في معظم مدن المشرق العربي، نجد نسخة ما من "المجتمع الراقي"، تتمركز عادة في أعلى السلم الاجتماعي والاقتصادي، وتتمتع بقدرة شرائية مرتفعة، وتميل إلى التغريب، وتتحدث الإنكليزية وغالبا الفرنسية أيضا. وهي شديدة الألفة مع الغرب إلى حد يصبح معه مرجعية مشتركة لديها، لا مؤثرا وافدا من الخارج. ويعكس ذوق هذه الفئة "المتغربة" في الموسيقى المنطق نفسه: بوب إنكليزي لامع، و"آر أند بي" و"هيب هوب" بإنتاج عالمي، و"بوب" عربي لا يجد طريقه إليها إلا بعد صقله في قالب إذاعي كوزموبوليتاني وغربي، أقرب إلى التيار التجاري المصقول منه إلى أي شيء قد تسمعه في حفل زفاف قروي.
لا يتعلق الأمر بالجنسية أو العرق، ولا حتى بالثراء وحده. نحن أمام ثقافة قائمة بذاتها، ليبيرالية في عاداتها الاجتماعية، منخرطة في حياة ليلية على "الطريقة الغربية"، صاغها التعليم الدولي والانفتاح على الإعلام الغربي، وواثقة في قرارة نفسها بتفوق ذائقتها الموسيقية.
مشهدان نقيضان: الدبكة على مسرح سان ليفانت
انسجمت موسيقى الفلسطيني سان ليفانت (اسمه الأصلي مروان عبد الحميد) في بداياته مع هذه الثقافة انسجاما يكاد يكون تاما. كانت متعددة اللغات، تتنقل بسلاسة بين الإنكليزية والفرنسية والعربية، وتبدو جزءا طبيعيا من قوائم الاستماع التي تضم "البوب" الغربي و"البوب" العربي المتغرب الذي يحبه هذا الجمهور. لم يطلب سان ليفانت منه تقبل شيء جديد أو غريب، وإنما خاطبه باللغة التي يتقنها، حرفيا وموسيقيا، وبسحر وحرفية قلما توافرا لدى غيره.
على الضفة الأخرى من المدينة نفسها، تقف فئة أكثر محافظة في أعرافها الاجتماعية، وأشد التصاقا بالتقاليد، وبعيدة إلى حد كبير عن الحياة الليلية والطلاقة الكوزموبوليتانية للفئة الأولى. موسيقاها شعبية في جوهرها: إيقاعات الدبكة، أغاني الأعراس، والصوت الصاخب والعفوي وشديد المحلية للمهرجانات والشعبي وما تفرع عنهما. وهي واسعة الانتشار، لكن شعبيتها تظل إلى حد بعيد داخل هذه الفئة، ونادرا ما تحظى بقبول لدى "المتغربين"، الذين يجدونها عادة مبتذلة، أو في أسوأ الأحوال موسيقى "شوارعية".
الذوق من الأدوات التي تستخدمها الطبقات لرسم حدودها والدفاع عنها، فتلبس أحكامها الطبقية ثوب التحيزات الفنية
مدينة واحدة، وفئتان، وثقافتان موسيقيتان تكاد كل منهما تستبعد الأخرى. وهو انقسام كان عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو سيتعرف إليه على الفور. ففي تحليله الكلاسيكي للذوق والتمييز الاجتماعي، نادرا ما يكون ما تسميه طبقة ما "ذوقا رفيعا"، تفضيلا جماليا خالصا. فالذوق من الأدوات التي تستخدمها الطبقات لرسم حدودها والدفاع عنها، فتلبس أحكامها الطبقية ثوب التحيزات الفنية.
هنا يكمن العنصر المثير للاهتمام في التحول الأخير في موسيقى سان ليفانت. ففي وقت ما خلال العامين الماضيين، اتجه بقوة نحو الأشكال الشعبية والتقليدية نفسها التي لم يتحمس لها جمهوره الأصلي يوما: الإيقاعات الشعبية، وطاقة المهرجانات، والأنسجة الصوتية للطرب، والقاموس السمعي لموسيقى الأعراس الذي كان ذلك الجمهور يجد فيه سابقا ما يبعث على الحرج. والمثير أنه احتضن التحول بحماسة وعلانية وبأعلى صوت.
