فرقة "كايروكي" المصرية والغناء من متاهة الاكتئاب

"سوبرنوفا" يجسد صوت جيل طحنته التحولات المتسارعة

Cairokee
Cairokee

فرقة "كايروكي" المصرية والغناء من متاهة الاكتئاب

تضمر كلمة "سوبرنوفا" التي اختارتها فرقة الروك المصرية "كايروكي" عنوانا لألبومها الجديد، معالم سخرية مظلمة وقاتمة تتحاور من خلالها الفرقة مع جمهورها ومع العالم. ما يبدو حاملا لكناية الانبعاث والتجدد يسقط في هاوية التلاشي إذا ما أحلناه على مسار الألبوم ومنطقه. ليست الحكاية عن نجم ينفجر حين يصل إلى ذروة تألقه تاركا خلفه عناصر تتيح فرصة ولادة نجوم جديدة. لكن العنوان، وفق ما صرح مغني الفرقة الأساس أمير عيد، لا معنى له وقد اختير لرشاقته فحسب.

هل يمكن إدراج هذا التصريح في سياق دعائي يفتح الجدل حول الاسم والعنوان والدلالة؟ الجواب المرجح هو النفي، لأن مزاج الألبوم وتوقيت صدوره ومناخه السوداوي المغلق تقف كلها ضد منطق التسويق، وتبرز خيارا عاما ينحاز إلى التعبير عما يستعصي على التعبير، من داخله وبلغته ومنطقه وأحواله.

تأسست فرقة "كايروكي" في القاهرة عام 2003، وتكونت من أمير عيد في الغناء، وشريف الهواري على الغيتار، وتامر هاشم على الدرامز، وشريف مصطفى على الكيبورد، وآدم الألفي على غيتار البيس. صعدت نجومية الفرقة بالتزامن مع ثورة يناير 2011، قبل أن تتحول عبر ألبوماتها المتعاقبة إلى أبرز تجارب الروك الحديث في مصر المنهمكة بالقضايا الاجتماعية والبحث عن صوت جديد لجيل ولد داخل عالم يغلي بأزمات متتالية. تتالت إصدارات الفرقة من "مطلوب زعيم" ( 2011) و"أنا مع نفسي قاعد" (2012) و"السكة شمال" (2014)، و"ناس وناس" (2015)، و"نقطة بيضا" (2017) و"أبناء البطة السوداء" (2019)، و"روما" (2022)، لتصل أخيرا إلى "سوبرنوفا".

المغامرة الخطرة التي يتبناها الألبوم الجديد تكمن في أنه أقفل أبواب الخارج تماما، وقرر أن يتحدث عن الألم والمعاناة من الداخل. فبينما يتشكل جل التراث الغنائي العربي من وصف التجربة من مسافة تكاد تكون مسافة أمان، ويندر أن تجد أعمالا تنخرط في موضوعها وتنطق من خلاله، فإن "كايروكي" قررت أن تمحو المسافة تماما، وتغوص في الداخل، وتغني من ظلام النفس البشرية في خصوصية أزماتها الكبرى وبلغة تلامس هموم أجيال مكسورة لم تكن أمامها أي فرصة لتجنب الأذى والانهيار والتلاشي، كما في سؤال أغنية "ونسينا" لأمير عيد: "ونسينا ولا اتنسينا"، والنتيجة التي تخلص إليها: "أنا حي بس مش بعيش".

شاع أخيرا الحديث عن الاكتئاب، الذي ينطق الألبوم بلغته العميقة، عبر خطاب عمومي يدرجه في سياق اليوميات العادية ويجعله جزءا من المشكلات العامة والعابرة. لقد دجّن وحوّل إلى سياق متصل بالطبيعي والعادي، حتى إنه منح صورة رقيقة وشفافة، وربما تكاد تشكل نوعا من الجاذبية المطلوبة والمقدرة والمشعرنة. ألبوم "كايروكي" يفجر حقيقة الاكتئاب في وجوهنا، وينزع عنه كل السحر، ويعرض علينا المعادلة المستحيلة التي يشكل بها حيواتنا وسيرنا بقسوة شديدة، حيث لا جدوى ولا أمل، وحيث إن الأزمة لا تتصل بألم يمكن التعامل معه، ولكن بكون المشاعر كلها نفسها صارت مستحيلة.

