يدخل الشرق الأوسط حقبة أمنية جديدة. فعلى مدى عقود، استند النظام الإقليمي إلى منظومة مألوفة، حيث توفر الولايات المتحدة مظلة أمنية واسعة، فيما تحافظ إسرائيل على تفوقها النوعي، وتمد إيران نفوذها عبر الأسلحة بعيدة المدى والقوى الوكيلة، بينما تعتمد دول عربية أخرى على واشنطن لتعويض جوانب القصور في قدراتها العسكرية. ولئن لم يكن هذا النظام مستقرا تماما، فإنه صمد في غياب أزمات كبرى، ولأن أحدا لم يدفع جديا نحو إقامة بديل عنه.
أما اليوم، فقد أخذت هذه الصيغة تتصدع تدريجيا. وكشفت الحروب التي اجتاحت المنطقة منذ الهجوم الإرهابي الذي شنته "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حدود هذا الإطار، ودفعت دول المنطقة إلى إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها أمنها. وفي مكانه، تتشكل بنية أمنية متعددة الطبقات، تجمع بين التحالفات التقليدية، والائتلافات الأصغر، والترتيبات الدفاعية الثنائية، والشراكات الاقتصادية، والقدرات العسكرية المحلية، والدبلوماسية مع خصوم سابقين. وفي صميم هذا التحول يتنامى إحجام دول المنطقة عن إيداع أمنها بالكامل في يد قوة خارجية واحدة.
ولا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية الخارجية المهيمنة في الشرق الأوسط. فمن الصعب مجاراة شبكة قواعدها، وقدراتها الاستخباراتية، ومنظومات دفاعها الصاروخي، وحضورها البحري، وامتدادها اللوجستي. كما تواصل دول الخليج اعتمادها بدرجة كبيرة على الأسلحة الأميركية والتعاون الأمني مع واشنطن.
غير أن الاعتماد لم يعد مرادفا للثقة. فقد زادت الحرب مع إيران من وعي دول الخليج بالمخاطر الكامنة في الارتباط الوثيق بالموقف العسكري الأميركي، وأظهرت أن الدول التي تستضيف قوات أميركية قد تصبح أهدافا حتى عندما لا تسعى إلى المواجهة. والقول إن العواصم الخليجية تنتهج سياسة تحوط فيه قدر من الحقيقة، وإن كان يجري تضخيمه أحيانا. فجميعها تسعى إلى الحفاظ على علاقتها بالولايات المتحدة، ولا تزال تعتمد عليها في أمنها أكثر من اعتمادها على أي شريك آخر. وفي الوقت نفسه، تدعم هذا الاعتماد بشراكات إقليمية وسياسة تقوم على التفاهم واحتواء التوتر مع طهران.

وتقدم السعودية المثال الأوضح على هذا التحول. فالرياض تسعى إلى تنويع خياراتها مع الحفاظ على علاقتها بواشنطن. وهي تظل حريصة على استمرار الدعم الأميركي، بالتوازي مع تعميق روابطها مع تركيا وباكستان ومصر وقوى إقليمية أخرى. وتكتسب اتفاقية الدفاع السعودية-التركية الباكستانية الأخيرة أهميتها من أنها تضيف طبقات جديدة من الردع تتجاوز الضمانة الأميركية. وتشمل هذه الترتيبات التنسيق السياسي والعسكري، والتدريبات المشتركة، والتعاون في الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية. وستحتاج إلى وقت كي تنضج، إلا أن عزم الرياض وأنقرة وإسلام آباد على بناء روابط دفاعية وأمنية أقوى يبدو جديا وذا مصداقية.
ولا يشير هذا التطور إلى ولادة "ناتو شرق أوسطي". فالمنطقة أشد انقساما، وتصورات دولها للتهديدات أكثر تباينا من أن تتيح قيام مثل هذا الترتيب. ولكل من السعودية والإمارات وقطر وعمان ومصر وتركيا وباكستان علاقات مختلفة مع إيران والولايات المتحدة ومع بعضها بعضا. لذلك سيظل التعاون انتقائيا. وقد تتعاون الدول في ساحة، وتتنافس في أخرى، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات الحوار مع خصومها. والنتيجة مقاربة أمنية تقوم على تنويع الشراكات وتوزيع الاعتماد بينها.