المغني الفلسطيني سانت ليفانت خلال مهرجان قرطاج الدولي في المسرح الروماني بقرطاج، تونس، 5 أغسطس 2025
واختصر حفل أقيم أخيرا المشهد كله بصورة تكاد تكون مثالية. قدم سان ليفانت حفلا في عمّان أمام جمهور لا يبدو أن الاقتصاد في الإنفاق من عاداته، إذ يتجاوز ثمن ست تذاكر الحد الأدنى للأجر الشهري. وامتلأت أرض خالية بأفراد من الفئة الأولى التي وصفناها، فيما صممت المنصة على هيئة عرس شعبي، بترتيبات زهور نمطية وديكور متعمد في ابتذاله، ضمن جمالية كان الجمهور نفسه سيجدها مضحكة في السابق. ومع ذلك، غنى ورقص بحماسة على أغنياته الشعبية.
وفي وقت لاحق من الليلة نفسها، ظهر الفنان في ملهى ليلي معروف بسياسة انتقائية صارمة، من النوع الذي لا يسمح عادة بدخول أبناء المشهد الشعبي الذي كان يحتفى به في تلك الليلة. ثم استضاف فنانا من ذلك الوسط، فردد الجمهور أغانيه أيضا. ويمكن القول بثقة إن هؤلاء أنفسهم ما كانوا، في أي ظرف آخر، ليقبلوا أن يراهم أحد وهم يستمعون إليه.
المغني المصري توليت.
توليت: جواز السفر الثقافي
وليس سان ليفانت الفنان الوحيد الذي تحقق أغنياته الشعبية رواجا لدى الفئة "المتغربة". فالفنان المصري "توليت" (محمد خفاجي) يسلك مسارا مشابها عبر موسيقى "بوب" ذات نبرة شعبية واضحة، مشبعة بأجواء المهرجانات والأعراس ولا تخجل منها. ولو صدرت هذه الموسيقى عن فنان مجهول، لرفضها الجمهور نفسه على الأرجح باعتبارها تفتقر إلى الجدية. غير أن توليت حظي بقبول حقيقي لدى هذه الفئة تحديدا.
وسجل الفنانان لاحقا أغنية مشتركة، في واقعة دالة بذاتها. فقد فتحت الفئة "المتغربة" بابا أمام لون موسيقي ظل طويلا موضع سخرية وازدراء. وما كانت تتعالى عليه في الأمس صار اليوم من موسيقاها المفضلة.
وهذا يطرح أسئلة عدة: لماذا فتحت الفئة "المتغربة" بابها فجأة أمام هذا اللون الآن؟ وهل أصبح مفتوحا أمام جميع المطربين الشعبيين؟ هل سنشهد حفلات تخرج المدارس الدولية وهي تشغل أغاني شعبان عبد الرحيم وحسن شاكوش وحمو بيكا؟ ولا، ليس المقصود هنا الفقرة "المضحكة"، وإنما الحفل كله.
فأي تفسير أقرب إلى الصواب؟ هناك تفسيرات يمكن الأخذ بها معا، ولا يلغي أحدها الآخر.
أبسطها ما يمكن تسميته "تأثير جواز السفر"، وهو قريب مما تسميه عالمة الاجتماع ميشيل لامون "العمل على الحدود الرمزية"، أي الطريقة التي ترسم بها الجماعات الاجتماعية الخطوط الأخلاقية والثقافية الفاصلة بين "نحن" و"هم"، ثم تدافع عنها.
الباب لم ينفتح فعليا أمام اللون كله، وإنما أمام عدد قليل من الأشخاص الذين كانوا يقفون أصلا على الجانب "الصحيح" من ذلك الحد الاجتماعي
فأعمال سان ليفانت المبكرة رسخته لدى جمهوره الأصلي فنانا يجيد لغتهم، ومن ثم واحدا "منهم" في الجوهر. وحين تترسخ هذه الثقة، يميل الجمهور إلى قراءة انتقاله لاحقا إلى أرض غير مألوفة كخيار فني لا كتبدل في الهوية. فقد حسم السؤال الأصعب سلفا، ولا يحتاج إلى طرحه مجددا.
