إسرائيل وبريطانيا... ذاكرة قرن في قلب خلاف راهن

لماذا تغضب إسرائيل من لندن أكثر من سواها؟

رويترز
رويترز
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، يتحدث أمام مجلس العموم في لندن، بريطانيا، 8 سبتمبر/أيلول 2026

إسرائيل وبريطانيا... ذاكرة قرن في قلب خلاف راهن

خلال الأيام القليلة الماضية، وجهت دول عدة انتقادات مباشرة إلى الحكومة الإسرائيلية، بسبب إخفاقها في كبح تصرفات المستوطنين في الضفة الغربية، حيث تكررت اعتداءاتهم على الفلسطينيين، بهدف دفعهم إلى ترك أراضيهم. وبلغ الأمر أن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وصف أخيرا المسؤولين عن أعمال العنف هذه بأنهم "إرهابيون". وتتزامن هذه الاعتداءات مع التوسع السريع للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، حين عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة. وقد زاد هذان العاملان معا من تهديد فرص "حل الدولتين"، الهشة أصلا.

ولم يكن مستغربا، في ظل هذه الظروف، أن يتبلور رد دولي على الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما بعد اعتراف عدد من الدول الكبرى بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025. وبالفعل، اتخذت بعض الدول التي شاركت في ذلك القرار، ومنها كندا وفرنسا والمملكة المتحدة، سلسلة إجراءات ضد المستوطنين الإسرائيليين، من بينها حظر البضائع المنتجة في المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.

وردت الحكومة الإسرائيلية من جانبها، لكن اللافت أن غضبها بدا أشد، تجاه دولة واحدة من بين الدول المشاركة في هذه الإجراءات: المملكة المتحدة. وقد يكون السبب في ذلك جزئيا كون إد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني الذي يقود السياسة الجديدة، يهوديا. غير أن العامل الأهم يكمن في تاريخ مضطرب يمتد لأكثر من قرن بين المملكة المتحدة وإسرائيل، وبين بريطانيا واليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين قبل قيام إسرائيل عام 1948.

تعود جذور هذا التاريخ إلى عام 1917، قبل عام واحد من نهاية الحرب العالمية الأولى. ففي ديسمبر/كانون الأول، انتزعت القوات البريطانية القدس من الإمبراطورية العثمانية، وحلت السيطرة الاستعمارية البريطانية على فلسطين محل السيطرة الاستعمارية العثمانية. وبعد ذلك، خضعت البلاد للانتداب البريطاني بين عامي 1920 و1948 تحت مظلة عصبة الأمم، في وقت كانت فيه بريطانيا وفرنسا تعيدان رسم حدود الشرق الأوسط.

غير أن أهمية عام 1917 في تاريخ العلاقات البريطانية الإسرائيلية، لم تقتصر على الجانب العسكري. ففي الشهر الذي سبق سقوط القدس، أعلن وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور تأييد لندن إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، فيما عرف لاحقا بوعد بلفور. وكان عدد اليهود في فلسطين عند صدور الإعلان صغيرا مقارنة بعدد العرب الفلسطينيين.

وسرعان ما وجدت بريطانيا نفسها عالقة بين طرفين متنازعين على السيطرة على فلسطين. وتصاعد التوتر خلال ثلاثينات القرن الماضي مع ازدياد الهجرة اليهودية من أوروبا، القانونية منها وغير القانونية، تحت وطأة الاضطهاد الذي رافق صعود الفاشية واتساع معاداة السامية. وردّ الفلسطينيون على الضغط الديموغرافي المتزايد بثورة اندلعت عام 1936 واستمرت حتى 1939، فيما كان العنف بين العرب واليهود يتصاعد.

Getty Images
النكبة الفلسطينية 1948

سرعان ما وجدت بريطانيا نفسها عالقة بين طرفين متنازعين على السيطرة على فلسطين. وتصاعد التوتر خلال ثلاثينات القرن الماضي مع ازدياد الهجرة اليهودية من أوروبا، القانونية منها وغير القانونية

وفي عام 1939، فرضت الحكومة البريطانية قيودا على الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وضيقت قدرة اليهود على شراء الأراضي. وأثارت السياسة الجديدة غضب المنظمات الصهيونية، التي رأت فيها تراجعا عن الوعد الذي حمله إعلان بلفور، في وقت كان اضطهاد اليهود في ألمانيا وغيرها يزداد قسوة. وفي عام 1945، أعادت حكومة "حزب العمال" المنتخبة حديثا تأكيد سياسة تقييد الهجرة اليهودية، على الرغم من استمرار الهجرة غير القانونية إلى فلسطين مع مغادرة النازحين اليهود أوروبا.

وقابل بعض قيادات الحركة الصهيونية السياسة البريطانية بعداء صريح. فقد صعدت منظمة "إرغون"، التي مارست العنف ضد الفلسطينيين، بما في ذلك أعمال إرهابية، منذ عام 1931، حملتها ضد البريطانيين عام 1944، حتى قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتحت قيادة مناحيم بيغن منذ عام 1943، وهو الذي أصبح لاحقا رئيسا لوزراء إسرائيل، شنت المنظمة حملة منظمة لتقويض السيطرة البريطانية على فلسطين.

وكان أشهر هجماتها تفجير فندق "الملك داود" في القدس عام 1946، الذي كان يضم مركز الإدارة البريطانية في فلسطين، وأسفر الهجوم عن مقتل 91 شخصا.

وظهرت منظمة صهيونية إرهابية أخرى هي "ليحي"، التي أطلق عليها البريطانيون اسم "عصابة شتيرن" نسبة إلى مؤسسها أبراهام شتيرن. وقد انشقت عن "إرغون" عام 1940، وتعهدت باستخدام العنف لطرد البريطانيين من فلسطين وإقامة دولة يهودية. وكان من بين قادتها لاحقا إسحق شامير، الذي أصبح هو الآخر رئيسا لوزراء إسرائيل. ونفذت المنظمة خلال الحرب سلسلة هجمات على أهداف مختلفة.

