باكستان والبحر الأحمر... نهاية سياسة التحوط

الوفاء بالالتزامات وحماية المصالح

(رويترز)
(رويترز)
بحار باكستاني على متن سفينة للبحرية الباكستانية ترافق سفينة تجارية ضمن عملية أمن بحري تحمل اسم "محافظ البحر"، وسط توترات إقليمية تهدد طرقا بحرية رئيسة في الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، موقع غير محدد، 9 مارس 2026

باكستان والبحر الأحمر... نهاية سياسة التحوط

يتجاوز التحذير الباكستاني الأخير بشأن التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر حدود البيان الدبلوماسي المعتاد، إذ قد يكون مؤشرا إلى نهاية الغموض الاستراتيجي الذي اتسمت به سياسة إسلام آباد طويلا تجاه صراعات الشرق الأوسط.

وفي بيان شديد اللهجة صدر الأربعاء الماضي، أدانت باكستان حركة الحوثيين اليمنية المتحالفة مع إيران بسبب تهديدها السعودية والملاحة التجارية، محذرة من أن إسلام آباد "تحتفظ بحق الدفاع عن النفس" إذا تعرضت مصالحها البحرية للاستهداف. ووصفت وزارة الخارجية هذه التهديدات بأنها "غير مقبولة" ومخالفة للقانون الدولي، في إشارة نادرة إلى استعداد باكستان لرسم خطوط حمراء علنية في ساحة إقليمية تزداد اضطرابا.

وجاء البيان بعد إعلان الحوثيين فرض حظر بحري فوري على السعودية، وهي خطوة قد تعرقل، في حال تنفيذها، الوصول إلى موانئ البحر الأحمر التي اكتسبت أهمية حيوية لصادرات النفط السعودية، في وقت تقيد فيه التوترات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وتعمل هذه التطورات مجتمعة على تحويل البحر الأحمر بسرعة من ساحة هامشية إلى جبهة مركزية في الأزمة الأمنية الأوسع التي يشهدها الشرق الأوسط. وتحمل هذه التطورات تداعيات عميقة على باكستان.

فاعل أمني

سعت إسلام آباد، طوال معظم العقد الماضي، إلى ترسيخ موقعها وسيطا محايدا في الخصومات الإقليمية، مع الحفاظ على علاقات عمل مع إيران وتعميق روابطها الأمنية والاقتصادية مع السعودية وغيرها من دول الخليج. ويواجه هذا التوازن اليوم ضغوطا غير مسبوقة.

ومع تصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة، يدرس صناع القرار في واشنطن ودول الخليج، بعيدا عن الأضواء، إمكان اضطلاع باكستان بدور أكثر نشاطا في حماية الممرات البحرية عبر مضيق باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق في طرق إمداد الطاقة العالمية. وتشير تقارير إلى أن المناقشات تناولت تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق البحري، وتقديم الدعم اللوجستي لحماية خطوط الملاحة التجارية.

ويوحي البيان الباكستاني الأخير بأن إسلام آباد قد تكون بصدد إعادة ضبط تموضعها. وقال محلل أمني بارز مقيم في إسلام آباد: "للغة المستخدمة دلالة مهمة، فهي تعكس القلق والاستعداد معا. وترسل باكستان إشارة إلى استعدادها للدفاع عن مصالحها ومصالح شركائها عند الضرورة".

يتطلب أي انتشار خارجي، لاسيما في بيئة بحرية معقدة كالبحر الأحمر، ترتيبا دقيقا للأولويات، غير أن باكستان قد تذهب لأبعد الحدود حين يتعلق الأمر بتهديدات تستهدف السعودية

وتقع السعودية في صميم عملية إعادة التقييم هذه، فالسعودية شريك استراتيجي لباكستان، وكثيرا ما يصفها المسؤولون الباكستانيون بأنها "دولة شقيقة". وتستند العلاقة بين البلدين إلى عقود من التعاون العسكري والدعم الاقتصادي والتوافق السياسي، لذلك يحمل أي تهديد متواصل للشرايين الاقتصادية السعودية، ولاسيما صادرات الطاقة، تداعيات مباشرة على الاستقرار الاقتصادي لباكستان ومكانتها الإقليمية.