أما الفنان الذي لا يملك ذلك الفصل السابق من مسيرته، فلا يحظى بالقدر نفسه من حسن الظن. فالصوت ذاته، إذا لم يختم جواز السفر أولا، لا يصل إلى الحدود مصرحا له بالعبور. وهذا يجيب عن سؤال حفلات التخرج: الباب لم ينفتح فعليا أمام اللون كله، وإنما أمام عدد قليل من الأشخاص الذين كانوا يقفون أصلا على الجانب "الصحيح" من ذلك الحد الاجتماعي، باستثناء الاستماع إليه على سبيل الهزل.
جمهور يلوح بالعلم الفلسطيني خلال حفل "معا من أجل فلسطين" في باريس، 9 ديسمبر 2025
من المتعالي إلى النهم ثقافيا
ثمة تحول أوسع في تعريف الذوق الرفيع، وصفه عالم الاجتماع ريتشارد بيترسون بالانتقال "من المتعالي إلى النهم ثقافيا". فعلى مدى فترة طويلة، كان الذوق الرفيع لدى هذه الفئات يعني تضييق دائرة ما يستطيع المرء الاعتراف علنا بأنه يحبه. أما اليوم، فأصبحت القدرة على التنقل بسهولة بين المصقول والخشن، وبين المستورد والمحلي، استعراضا للمكانة في حد ذاتها. فمن يشعر بالأمان حيال موقعه الاجتماعي لا يحتاج إلى حمايته بمراقبة ما يعتبره دونه. ومن المفارقات أن إعلان الاستمتاع "بكل شيء" يصبح أسهل لمن لا يحتاج إلى إثبات شيء لأحد.
ويؤدي الإطار الذي تقدم فيه الموسيقى دورا حاسما أيضا. فما يسميه علماء الأنثروبولوجيا أحيانا "الفلكلرة" يصف إعادة تقويم الثقافة الشعبية لفئة ما باعتبارها "تراثا" أو "جذورا" حين يصبح القائمون على هذه العملية بعيدين عنها بما يكفي كي تكف عن تهديد مكانتهم. وغالبا ما يقودها متعلمون، أو أبناء الشتات، أو أصحاب الامتياز داخل المجتمع نفسه، لأنهم يملكون من الرأسمال الثقافي ما يكفي لترسيخ هذه القراءة الجديدة.
وحين يغني سان ليفانت مادة قريبة من الدبكة أو الموسيقى الشعبية، يمكن استقبالها باعتبارها تراثا ومقاومة وجذورا، أي شيئا نبيلا وجديرا بالاحتضان. أما حين يؤديها شخص ينتمي فعليا إلى البيئة التي خرجت منها، من دون سردية موازية تحيط به، فإنها تظل في نظر الفئة الأولى موسيقى أعراس، أو موسيقى "شوارعية". النغمات واحدة، لكن الإطار مختلف، ومن يسمح له بصوغ هذا الإطار يحدد إلى حد بعيد طريقة استقبالها.
المغني المصري توليت
تضيف حالة توليت عنصرا آخر. فهو يظهر خلف قناع ويستخدم اسما فنيا، حاجبا هويته الشخصية، انطلاقا من فكرة تقول إن على الجمهور أن يسمع الصوت قبل أن يصنف صاحبه. وفي غياب الهوية، تختفي معظم الإشارات التي يعتمد عليها الجمهور، غالبا من دون وعي، لوضع المؤدي في خانة اجتماعية أو ثقافية قبل أن تبلغ النغمة الأولى أذنه. ويبقى الحكم أقرب إلى الصوت نفسه، وإلى الثقة التي تمنحها الارتباطات المحيطة بالفنان، ومنها في حالة توليت تعاونه العلني مع فنان كان الجمهور يحبه أصلا.
ما هو جميل هو جيد
ثم هناك "الهالة"، والكلمة هنا ليست مجازا فقط. فقد درس علماء النفس هذه الظاهرة منذ أن وصف إدوارد ثورندايك "تأثير الهالة" عام 1920: ميل الإنسان إلى السماح لانطباع قوي واحد عن شخص ما، حتى لو تعلق بالمظهر أو الملابس أو تسريحة الشعر، بالتأثير في حكمه على بقية صفاته.
