مندوب باكستان لدى الأمم المتحدة لـ "المجلة": "اتفاق مكة" للردع... ولا حل عسكريا بين واشنطن وطهران

مقابلة حصرية لـ "المجلة"

رويترز
رويترز
السفير الباكستاني والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة، عاصم افتخار أحمد، يحضر اجتماعًا لمجلس الأمن الدولي بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وذلك في نيويورك، في 28 فبراير 2026

مندوب باكستان لدى الأمم المتحدة لـ "المجلة": "اتفاق مكة" للردع... ولا حل عسكريا بين واشنطن وطهران

تزامنت عضوية باكستان لعامين في مجلس الأمن مع واحدة من أكثر المراحل اضطرابا في تاريخ المنطقة الحديث، ومع حراك دبلوماسي باكستاني لافت وغير مألوف.

قدمت إسلام آباد نفسها قناة للتواصل بين واشنطن وطهران، واستضافت محادثات يقول مسؤولون باكستانيون إنها كانت أول لقاء مباشر وجها لوجه بين الحكومتين منذ أكثر من أربعة عقود.

وأفضت تلك الاتصالات إلى وقف لإطلاق النار، ثم إلى الوثيقة الإطارية التي باتت تعرف باسم "مذكرة تفاهم إسلام آباد". غير أن تجدد القتال وضع الاتفاق أمام اختبار صعب، فيما لا تزال قضية مضيق هرمز عالقة.

وفي الوقت نفسه، وسّعت باكستان نطاق التزاماتها الأمنية في العالم العربي. وأثار الاتفاق الثلاثي الموقّع في مكة مع السعودية وتركيا، والمستند إلى اتفاق الدفاع المشترك الذي أبرمته إسلام آباد مع الرياض العام الماضي، تساؤلات في عدد من العواصم حول نطاقه والجهات التي يستهدفها.

وكان السفير عاصم افتخار أحمد، المندوب الدائم لباكستان لدى الأمم المتحدة، من أبرز الوجوه العلنية لهذا التحرك الدبلوماسي. وفي حديث حصري إلى "المجلة"، يوضح لماذا ترى إسلام آباد أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن حسمها عسكريا، ولماذا يمتنع عن التكهن بمستقبل مضيق هرمز، ولماذا يؤكد أن "اتفاق مكة" دفاعي الطابع ولا يستهدف أي دولة ثالثة.

* دعني أبدأ بآخر التطورات بين الولايات المتحدة وإيران، وبالدور الذي تلعبه باكستان في إنهاء هذه الحرب. هل نحن أمام اختراق قريب أم أمام مزيد من التصعيد؟

- تبدأ بسؤال صعب، غير أن الإجابة بالنسبة إلي واضحة. كان التصعيد في المنطقة مصدر قلق بالغ، سواء لدول الجوار المباشر أو للمجتمع الدولي بأسره. تأثرت باكستان، كما تأثرت دول كثيرة في المنطقة، وكانت لدى جميع دول الخليج الشقيقة مخاوف جدية. كان الجميع يبحث عن سبيل لمعالجة الأزمة، وتولت القيادة الباكستانية هذه المسؤولية في محاولة لإنهاء النزاع سلميا واستعادة السلام والاستقرار.

شهدت إسلام آباد أول تواصل مباشر وجها لوجه بين الولايات المتحدة وإيران منذ أكثر من أربعة عقود، وكان ذلك تطورا غير مسبوق. واستمرت العملية إلى أن توجت بتوقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد"

وفي هذا السياق، أدت باكستان دورها. فنحن من الدول القليلة التي تحظى بهذا القدر من الثقة لدى الطرفين، الولايات المتحدة وإيران، وبالمقبولية اللازمة لتيسير الحوار بينهما. وأعتقد أننا نجحنا في ذلك إلى حد كبير.

جاء أول وقف لإطلاق النار عبر باكستان. ثم شهدت إسلام آباد أول تواصل مباشر وجها لوجه بين الولايات المتحدة وإيران منذ أكثر من أربعة عقود، وكان ذلك تطورا غير مسبوق. واستمرت العملية إلى أن توجت بتوقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد".