ويقر مسؤولون دبلوماسيون وعسكريون في إسلام آباد، في أحاديث خاصة، بأن التهديدات التي تواجه الطرق البحرية السعودية باتت تندرج ضمن منظور أمني أوسع يتقاطع مع المصالح الوطنية الباكستانية.

وقال مسؤول دفاعي رفيع سابق: "لا تستطيع باكستان التزام اللامبالاة إذا تعرضت الشرايين الاقتصادية لأقرب شركائها الإقليميين للاستهداف. هناك عتبة يصبح الحياد بعدها غير قابل للاستمرار".

ويرى بعض المحللين أن باكستان ربما تقترب من تلك العتبة.

إشارة نادرة لخطوط حمراء

يثير أي نقاش حول الدور الباكستاني المحتمل في البحر الأحمر تساؤلات حتمية بشأن القدرات العسكرية للبلاد.

ويؤكد المخططون العسكريون الباكستانيون منذ سنوات أن بلادهم طورت القدرة العقائدية والعملياتية اللازمة لإدارة مسارح عمليات متعددة في وقت واحد. ويشير المسؤولون إلى خبرة القوات المسلحة في التعامل مع تحديات متزامنة، من الحفاظ على ردع تقليدي قوي على الحدود مع الهند إلى مواصلة عمليات مكافحة الإرهاب على الحدود الأفغانية.

ويرى بعض أوساط المؤسسة الدفاعية الباكستانية أن هذه الخبرة منحت البلاد قدرة أوسع على العمل عبر جبهات متعددة عند الضرورة. ووفقا لهذا التصور، تستطيع باكستان نظريا الحفاظ على وضعها الرادع شرقا في مواجهة الهند، مع المساهمة في جهود الأمن البحري في مناطق أبعد.

ويقدم محللون مستقلون تقييما أكثر حذرا.

وقال مستنصر عباس، المحلل في شؤون الدفاع والاستراتيجية والمقيم في إسلام آباد: "يتمتع الجيش الباكستاني بقدرات عالية، ويستطيع تنفيذ عمليات حاسمة ضد الحوثيين. ورغم انخراط قواته في جبهات داخلية متعددة، فإنها لا تزال تمتلك العزيمة والخبرة والموارد اللازمة للقضاء على التهديدات التي تستهدف السعودية".

وأضاف عباس، وهو محاضر في دراسات الدفاع والاستراتيجية في جامعة بحريا: "يتطلب أي انتشار خارجي، ولاسيما في بيئة بحرية معقدة كالبحر الأحمر، ترتيبا دقيقا للأولويات ووضوحا سياسيا بشأن الأهداف. غير أن باكستان قد تذهب إلى أبعد الحدود حين يتعلق الأمر بالتهديدات التي تستهدف السعودية".

(أ.ف.ب)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان متحدثا مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال اجتماعهما في جدة، في 15 أبريل 2026

وتعززت المصداقية العسكرية الباكستانية في السنوات الأخيرة، ولاسيما بعد أداء الجيش خلال أزمة عام 2025 مع الهند. وعلى الرغم من استمرار الروايات المتنافسة بشأن نتيجة الأزمة، فقد ساهمت تلك المواجهة في ترسيخ تصور لدى الشركاء الإقليميين بأن باكستان لا تزال قوة عسكرية منضبطة وسريعة الاستجابة، ويؤثر هذا التصور اليوم في توقعات دول الخليج.

القيد الإيراني

تشترك باكستان مع إيران في حدود طويلة وحساسة، كما تواجه الدولتان هواجس أمنية متداخلة، من نشاط الجماعات المسلحة عبر الحدود إلى التوترات الطائفية. وقد نظرت طهران تاريخيا بعين الريبة إلى توسع التعاون العسكري في الخليج، ولاسيما حين يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأطر أمنية تدعمها الولايات المتحدة.