ألبوم "كايروكي" يفجر حقيقة الاكتئاب في وجوهنا، وينزع عنه كل السحر، ويعرض علينا المعادلة المستحيلة التي يشكل بها حيواتنا وسيرنا

يغير بذلك كل خريطة الحساسية الشائعة، معلنا أن معظم ما يكتب ويقال حاليا ويغنى ليس سوى اختلاق محض لا يمتلك عنصر قيمة، لأن الحزن بات مستحيلا والمشاعر لم تعد ممكنة، وأن ما يجب الحديث عنه ليس شدة الألم أو الحزن أو القهر أو الكآبة، وإنما غيابها جميعا والسقوط في هاوية التجمد والبرد واللاجدوى، كما تقول كلمات أمير عيد في أغنية "ما تيجي": "بارد زي الباند اللي كان بيغني في تيتانيك".

الغناء خارج الغناء

يواجه الألبوم مفهوم الصوت كما ساد واستقر في الوعي الغنائي العربي عموما، ويدافع عن منطق غنائي ينحاز إلى الضعف والهشاشة، ويحاول الذهاب إلى منطقة أبعد، إذ يظهر ميالا إلى التلاشي والاختفاء والذوبان.

تقترح "كايروكي" تعاملا أكثر ثورية مع الصوت، إذ تجعله يذوب تماما في المعنى إلى درجة أن التلقي العام للألبوم لا يتحدث عن الأداء، ولكن بشكل خاص عن المناخ والمعنى وروح الألبوم، أي عما يريد قوله. لا ينفي كل ذلك شغل البناء الموسيقي ولا حضور مغني الفرقة أمير عيد وصوته، ولكنه يعكس طبيعة مشروع يسعى بوعي تام إلى إحلال المغزى في الصدارة، وكأنه يريد أن يقدم للجمهور تجربة صافية ليس الغناء والموسيقى سوى وسائطها وخدامها.

سوبر نوفا

شجاعة قلب المعادلة تمثل التثوير الخطير الذي بثته الفرقة في قلب المشهد الغنائي، لأن منح الأولوية للكلام لا يعني الانحياز إلى الدلالة فقط، ولكنه يمثل انتقادا ساخرا ومرا لفكرة النجومية نفسها في أفقها المعاصر. فالأغنية الحديثة، في انحيازها إلى الصورة، حولت المغني والفرق الغنائية نفسها إلى مجموعة صور لا تنطق عمليا، بمعنى أن الخطاب الفعلي للأغنية لا يمر عبر وسيط الغناء واللحن والكلام بقدر ما يمر عبر الصورة الملمعة للنجوم. وبذلك يمكن القول إن الأغاني الحديثة فعليا أقرب إلى أن تكون صامتة، لا تنطق ولا تريد أن تقول شيئا، وتريد المتلقي أن يكون مشاهدا وحسب.

وفي ذلك البعد تحديدا حرص على نفي العلاقة مع المتلقي ونسفها، ليس من خلال توتر موقعه وتشتته بين مشاهد أو مستمع، ولكن عبر طبيعة الوسيط السلطوي للعلاقة، أي الصورة. وذلك لأن الصورة تبني حضورها على السرعة والتسارع، فتسبق المتلقي ويبقى عاجزا عن التقاطها. إنها لا تخاطبه ولكنها تحتله، ولا تطلب منه الحكم ولا تعطيه هذا الحق، ولكنها تبهره بشكل يجعله عمليا عاجزا عن التلقي الفعال.

في مشروع "كايروكي" يستعاد البطء، وتتناغم سرعة التلقي مع أعصاب المستمع وسيرته، ويمنح معنى ليلتقطه ويترك له الحق في الحكم. فهذا الخروج من الصورة يعيد الغناء إلى موقعه، ويفتح المجال أمام إعادة إنتاج علاقة قائمة على السمع والتشارك، فتلغى المسافة وتصبح الحكاية موحدة، فيكون من يتلقاها مؤلفا جديدا.