سانت ليفانت وتوليت يطلقان أول أغنية مشتركة لهما
وتعرف صورة محددة من هذه الظاهرة باسم "ما هو جميل هو جيد"، استنادا إلى دراسة شهيرة أجرتها كارين ديون وإلين بيرشيد وإلين وولستر عام 1972. وهي تكشف نمطا اجتماعيا مألوفا ومربكا: قد يبدو السلوك نفسه جذابا إذا صدر عن شخص يراه الجمهور وسيما أو محببا، ثم يبدو مريبا أو أسوأ إذا صدر عن شخص لا يتمتع بالجاذبية نفسها.
في غياب الهوية، تختفي معظم الإشارات التي يعتمد عليها الجمهور، غالبا من دون وعي، لوضع المؤدي في خانة اجتماعية أو ثقافية قبل أن تبلغ النغمة الأولى أذنه
لتوضيح الفكرة، أستعيد على مضض ذلك "الميم" غير المنضبط سياسيا الذي يصور اقتراب الرجل الوسيم من امرأة على أنه مغازلة، فيما يوصف الفعل نفسه من رجل غير جذاب بأنه سلوك مريب. والانحياز النفسي نفسه يجعلنا نرى الفراشة جميلة وجديرة بالحديقة، بينما نحكم على العثة بحياة من الفرار من مضارب الحشرات.
ومن المعقول أن تؤدي هالة سان ليفانت جزءا من هذا الدور، فتمد إليه قدرا من حسن النية وتمنحه حرية تجاوز قاعدة ذوقية ربما لا يحظى بها فنان أقل جاذبية وحضورا. ولا يكفي ذلك لتفسير الظاهرة كلها، لأن توليت لقي استقبالا مشابها من دون أن يظهر وجهه. لكنه يظل عاملا مضخما لدى الفنانين الذين يرى الجمهور وجوههم ويتفاعل معها، ويساعد في تفسير لماذا بدا الاستقبال أقرب إلى العشق منه إلى مجرد التسامح.
أما سبب انتقال سان ليفانت إلى هذا اللون الموسيقي، فربما يحتمل أكثر من إجابة صادقة. هناك البعد المتصل بالهوية. فقد نشأ بين ثقافات ولغات عدة، وربما شعر بالحاجة إلى إثبات تجذره بدلا من الاكتفاء بإعلانه، وكان التوجه نحو الأصوات التقليدية جوابا طبيعيا. وهناك أيضا حسابات المسيرة المهنية. فالتشابه مع الجميع لم يعد كافيا، بينما يمنح الصوت المميز الذي يضع التراث في الواجهة صاحبه ميزة تنافسية حقيقية. ونادرا ما تنفصل النية الصادقة والاستراتيجيا المهنية بالوضوح الذي نحب أن نتخيله.
أبعاد سياسية
ثم يأتي البعد السياسي. فليس غريبا أن يروج فنان فلسطيني للتراث الفلسطيني في وقت بات فيه تأكيد وجود هذا التراث أكثر إلحاحا. ولا يلغي أي من هذه التفسيرات الآخر، ولا سبب يدعونا إلى استبعاد أن يكون أقلها سخاء هو الصحيح. غير أن البعد السياسي هو الأكثر إثارة للجدال، وقد خرج هذا الجدال أخيرا إلى العلن.
ففي أوائل أغسطس/آب 2026، أصدر مغني "الراب" الفلسطيني شبجديد (عدي عباس)، الذي تدور أعماله حول تفاصيل الحياة اليومية تحت الاحتلال في الضفة الغربية أكثر من سعيها إلى الانتشار العالمي، أغنية هجائية استهدفت سان ليفانت مباشرة، بالتزامن مع تضارب في مواعيد حفليهما في عمّان. وتساءلت الأغنية عما إذا كان سجل سان ليفانت المصقول دوليا، وشراكاته مع دور الأزياء، ومشاريعه التي تمتد بعيدا من القضية الفلسطينية، ينسجم مع الدور السياسي المتوقع منه باعتباره أحد أبرز الفنانين الفلسطينيين عالميا. وفي جوهرها، اتهمته بالتعامل مع الهوية الفلسطينية كجمالية فنية أكثر منها التزاما، أو باستغلالها وإساءة استخدامها لتحقيق مكاسب شخصية أنانية.