أي مشاركة مؤثرة في ترتيبات أمن البحر الأحمر لمواجهة تهديدات الحوثيين قد تفسرها إيران اصطفافا ضد مصالحها الإقليمية، وطمسا للحد الفاصل بين الحياد والعسكرية 

وظهر هذا التوتر خلال الزيارة الأخيرة لوزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني إلى إسلام آباد، حيث أجرى محادثات رفيعة المستوى مع رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش المشير عاصم منير. وشددت البيانات الرسمية على التعاون وخفض التصعيد، غير أن توقيت الزيارة أشار إلى مخاوف أعمق لدى طهران من تطور الدور الباكستاني.

وتواجه إسلام آباد هنا تحديا دبلوماسيا وبنيويا في آن واحد، فأي مشاركة مؤثرة في ترتيبات أمن البحر الأحمر الرامية إلى مواجهة تهديدات الحوثيين قد تفسرها إيران على أنها اصطفاف ضد مصالحها الإقليمية. وقد يطمس حتى الدور الدفاعي المحدود الحد الفاصل بين الحياد والمشاركة في بنية أمنية أوسع مناهضة لإيران.

(أ.ف.ب)
علم إيراني يرفرف منكّسا عند معبر الحدود الباكستانية-الإيرانية في إقليم بلوشستان، بعد مقتل "المرشد الأعلى" الإيراني آية الله علي خامنئي في الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، في 1 مارس 2026

وقال افتخار كاظمي، الدبلوماسي الباكستاني السابق: "تستطيع باكستان نظريا تحديد دورها في نطاق ضيق. غير أن المنطقة لا تعمل عمليا وفق مثل هذه الفواصل الدقيقة، ومع ذلك، تمتلك باكستان القدرة على حماية مصالح السعودية، وعليها أن تفعل ذلك".

وأشار مسؤولون حكوميون في إسلام آباد، في حديث غير رسمي، إلى أن باكستان ربما تكون قد بدأت بالفعل تميل بصورة حاسمة نحو الرياض.

وقال مسؤول حكومي رفيع: "أبلغت إسلام آباد الرياض بأنها في حال تأهب، وأن إشارة خضراء واحدة ستكون كافية لنشر قوات في السعودية. وتدرك إيران والحوثيون ذلك بالفعل. وقد أوضح رئيس الوزراء الباكستاني والمشير عاصم منير أن باكستان قد تذهب إلى أبعد الحدود لتحييد أي تهديد يستهدف السعودية".

كما أعلنت تركيا وباكستان وبنغلاديش صراحة دعمها للمملكة العربية السعودية في مواجهة تهديدات الحوثيين، بما يعكس تشكل اصطفاف جديد بين عدد من الدول الرئيسة ذات الغالبية المسلمة. ويحمل تقارب باكستان، بوصفها قوة إسلامية مسلحة نوويا، مع تركيا، العضو الحديث والقادر عسكريا في حلف شمال الأطلسي، وبنغلاديش، رسالة استراتيجية أوسع مفادها أن الرياض ليست معزولة، بل تحظى بدعم دول إسلامية مؤثرة مستعدة لتحويل التأييد السياسي إلى تعاون أمني عند الضرورة. 

ولا تبدو هذه التصريحات مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي. فقد جدد المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الجمعة الماضي، تأكيد التحالف الدفاعي الاستراتيجي بين إسلام آباد والسعودية، في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرا إلى اتفاق أمني متبادل أبرم عام 2025 ويعد أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداء على كليهما.

وشدد المتحدث على التزام باكستان، من دون الكشف عن تفاصيل عملياتية، مقدما العلاقة بين البلدين بوصفها شراكة مؤسسية راسخة في المجالين الدفاعي والاقتصادي. كما أيدت إسلام آباد الضربات الأخيرة التي شنتها الرياض في العراق، واعتبرتها دفاعا مشروعا عن النفس بموجب القانون الدولي، في وقت تسعى فيه إلى الحفاظ بالتوازي على دورها وسيطا في الأزمة الخليجية الآخذة في الاتساع وما يصاحبها من اضطرابات في حركة الملاحة البحرية.