دفاعا عن البوح

الانتقال من الوصف إلى البوح الصريح والمفتوح تأسيسي. يخرج الألبوم من المساحة المألوفة ويذهب مباشرة إلى ما لا يستساغ وما ليس مقبولا ولا مألوفا من دون ادعاءات. ينقل الحوار الذي لا يقال إلا أمام الطبيب النفسي إلى العلن كمحاولة لبث ما لا يمكن بثه، وقول ما لا يقال، والذي لم تعد المساحة التحليلية التي يمكن أن يقدمها الطبيب النفسي كافية لقراءته وفهمه. يخرج الألم من حدود القصة الشخصية ويتحول إلى علامة فارقة تطبع الجيل الذي ينتمي إليه كل أعضاء الفرقة، وهو جيل لم يواجه سوى انسداد الآفاق والحصار وضياع الآمال واستعصاء الحلول. ويتحول ذلك الحوار مع الطبيب النفسي في "أنا فاضل"، التي كتب كلماتها مصطفى إبراهيم، إلى صيغة بوح إليم، حين ينفجر سؤال: "مش حاسس إنك أحسن؟"، فتكون الإجابة: "مش حاسس أصلا حاجة".

تقترح فرقة "كايروكي" تعاملا أكثر ثورية مع الصوت، إذ تجعله يذوب تماما في المعنى إلى درجة أن التلقي العام للألبوم لا يتحدث عن الأداء، ولكن بشكل خاص عن المناخ والمعنى وروح الألبوم

وقد تمرحلت أعمال الفرقة منذ بدايتها في أطر مختلفة كانت تشي بأن البوح العميق والعاري هو مشروعها الأعمق والأصلي، ويشكل "سوبرنوفا" ذروة هذا المشروع لناحية اختيار الأشعار ومزاج الموسيقى وطريقة الأداء، إذ يمثل قطيعة تامة مع كل ما يمكن أن يلحق بالتجربة من رواسب تحيل على رومانسية قاتلة، لطالما عملت على تجميل المآسي، وأكثر من ذلك، تحويلها إلى حنين وإلى سيرة مستعادة ومشتهاة.

تحت عباءة الرومانسية التي كانت تسيطر على الأغنيات السائدة في فترة جيل "كايروكي"، تم التطبيع مع كل شيء، من القهر والفساد والقمع إلى انفصال الثقافة عموما والغناء خصوصا عن الواقع، ولا سيما ما يعتمل في دواخل جيل لم يعش عمره، وإنما خاض موجات متسارعة من الفوضى والعبث والجنون، كان فيها على الدوام مطحونا وغير قادر على بلورة علاقات واضحة مع نفسه ومع العالم والوجود والحب والرغبات. كان كل شيء معروضا على أنه في المتناول، والجو السائد كان يلعب على بروباغندا التمكن التي تقول إن كل شيء ممكن، وإنه لا يفصل الأماني عن التحقق سوى أن يرغب المرء بذلك وأن يمد يده ليلتقط من الوجود كل ما يرغب فيه. ولكن في موازاة تلك البروباغندا، كانت الحقيقة القاسية تحفر في جلد ذلك الجيل وأعصابه وروحه، وتعلن بقسوة فائضة أن لا شيء ممكنا.

تلتقط كمات مصطفى ابراهيم في "أنا بكبر" مفارقات مطالبة الفرد بتجاوز أزمته، "العالم بيقول لي أكبر وأنا ساكت"، ثم يطمئنه إلى أن "كل ده عادي"، قبل أن يقرر أن "الحزن الفاضي ملوش لازمة". خطاب التمكن هنا يدخل في سياق تكوين الأزمة نفسها، لأنه ينفي عن صاحبها حتى حق الاعتراف باستعصائها.