وكان أشهر عملياتها اغتيال اللورد موين، أحد كبار المسؤولين البريطانيين في المنطقة، بعدما سافر اثنان من عناصر "ليحي" إلى القاهرة وقتلاه هناك. وكان موين صديقا مقربا من ونستون تشرشل، فأثار اغتياله غضب رئيس الوزراء البريطاني، الذي وصفه في حديث خاص بأنه "عمل بغيض ينطوي على نكران للجميل". وأرسلت "ليحي" لاحقا سلسلة من الرسائل المفخخة إلى سياسيين بريطانيين بارزين في لندن، من بينهم إرنست بيفن، وزير الخارجية في حكومة "حزب العمال" التي تولت السلطة عام 1945.

وفي نهاية المطاف، باتت فلسطين تحت الانتداب البريطاني عصية على الحكم، فلجأت بريطانيا إلى الأمم المتحدة بحثا عن حل لوضع لم تعد قادرة على السيطرة عليه. وجاء المقترح في صورة خطة أممية لتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة يهودية وأخرى فلسطينية. لكن القتال اندلع بين الفلسطينيين واليهود، وأفضى إلى قيام إسرائيل في مايو/أيار 1948 وتدخل عسكري من عدد من الدول العربية. ولم تمنح بريطانيا الدولة الجديدة اعترافا قانونيا، إلا بعد نحو عامين، في أبريل/نيسان 1950.

وعلى الرغم من هذا التاريخ المضطرب، وجدت إسرائيل والمملكة المتحدة نفسيهما عام 1956 في الجانب نفسه من صراع جديد. وكان محور الأزمة قناة السويس، بعدما وضع جمال عبد الناصر القناة تحت سيطرة مصر. وفي عملية منسقة مع بريطانيا وفرنسا، هاجمت إسرائيل مصر، فاتخذ حليفاها الأوروبيان الهجوم ذريعة للتدخل والاستيلاء على القناة. وانتهت "أزمة السويس" بكارثة دبلوماسية مهينة للمملكة المتحدة، وكشفت تراجع مكانتها كقوة عالمية.

وقد صور بعضهم تحرك حكومة آندي برنهام أخيرا ضد إسرائيل على خلفية ملف المستوطنين باعتباره تعبيرا عن أجندة سياسية يسارية. إلا أن حكومات "المحافظين" و"العمال" على السواء دخلت في خلافات مع إسرائيل في مراحل مختلفة منذ قيامها. ويعود جانب من ذلك إلى الإرث الاستعماري البريطاني في المنطقة، في فلسطين وفي دول عربية أخرى أيضا. وعلى خلفية هذا التاريخ، سعت لندن مرارا إلى أداء دور "الوسيط النزيه" في النزاعات بين إسرائيل وجيرانها العرب.

وخلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، منعت حكومة المحافظين برئاسة إدوارد هيث شحنات الأسلحة إلى طرفي النزاع، ورفضت السماح للطائرات العسكرية الأميركية التي كانت تنقل شحنات أسلحة طارئة إلى إسرائيل باستخدام القواعد البريطانية للتزود بالوقود.

أ.ف.ب
وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، عام 1917

 

وخلال حرب أكتوبر 1973، منعت حكومة "المحافظين" برئاسة إدوارد هيث شحنات الأسلحة إلى طرفي النزاع

وامتدت أسباب التوتر إلى أحداث وقعت خارج الشرق الأوسط أيضا. ففي يونيو/حزيران 1982، أصاب أعضاء في منظمة أبو نضال، وهي جماعة فلسطينية إرهابية كانت متحالفة مع حكومة صدام حسين في العراق، السفير الإسرائيلي لدى المملكة المتحدة بجروح خطيرة خارج فندق دورتشستر في لندن. وبعد ثلاثة أيام، اتخذت حكومة مناحيم بيغن الإسرائيلية محاولة الاغتيال الفاشلة ذريعة لغزو لبنان بهدف إخراج "منظمة التحرير الفلسطينية"، على الرغم من أن المنظمة لم تكن ضالعة في الهجوم الذي وقع في لندن.

وأدى الهجوم الإسرائيلي على لبنان إلى زعزعة استقرار البلاد وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا. وكان أشهر فصوله، وأكثرها سوءا المجازر التي ارتكبتها ميليشيات مسيحية لبنانية بحق فلسطينيين في مخيمات للاجئين في بيروت، بتواطؤ من الجيش الإسرائيلي. كما أثار الغزو ردا قويا من حكومة مارغريت تاتشر.

وجاء هذا الموقف رغم ما عرفت به تاتشر من تأييد قوي لإسرائيل، وهي التي أصبحت عام 1986 أول رئيس وزراء بريطاني يقوم بزيارة رسمية إلى إسرائيل. ولم يمنعها موقفها المؤيد لإسرائيل من إدانة الغارة الجوية الإسرائيلية على مفاعل نووي في العراق عام 1981. كما لم يمنع حكومتها، بعد غزو لبنان، من فرض حظر على بيع الأسلحة لإسرائيل استمر حتى عام 1994.

ويكشف تاريخ العلاقة المضطربة بين المملكة المتحدة وإسرائيل أن التحول الأخير في سياسة حكومة برنهام، وما أثاره من رد إسرائيلي، ليسا خروجا مفاجئا عن المعهود، بل امتداد لسجل طويل من التوتر والخلاف. وفي الشرق الأوسط، تبقى ذكريات الماضي حاضرة، مهما طال عليها الزمن.

font change