حصار الجغرافيا الاقتصادية

إلى جانب الاعتبارات الجيوسياسية، تحرك الضرورة الاقتصادية حسابات باكستان.

وفي ظل الضغوط المستمرة على الاقتصاد الباكستاني وهشاشة أمن الطاقة، تملك إسلام آباد دوافع قوية لدعم استقرار طرق إمداد النفط العالمية. وتشكل الاضطرابات في باب المندب، ولاسيما عندما تتزامن مع عدم الاستقرار في مضيق هرمز، خطرا مباشرا على قدرة الاقتصاد الباكستاني على الصمود.

وفي الوقت نفسه، تسعى دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الأمنية، مما يتيح لباكستان فرصة تحويل التعاون العسكري إلى مكاسب اقتصادية وفي مجال الطاقة. وأصبحت المناقشات المتعلقة بتوسيع العلاقات الدفاعية تشمل على نحو متزايد تأمين إمدادات الطاقة، والاستثمار في البنية التحتية، وتقديم الدعم المالي.

ويدخل الدور الباكستاني المحتمل في أمن البحر الأحمر ضمن مسعى أوسع لمواءمة السياسة الخارجية مع متطلبات البقاء الاقتصادي.

وتتلاقى الضغوط الأمنية وتوقعات الحلفاء والحوافز الاقتصادية والتنافسات الإقليمية لتضيق بسرعة هامش المناورة المتاح لباكستان.

اضطرابات باب المندب وهرمز تهدد صمود الاقتصاد الباكستاني، وتنويع الخليج شراكاته الأمنية لباكستان يتيح تحويل التعاون العسكري لمكاسب اقتصادية

تمكنت إسلام آباد حتى الآن من الحفاظ على توازن دقيق، من خلال الانخراط الدبلوماسي مع إيران، ودعم الأطر الأمنية الخليجية، والحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة. غير أن اتساع مناطق الصراع البحري من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر يهدد بدمج هذه المسارات المتوازية في معضلة استراتيجية واحدة.

ويوحي البيان الباكستاني الأخير بأن البلاد بدأت ترسم حدودا أوضح لمصالحها، ولاسيما في ما يتعلق بحماية التجارة البحرية وأمن السعودية. ويبقى السؤال متعلقا بمدى استعداد إسلام آباد لترجمة هذه الحدود إلى خطوات عملية.

غموض استراتيجي يقترب من نهايته

تقف باكستان اليوم عند منعطف حاسم. وتستطيع مواصلة التركيز على الدبلوماسية والوساطة، والسعي إلى خفض التوترات وتجنب التورط المباشر. كما تستطيع التحرك تدريجيا أو بحزم نحو دور أكثر نشاطا في الأمن الإقليمي، مع توثيق اصطفافها مع شركائها الخليجيين لحماية الطرق البحرية المهددة.

(رويترز)
يظهر أحد طلاب الكلية البحرية الباكستانية خلال مراسم احتفالية بالذكرى الثانية والسبعين لاستقلال باكستان، عند ضريح محمد علي جناح في كراتشي، باكستان، في 14 أغسطس 2019

ويحمل كل مسار مجموعة من المخاطر. فالمشاركة الأعمق قد توتر العلاقات مع إيران وتعرض باكستان لتحديات أمنية جديدة. أما استمرار ضبط النفس فقد يضع مصداقيتها كشريك موثوق على المحك، في وقت تعيد فيه دول الخليج تقييم أوجه اعتمادها الأمني.

الواضح أن عصر الغموض المريح يقترب من نهايته. ومع تحول البحر الأحمر إلى جبهة جديدة في جغرافيا الشرق الأوسط السياسية، لم تعد باكستان مراقبا بعيدا. وهي تتجه إلى أن تصبح طرفا ذا وزن متزايد، سواء أرادت ذلك أم لم ترد.

font change

مقالات ذات صلة