اصطدم جيل "كايروكي" بما لا يمكن ترميمه وإصلاحه، من الظروف العامة وتغيير أشكال التواصل والعلاقات والقسوة الشرسة والعنيفة التي باتت الصفة الغالبة على الوجود وعلى التواصل. تضع "وحدي"، من كلمات محمد شافعي، هذا الانسداد في صورة طريق فقد وجهته: "السكك مابقتش سالكة".

من هنا يأتي البوح النازف من خارج محاولة الترميم والإصلاح ليقول حكاية جيل وقع ضحية لكل ما سبق، ويستشرف انعدام موقعه في ما هو قادم، ولا يبقى أمامه من حشرجة أخيرة يوصل بها صوته سوى بوح شرس يحاول أن يقول كل شيء دفعة واحدة.

موسيقى النقص

تحتفظ "كايروكي" في "سوبرنوفا" بالعناصر المألوفة لعالمها الموسيقي إلى حد كبير، وتستأنف علاقتها بعالم الروك الأساس وحضور الكيبورد والغيتار والدرامز وخصوصية التوزيع، وأسلوب أمير عيد الغنائي الذي يعنى دائما بحمل الحالة. ليس في الألبوم قطيعة مع تاريخ الفرقة، فهي لا تذهب في اتجاه تجديد متهور، ولكنها تبحث عن الطريقة التي يمكن من خلالها تثبيت الحالة والمزاج العام للعمل.

ومن هنا يبرز النقص بوصفه أصلا للمشروع الموسيقي، ويتجلى في عدم الادعاء أن الموسيقى تقول المعنى أو تمنحه طابعا تفسيريا، وإنما تكمن وظيفتها في إنتاج الحيز الذي تتحرك الدلالة من قلبه. ففي أغنية "نسينا" يبني شريف مصطفى خياراته التوزيعية على كوردات سينث مدموجة مع إيقاعات درامز تامر هاشم وعزف غيتار شريف الهواري، خالقة تجانسا يصنع الهوية التقنية للألبوم ويماهيها بشكل دائم مع بنيته العامة.

اصطدم جيل "كايروكي" بما لا يمكن ترميمه وإصلاحه، من الظروف العامة وتغيير أشكال التواصل والعلاقات والقسوة الشرسة والعنيفة 

لا ينتج تنوع الأساليب والمشاركات أي خلل في النسق العام، فحضور ساري هاني في الألبوم كمنتج موسيقي ومشاركته في أغنيتي "أنا بكبر" و"مت ليه" يعززان جوه العام وثيمته الرئيسة. يظهر ذلك خصوصا في ما صرح به ساري من أن العمل على أغنية "أنا بكبر" تخلى عن شروط التسجيل التقليدية، إذ سجل أداء أمير عيد للأغنية في غرفة المعيشة في منزله وعبر معدات بسيطة. هذا الخيار الذي اتفق عليه ساري هاني مع أمير عيد وشريف الهواري، كان يهدف إلى الاحتفاظ بالصيغة الأولية للأغنية وطزاجتها، فالصافرة التي تفتتحها، وكانت من بنات أفكار عيد وأدتها إنجي نظيف في التسجيل النهائي، تراكم مفهوما بنائيا ينحاز إلى الحالة قبل الصناعة التقنية للأغنية.