وأشير إلى هذه النقطة لأن المذكرة توفر الإطار الأساسي الذي يمكن من خلاله التفاوض بشأن القضايا الجوهرية وصولا إلى تسوية نهائية وشاملة. ومن هنا تنبع أهميتها، وهي أهمية لا تزال قائمة. ومن مصلحة جميع الأطراف العودة إلى طاولة المفاوضات، واتخاذ "مذكرة تفاهم إسلام آباد" أساسا لها، والانخراط في مناقشة جميع العناصر الرئيسة الواردة فيها. فالإطار موجود، ويمكن العمل من خلاله للتوصل إلى تسوية شاملة تفضي إلى سلام واستقرار دائمين في المنطقة.

* من بين هذه القضايا الرئيسة، يبرز ملف إعادة فتح مضيق هرمز. هل تعتقد أن إيران ستدرج المضيق ضمن محادثاتها مع الولايات المتحدة، أم ستفضل إبقاءه في مسار منفصل عبر قنوات ثنائية مع عمان أو قطر؟

- بما أننا نتولى تيسير هذه العملية والوساطة فيها، فلا أرى أنه من المناسب أن أتكهن بما قد ترغب إيران في فعله أو عدم فعله، أو بكيفية رد الولايات المتحدة على أي مقترح أو طرح محدد. ونحن ندرك كذلك مواقف دول الخليج الشقيقة.

الولايلت المتحدة وإيران تفاوضتا، في إطار عملية يسرتها باكستان وتولت الوساطة فيها، وتوصلتا إلى اتفاق هو "مذكرة تفاهم إسلام آباد". وجميع النقاط المهمة واردة في ذلك الاتفاق


أما موقف باكستان فواضح للغاية: نريد أمناً بحرياً وحرية للملاحة وفقا للقانون الدولي. ولدينا موقف وطني واضح بشأن الممرات البحرية، بما فيها مضيق هرمز، وكذلك البحر الأحمر وسائر الممرات البحرية في العالم.

المهم أن الطرفين تفاوضا، في إطار عملية يسرتها باكستان وتولت الوساطة فيها، وتوصلا بنفسيهما إلى اتفاق هو "مذكرة تفاهم إسلام آباد". وجميع النقاط المهمة واردة في ذلك الاتفاق، والطرفان يعلمان ما اتفقا عليه. أما التحدي الآن فهو التنفيذ.

كل ما شهدناه، قبل الحرب وأثناءها وبعد توقيع المذكرة وتجدد الهجمات، عزز قناعتنا بأنه لا حل عسكريا لهذه الأزمة. والطريق الوحيد القابل للاستمرار على المدى الطويل يمر عبر المفاوضات، وقد وفرت "مذكرة تفاهم إسلام آباد" الإطار اللازم لذلك. وهذا ما واصلنا التأكيد عليه في اتصالاتنا مع الطرفين، ومع أصدقائنا في الخليج، ومع شركاء آخرين.

* أنت أحد الوجوه البارزة للدبلوماسية الباكستانية في هذه المرحلة. تستطيع باكستان أن ترفع الهاتف وتتحدث مع بكين وطهران والرياض وواشنطن. ما سر هذا النجاح؟

- أشكرك على كلماتك الطيبة. هناك عدة عوامل. أولها علاقاتنا التاريخية والراسخة مع جميع دول المنطقة، وهذه ليست أمرا جديدا. لدينا روابط عميقة مع إخوتنا في الخليج، ومع إيران، وكذلك مع الولايات المتحدة.

أما العامل الثاني فيتعلق بالموقف الموضوعي الذي اتخذته باكستان منذ بداية هذه الأزمة، وهو موقف يستند إلى مبادئ واضحة. أولها عدم جواز استخدام القوة على نحو يتعارض مع مقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه. والثاني أن أفضل سبيل لمعالجة أي قضية تمس السلم والأمن يمر عبر الحوار والوساطة والتسوية السلمية. وباكستان شديدة التمسك بمبدأ التسوية السلمية للنزاعات.