مغني الراب الفلسطيني شبجديد
وهذا اتهام جدي، وطرحه ليس بلا وجاهة. غير أن الخطر يكمن في تحوله إلى "اختبار نقاء" يفرض على كل فنان فلسطيني ذي حضور عالمي أن يستعرض الألم والمقاومة باستمرار حتى يثبت صدق انتمائه، فيما تهمش علاقة أكثر كوزموبوليتانية بالهوية صاغتها تجربة الشتات.
ولا يبدو أي من طرفي الجدل محقا بصورة قاطعة، وليس هذا المقال المكان المناسب لحسمه. لكن من الضروري الإشارة إليه، لأنه يشكل الخلفية الراهنة للتحول نحو الموسيقى الشعبية: هل توجد طريقة واحدة فقط لتمثيل التراث؟ وهل يصبح كل من يروج له عرضة للاتهام بالانتفاع منه وإساءة استخدامه إلى أن تثبت براءته عبر اختبار نقاء مصطنع، تتدرج درجاته من المتصنع إلى المناضل المثالي؟
ومهما كان مزيج الدوافع، وأيا تكن سوسيولوجيا الجمهور الذي يصفق لهذا التحول، فإن إيصال تقاليد موسيقية محلية عميقة، ظلت مهمشة وخارج دائرة الموضة، إلى جمهور أمضى سنوات في ازدرائها يبقى إنجازا حقيقيا. والحقيقة أن عددا أكبر من "المتغربين" يستمعون اليوم بحماسة صادقة إلى الشعبي والمهرجانات مقارنة بما كان عليه الحال قبل خمسة أعوام، ولا يمكن تجاهل ذلك.
رولا دلول تعلم أطفالا فلسطينيين نازحين الموسيقى والغناء بين خيام مأوى في مدينة غزة، 31 مارس 2026
موسيقى الشعب؟
بعد كل هذه التخمينات حول الدوافع والتفسيرات والنيات، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها وأخرى يصعب الارتياح إليها: أن يقام حفل مستوحى من جمالية العرس الشعبي، فيما تتجاوز أسعار تذاكره بكثير ما يستطيع معظم أبناء تلك البيئة دفعه، هو تكريم من نوع غريب، أقرب إلى زيارة ثقافة منه إلى الانتماء إليها. وهذا نموذج حديث لما سماه الكاتب توم وولف "الراديكالية الأنيقة"، أي قدرة النخبة المترفة على تحويل قربها من قضية أو ثقافة أو طبقة لا تنتمي إليها إلى نوع من الاستعراض الاجتماعي، تمارسه أمام أفرادها بقدر ما تمارسه أمام الآخرين.
الجمهور الذي أمضى المساء يغني مع "موسيقى الشعب" في حفل لا يستطيع "الشعب" نفسه تحمل تكلفته، لم يغير موقفه منها في الضرورة
فالجمهور الذي أمضى المساء يغني مع "موسيقى الشعب" في حفل لا يستطيع "الشعب" نفسه تحمل تكلفته، لم يغير موقفه منها في الضرورة. الأرجح أنه وجد مناسبة واحدة منتقاة بعناية، ومحكومة بحدود آمنة، تسمح له بالاستمتاع بها واستعراض ذلك أمام أقرانه. وفي الختام، أدعو القراء إلى التفكير في اختياراتهم الثقافية. هل كلها حقيقية؟ أم أن بعضها تمليه الدائرة الاجتماعية والمكانة التي نريد أن يرانا الآخرون من خلالها؟ وهل نفورنا من أشياء بعينها أصيل، أم أنه تحيز متنكر؟
نحن نستهلك في العلن ما يدعم المكانة التي نرغب في إظهارها، ثم نطلق لأنفسنا العنان ليلا، في أمان الخصوصية، فنستمتع بما نحبه حقا. تماما كأن تطلب سلطة، أو حساء الطماطم، في موعد عاطفي مهم، ثم تعود إلى المنزل لتلتهم وجبة شاورما ثلاثية.