يتحرك الألبوم في مسافة محسوبة ودقيقة لا تذهب في اتجاه المغامرات، ولكنها تمنح المألوف في التجربة امتدادا جديدا، وتوسع قدرته على التعبير عن أحوال الضيق والانسداد، بما ينسجم مع هوية موسيقية تتماهى مع مفهوم النقص. وحتى حين تعاود الفرقة تأصيل علاقتها بالشعبي، فإن الإيقاع السريع والمزاج الذي يبدو صاخبا لا يجران أغنيتي "تاتا تاتا" و"حاسب حاسب" إلى مجال مغاير. فالذهاب في اتجاه النقد وعرض الأحوال يجعل من التركيب الموسيقي المختلف جزءا أصيلا من سياق الألبوم الكامل ويدرجه في مناخه ومزاجه، فلا يصبح الشعبي مهرجانيا واحتفاليا وصاخبا على الإطلاق، وإنما تكمن اللعبة في أنه يخاطب مألوف الأذن وتاريخها السمعي بالعناصر المألوفة، ويسحب منها مجال التلقي السابق ويجرها إلى عالم القتامة والضيق. وذلك التفكيك للمألوف يمثل العنصر الأكثر حدة في تجربة الألبوم، فالشعبي لطالما ارتبط بعالم الأفراح والرقص والاستعراض، لذا فإن تفخيخه بالنقد الشرس والمزاج المغلق، لا يكتفي، كما هي حال الغناء الشعبي الرائج قديما وحديثا، بأن يقول خطاب شكوى قدريا، وإنما يذهب إلى تكريس مساحة الانسداد وإخراج السخرية من مجرد التقاط المفارقات إلى رسم ملامح عالم مغلق بلا منافذ.

تكشف كلمات الأغنيتين نفسها هذا التفخيخ للمألوف. ففي "تاتا تاتا" يقابل الحركة الإيقاعية اعتراف "الناس بتجري أنا مش قادر"، ثم تتحول صورة الخارج إلى "قلوب كئيبة ووشوش مبتسمة". أما "حاسب حاسب" فتستعير لغة الحكمة والموعظة الشعبية، من "حاسب نفسك قبل ما تتحاسب" إلى التحذير من "مال وسلطة وجاه"، قبل أن ترد كل ذلك إلى أفق الفناء: "كلنا من طين للطين راجعين".

ولعل إعادة تقديم أغنية "مت ليه" للشاعر الراحل ميدو زهير، التي سبق أن غنتها مريم صالح، تتيح فهم حضور ساري هاني في الألبوم. كان هاني قد تحدث عن تعدد الاتجاهات الموسيقية التي تتيحها الكلمات، والتي تبلورت لاحقا في الصيغة التي خرجت إلى النور. هكذا تحول اللحن الذي كان قد استقر في الأذهان بصيغة صاخبة وهجومية مع نسخة مريم صالح إلى لحن هادئ ومظلم يحمل ثقل كلمات زهير، ويعيد إنتاج العلاقة بها بشكل مختلف تماما، ويسحبها من التلقي السابق القائم على الصراخ والانفعال الصاخب إلى مرحلة تنطق بأحوال أنين خافت ونزيف داخلي يروي قصة أجيال شكل الفقد سمتها وهويتها. والألبوم لا يدعي أنه يمثلها، وإنما يقدم نفسه بوصفه ابنا لهذه التجربة، ويتحدث من داخلها ويدعو الآخرين إلى مشاركته.

يبرز النقص بوصفه أصلا للمشروع الموسيقي، ويتجلى في عدم الادعاء أن الموسيقى تقول المعنى أو تمنحه طابعا تفسيريا

وحيث لا يستقر شيء ولا يكتمل، وفي عالم لا يبدو فيه الوصول ممكنا والطريق حافل بالخسارات، يظهر النقص كعلامة مرجعية وأسلوبية تتبناها موسيقى مهما تعددت أشكالها وتبدلت أساليبها، فإنها ترتد على الدوام إلى مجال دلالي موحد وتتماهى معه، كما تقول كلمات أغنية "مت ليه": "وبتساليني مت ليه كنت بجري عايز أوصل".

في متاهة الذاكرة واليأس

لا يظهر الفيلم القصير الذي يجمع بين الفرقة والإعلامي محمود سعد والممثل محمود عزب بوصفه تمثيلا بصريا للألبوم أو مقابلة تشرحه وتفسر معانيه. يلعب، خلافا لذلك، على التماهي مع مزاج الألبوم العام القائم على الكلام من داخل المتاهة، حيث لا مجال لتثبيت أي صفة أو دور. يحضر محمود سعد محملا أرشيفه وذاكرته، وتحضر معه الصيغة التقليدية للمقابلة التي فيها طرفان متواطئان مسبقا على الأدوار والصفات: محاور يسأل وضيف يجيب. ولكن الفيلم يقلب ذلك الترتيب ويفجره، فيتحول الضيوف إلى محاورين ويتحول المحاور إلى كائن يبوح.