وعندما اندلع الصراع، توجهت الأنظار إلى الأمم المتحدة، وإلى منظمات أخرى، وإلى دول بعينها. وفي تلك اللحظة تحديدا، بدا أن باكستان تملك فهما تاريخيا عميقا للأطراف ولدول المنطقة وسياقاتها، إلى جانب شبكة واسعة من العلاقات وقنوات الاتصال. والأهم أنها كانت تحظى بهذا المستوى من الثقة لدى كل من إيران والولايات المتحدة، مع وجود قنوات اتصال تصل إلى أعلى مستويات صنع القرار في البلدين.

كانت دبلوماسية نشطة، وفي الوقت نفسه هادئة وشديدة التكتم، تمارس بعيدا عن أضواء الإعلام. وقد فرضت طبيعة الموقف ذلك، كما فرضته مسؤوليتنا كطرف ميسر ووسيط.

"اتفاق مكة" بالغ الأهمية، بل يمثل تطورا تاريخيا كبيرا. فهو يعكس تطلعات مشتركة ورؤية متقاربة لدى ثلاث دول شديدة الأهمية في العالم الإسلامي حيال أوضاع المنطقة

ثم إن باكستان لم تتحرك منفردة. لدينا دائرة من الأصدقاء المقربين، وقد نسقنا بصورة وثيقة جدا مع السعودية على وجه الخصوص، وكذلك مع مصر وتركيا. كما نسقنا مواقفنا وظللنا على تواصل منتظم مع أصدقائنا الصينيين. وستذكر أن باكستان والصين أعلنتا "مبادرة النقاط الخمس". ونحن أعضاء أيضا في مجلس الأمن، ونتعامل بمسؤولية كبيرة مع النقاشات الدائرة فيه.

* دعني أنتقل إلى الاتفاق الذي وقع أخيرا في مكة بالسعودية. هل تعتقد أنه قد يتوسع ليشمل قوى جيوسياسية أخرى؟

- هذا الاتفاق محطة تاريخية في العلاقات بين باكستان والسعودية وتركيا. فهو يستند إلى الاتفاق الثنائي الذي أبرم بين باكستان والسعودية العام الماضي، ويستمد أهميته كذلك من التطلعات المشتركة والتفاهم الثقافي والديني العميق الجذور، ومن العلاقات التاريخية والاحترام العميق الذي تكنه شعوب الدول الثلاث بعضها لبعض. ويحمل الشعب الباكستاني مشاعر قوية من التقدير والاحترام تجاه شعب السعودية وأرضها.

وقد تطورت هذه المشاعر اليوم إلى علاقة استراتيجية وثيقة جدا بين دولنا الثلاث. لذلك أقول إن "اتفاق مكة" بالغ الأهمية، بل يمثل تطورا تاريخيا كبيرا. فهو يعكس تطلعات مشتركة ورؤية متقاربة لدى ثلاث دول شديدة الأهمية في العالم الإسلامي حيال أوضاع المنطقة، والتطورات التي تشهدها، والدور الذي يمكننا أن نؤديه، كدول مسؤولة وكأصدقاء، من أجل ضمان السلام والاستقرار.

 واس
ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب اردوغان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف بعد توقيع اتفاقيه_مكة_للدفاع_المشترك في الديوان الملكي في قصر الصفا في مكة المكرمة في 7 آغسطس 2026

ولهذا أوضحت دولنا الثلاث وقياداتها أن الاتفاق دفاعي الطابع. والغرض منه ردع العدوان وعدم الاستقرار، وهو لا يستهدف أي دولة ثالثة. أما هدفه العام فهو تعزيز التعاون بين دولنا الثلاث ورفع مستوى الجاهزية، بما يساعد على ضمان استقرار منطقتنا وأمنها، ويوفر مستوى من التعاون يكفل السلام والاستقرار على المدى الطويل.

نجحت باكستان في الحفاظ على علاقات ودية وتعاونية مع الدول الشقيقة، بما فيها إيران والسعودية في آن واحد

* ماذا عن علاقات باكستان مع إيران؟ هل يمكن أن تعقد "اتفاق مكة"، أم ربما تسهم في دعمه؟

- كما أوضحت، نجحت باكستان في الحفاظ على علاقات ودية وتعاونية مع الدول الشقيقة، بما فيها إيران والسعودية في آن واحد. لذلك لا أرى أي تعقيد، ولا أعتقد أن ثمة ما يدعو إلى القلق في هذا الشأن.

