خلال الأيام القليلة الماضية، وجهت دول عدة انتقادات مباشرة إلى الحكومة الإسرائيلية، بسبب إخفاقها في كبح تصرفات المستوطنين في الضفة الغربية، حيث تكررت اعتداءاتهم على الفلسطينيين، بهدف دفعهم إلى ترك أراضيهم. وبلغ الأمر أن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وصف أخيرا المسؤولين عن أعمال العنف هذه بأنهم "إرهابيون". وتتزامن هذه الاعتداءات مع التوسع السريع للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، حين عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة. وقد زاد هذان العاملان معا من تهديد فرص "حل الدولتين"، الهشة أصلا.
ولم يكن مستغربا، في ظل هذه الظروف، أن يتبلور رد دولي على الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما بعد اعتراف عدد من الدول الكبرى بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025. وبالفعل، اتخذت بعض الدول التي شاركت في ذلك القرار، ومنها كندا وفرنسا والمملكة المتحدة، سلسلة إجراءات ضد المستوطنين الإسرائيليين، من بينها حظر البضائع المنتجة في المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.
وردت الحكومة الإسرائيلية من جانبها، لكن اللافت أن غضبها بدا أشد، تجاه دولة واحدة من بين الدول المشاركة في هذه الإجراءات: المملكة المتحدة. وقد يكون السبب في ذلك جزئيا كون إد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني الذي يقود السياسة الجديدة، يهوديا. غير أن العامل الأهم يكمن في تاريخ مضطرب يمتد لأكثر من قرن بين المملكة المتحدة وإسرائيل، وبين بريطانيا واليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين قبل قيام إسرائيل عام 1948.
تعود جذور هذا التاريخ إلى عام 1917، قبل عام واحد من نهاية الحرب العالمية الأولى. ففي ديسمبر/كانون الأول، انتزعت القوات البريطانية القدس من الإمبراطورية العثمانية، وحلت السيطرة الاستعمارية البريطانية على فلسطين محل السيطرة الاستعمارية العثمانية. وبعد ذلك، خضعت البلاد للانتداب البريطاني بين عامي 1920 و1948 تحت مظلة عصبة الأمم، في وقت كانت فيه بريطانيا وفرنسا تعيدان رسم حدود الشرق الأوسط.
غير أن أهمية عام 1917 في تاريخ العلاقات البريطانية الإسرائيلية، لم تقتصر على الجانب العسكري. ففي الشهر الذي سبق سقوط القدس، أعلن وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور تأييد لندن إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، فيما عرف لاحقا بوعد بلفور. وكان عدد اليهود في فلسطين عند صدور الإعلان صغيرا مقارنة بعدد العرب الفلسطينيين.
وسرعان ما وجدت بريطانيا نفسها عالقة بين طرفين متنازعين على السيطرة على فلسطين. وتصاعد التوتر خلال ثلاثينات القرن الماضي مع ازدياد الهجرة اليهودية من أوروبا، القانونية منها وغير القانونية، تحت وطأة الاضطهاد الذي رافق صعود الفاشية واتساع معاداة السامية. وردّ الفلسطينيون على الضغط الديموغرافي المتزايد بثورة اندلعت عام 1936 واستمرت حتى 1939، فيما كان العنف بين العرب واليهود يتصاعد.