Cairokee
محمود سعد

يتخذ سعد هيئة ذاكرة جريحة لا تستطيع الدفاع عن نفسها، لأن لحظة البوح تتحرك في فضاء مغلق ومسدود، ولأن شروط التقاطه في المجال العام لواقع اللحظة غير متوفرة. لا يستدعي البوح التعاطف ولا ينسج علاقة مع متلق ما في عالم القسوة الشرسة الذي نحيا فيه، فيتحول تاليا إلى علامة إضافية على سطوة العزلة، حيث تصبح الذاكرة واحدة من علاماتها التي لا يمكن أن تستعاد خارج هذا الموقع الذي فرض عليها. ومنطق الألبوم كله يلازم منطقة الوعي الحاد بما طبعه الزمن على الذاكرة من علامات، ولذا فإن محاولة الأرشفة تحرص على تأكيد هذا الواقع وتحويله إلى معنى وإلى حالة.

وفي حالة عزب، ينسج الجسد والغياب علاقة قاتمة مع الزمن، حيث يبدأ الحضور بالتلاشي، ويفرض على الكائن ملاحقة تلاشيه والسكن فيه وتبنيه بكل ما ينتجه من علاقات انسحاب من الحياة والمشاركة وصناعة المصير. وفي النهاية يبدو الاحتجاج الذي يعبر عنه عزب بالصخب والجنون ودفع الجسد إلى الانتفاض على مصيره وحدوده بالرقص، كاستعادة لمصير شخصي، ولكن من داخل الحداد المفتوح نفسه. فلا نجاة ممكنة، والإمكان الوحيد المتبقي هو خلق مرآة شخصية يرى فيها المرء ملامحه وصفاته كما يريد لها أن تكون، من دون أوهام.

Cairokee
محمود عزب

ترتيب الأغاني المختارة، التي لا تضم كل أغنيات الألبوم، يلاحق أحوال التلاشي وكأنه يمرحلها ويدرجها في حقب وأحوال متصاعدة، تبدأ من الذكرى المتلاشية والجارحة التي كان فيها الزمان يتحرك ويتيح بناء عالم وسيرة وتاريخ، قبل أن يدفع بالناس إلى التحول إلى نسخ عما يؤلمهم ويؤذيهم، بمعنى نسيان أنفسهم ومحو ذاكرتهم. القسوة تنتج عادة سبل مقاومة، ولكن فائضا منها غير قابل للاحتمال يقود إلى الاستسلام التام لها والدخول في جدلية دائمة الحركة بين نسيان إرادي ونسيان قهري مفروض من الخارج، وكلاهما ممر لا يقود سوى إلى النتيجة نفسها.

لا نجاة ممكنة، والإمكان الوحيد المتبقي هو خلق مرآة شخصية يرى فيها المرء ملامحه وصفاته كما يريد لها أن تكون، من دون أوهام

تتدرج الأغنيات بعد أغنية البداية "نسينا" لتصل إلى "في الختام"، حيث "وذكريات تقدر تقول كان فيها روحنا"، فتصعد الروح في حركة لا تنتج موتا واضحا، وإنما حشرجة مطولة ومستمرة تسمى وجودا حافلا بالصمت والغياب والانسلاخ عن الذات.

وتعزز كلمات أمير عيد في الأغنيتين طرفي هذه الحركة. ففي "نسينا" يقول الصوت "أنا حي بس مش بعيش"، بينما يصل في "في الختام" إلى "الشوارع مش فكراني" ثم "عايش صحيح لكن بشك إني حي".

كل هذا يجعل الألبوم، بحكم طبيعته، منتجا غير قابل للتسويق من خارج صدقه التام، كما يقول مغني الفرقة الرئيس أمير عيد: "أنا لو مش ببعلك حاجة... إنت حتصدقني".

font change