشاؤم

يتيح "فلسفة التشاؤم" النقاش حول قيمة التفكير النقدي، ويذكر القارئ بأن الفلسفة لا تقدم دائما إجابات مطمئنة، بل تطرح أسئلة صعبة حول الإنسان والعالم والمصير. وهو بهذا المعنى يدعو إلى مواجهة الواقع كما هو، وليس إلى اليأس منه، وإدراك أن التأمل في المعاناة كان، عبر تاريخ الفلسفة، طريقا لفهم أعمق للطبيعة البشرية.

يمكن اعتبار الكتاب أنه يمثل مدخلا مهما للتعرف إلى أحد أبرز التيارات الفلسفية التي أثرت في الفكر الحديث، ويقدم للقارئ العربي فرصة لاكتشاف أن التشاؤم، بمعناه الفلسفي، ليس نقيض الأمل، إنما هو محاولة لتأسيس نظرة أكثر واقعية وتعقيدا إلى الحياة والوجود.

font change