وقد اطلعتم بالتأكيد على تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، وكان واضحا تماما. فإيران، من جانبها، لا ترى أي إشكال في "اتفاق مكة". وأعتقد أن الاتفاق ينبغي أن يكون تطورا موضع ترحيب لديها أيضا.

* سؤالي الأخير، وأشكرك على وقتك، يتعلق بالعلاقات بين باكستان والولايات المتحدة في عهد الرئيس ترمب. ما الإشارات التي قد توجهها باكستان إلى القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الهند؟

- لست متأكدا تماما مما يقف وراء هذا السؤال، غير أن موقف باكستان كان واضحا دائما في ما يتعلق بعلاقاتنا مع القوى الكبرى، بما فيها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، والولايات المتحدة واحدة منها بطبيعة الحال. نهجنا يقوم دائما على إقامة علاقات موضوعية وواسعة ومتبادلة المنفعة مع القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وسائر الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. هذا هو النهج الذي اتبعناه على مدى سنوات، ولا يزال يشكل أساس سياستنا.

وعلاقتنا مع الولايات المتحدة تتقدم وتتطور على هذا الأساس، فهي علاقة واسعة وموضوعية ومتبادلة المنفعة. لدينا تعاون في مجالي الأمن والدفاع، والولايات المتحدة شريك مهم في التجارة والاستثمار. كما عملنا معا بصورة وثيقة في مجلس الأمن. ومن جانبها، أتيحت لباكستان فرصة الإسهام بطريقتها في دعم السلام والاستقرار في المنطقة من خلال تيسير المسار بين الولايات المتحدة وإيران، الذي أفضى إلى وقف إطلاق النار وإلى "مذكرة تفاهم إسلام آباد".

باكستان، إلى جانب السعودية وعدد من الدول العربية والإسلامية، دعمت العام الماضي الخطة الشاملة التي طرحها الرئيس ترمب بشأن غزة. وكان ذلك تطوراً مهماً، لأن الوضع في غزة كان قد بلغ حدا لا يحتمل

وهذه العلاقة تسير في الاتجاهين. ولعلكم تذكرون أنه عندما تعرضنا لعدوان من جارنا الشرقي في مايو/أيار الماضي، واجهناه بمفردنا، وتمكنا من الدفاع عن أنفسنا وردع ذلك العدوان بنجاح. وانتهى الصراع، الذي استمر أربعة أيام، بوقف لإطلاق النار أسهم الرئيس ترمب في تيسيره بدور نقدره له، وقد أقررنا بذلك.

وأود أن أذكر أيضا أن باكستان، إلى جانب السعودية وعدد من الدول العربية والإسلامية، دعمت العام الماضي الخطة الشاملة التي طرحها الرئيس ترمب بشأن غزة. وكان ذلك تطوراً مهماً، لأن الوضع في غزة كان قد بلغ حدا لا يحتمل. وقد أسهم دعم تلك الخطة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وفتح أفقا أمام قيام دولة فلسطينية وتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو أمر بالغ الأهمية أيضا. وهكذا أسهمنا نحن أيضا في تحقيق هذا الهدف.

وبالعودة إلى سؤالك بشأن باكستان والولايات المتحدة، فقد اطلعتم بالتأكيد على التصريح المهم الذي رحب فيه الرئيس ترمب بقوة بـ"اتفاق مكة". ولهذا الموقف دلالة كبيرة، لأنه يوضح الصورة أمام الدول التي قد تتساءل عما يعنيه هذا الاتفاق بالنسبة إلى أطراف أخرى. وقد أسهم تصريح الرئيس ترمب نفسه في توضيح هذه المسألة، وكان ترحيبه بالاتفاق أمرا إيجابيا.

نهجنا يظل شاملا ومنفتحا. ونحن ندرك أن دولا أخرى في المنطقة تتابع هذه التطورات باهتمام كبير، فيما تتواصل المشاورات. كما نحافظ على اتصال مستمر مع الدول الصديقة والمتقاربة معنا في الرؤية، لبحث أفضل السبل للمضي قدما استنادا إلى الاتفاق الذي توصلت إليه باكستان وتركيا والسعودية.

font change

مقالات ذات صلة