مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني... فرنسا لن تسلم بلعب "دور ثانوي"

يبقى الفيتو الإسرائيلي هو السبب الأساسي في إزاحة فرنسا عن "اتفاق الإطار"

رويترز
رويترز
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعاهل الأردن الملك عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عون قبل اجتماع ثلاثي عشية افتتاح اجتماع "عملية العقبة" لدعم القوات المسلحة اللبنانية، في قصر "الأنفاليد" بباريس، فرنسا، في 17 سبتمبر 2026

مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني... فرنسا لن تسلم بلعب "دور ثانوي"

لطالما كانت فرنسا حاضرة في تفاصيل الملف اللبناني طوال السنوات العجاف منذ سبعينات القرن الماضي، لكنها تجد نفسها الآن خارج أحد أكثر المسارات حساسية بالنسبة إلى مستقبل لبنان: المفاوضات مع إسرائيل ومصير الجنوب. وقد تمثل الكسوف الفرنسي السياسي في لبنان بانتقال مركز الثقل الدبلوماسي نحو الولايات المتحدة في السنتين الأخيرتين، فضلاً عن التحول المحيط بانتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" بحلول نهاية هذا العام.

بالرغم من هذا التراجع المتزامن مع اقتراب نهاية حكم الرئيس إيمانويل ماكرون، تسعى باريس إلى إعادة تعريف دورها العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي لأنها لن تسلم بلعب دور ثانوي في بلد أسهمت في صنع كيانه وولادة دولته الحديثة.

سقطت رهانات باريس في المسألة اللبنانية، إن كان في التعويل على البعض في المنظومة السياسية أو الحوار مع "حزب الله"، والأدهى أن تصبح النكسة مستديمة وخاتمة مسار تاريخي وثقافي مزمن.

ماكرون ولبنان... الحصاد المحدود

منذ بدء ولايته الأولى في مايو/أيار 2017، حظي لبنان باهتمام استثنائي من الرئيس ماكرون وذلك في سياق إقليمي عام للحفاظ على ديناميكية السياسة الفرنسية إزاء الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.

منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب 2020، هرع ماكرون إلى بيروت في السادس من أغسطس، وكان أول رئيس يتفقد موقع الانفجار. وفي تزامن مع ذكرى مئوية "لبنان الكبير" عاد سيد الإليزيه إلى بيروت في سبتمبر/أيلول من العام نفسه لإطلاق مبادرته السياسية، في محاولة منع الانهيار وتدارك تداعيات الأزمة المالية والبنيوية التي ضربت لبنان منذ 2019.

لم يترجم الجهد الفرنسي المتواصل بنتيجة ملموسة بالرغم من حراك طويل المدى قادته الخلية الدبلوماسية في الإليزيه، وتابعه المبعوث الخاص للرئيس وزير الخارجية الأسبق جان-إيف لودريان. ومن الواضح أن عمل اللجنة الخماسية (الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة العربية السعودية، مصر، قطر) لم يفلح بالخروج من مأزق الشغور الرئاسي إلا بعد حرب 2023-2024 التي غيرت موازين القوى وأفسحت المجال للتوصل إلى انتخاب الرئيس جوزيف عون، ثم تولي نواف سلام رئاسة الحكومة في أوائل 2025.

أ.ف.ب
جنود لبنانيون يقفون حراسا في بلدة زوطر الغربية بعد انتشار الجيش في البلدة الجنوبية في إطار اتفاق إطاري جرى التوصل إليه مع إسرائيل، 28 يوليو 2026

وقبل ذلك، شاركت فرنسا حسب اتفاق وقف الأعمال القتالية في آخر نوفمبر/تشرين الثاني مع الولايات المتحدة في إنشاء آلية مراقبة وقف النار "الميكانيزم" التي ضمت الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي و"اليونيفيل"، قبل أن تتوقف لاحقاً بقرار أميركي.

رهانات الإليزيه

تصادفت هذه الانتكاسة الفرنسية مع مغادرة السفير هيرفيه ماغرو لبنان في أوائل أغسطس بعد مهمة دقيقة خلال مرحلة حرجة من تاريخ بلاد الأرز. ولا يعني انتهاء مهمة ماغرو نهاية حقبة من الانخراط الفرنسي في لبنان، بل ربما تكون الفرصة لفتح صفحة أخرى مع السفير الجديد باتريك دوريل الذي يعرف جيداً لبنان وسياسييه عند ممارسته مهام مستشار ماكرون لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحسب مصدر دبلوماسي فرنسي تعكف باريس على "استخلاص دروس مبادراتها اللبنانية وخيبة أملها من بعض كبار المسؤولين في بيروت الذين لم يتذكروا الدور الفرنسي الكبير في مساعي إنقاذ لبنان، وسلموا كل أوراقهم إلى واشنطن".

من أبرز تفسيرات السلوك الفرنسي يأتي إصرار باريس على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع القوى السياسية، وينبع ذلك من حرصها على الكلام مع الجميع والحفاظ على ديناميكية دورها. أما إعادة ذلك إلى رغبة فرنسا في الحفاظ على الحوار مع إيران ومسايرة "حزب الله" بصفته القوة الأساسية في المنظومة اللبنانية، فليس دقيقاً نظراً لتاريخ العلاقات الفرنسية-الإيرانية المتعرج والملتبس غالباً، من دون نسيان الضربات التي تلقتها فرنسا في لبنان من الموالين للنظام السوري السابق والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وقد سبق لفرنسا إبان حقبة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري أن راهنت على ترتيب العلاقة مع نظام الأسد في سوريا وفشلت في ذلك.

تحت ستار استمرار الحوار لحماية فكرة الدولة اللبنانية، لم تنجح باريس في رسم خطوط واضحة لمقاربتها اللبنانية وأدى ذلك إلى فقدان القدرة على التأثير.

بالرغم من فرض واشنطن لمعادلة جديدة، تطمح باريس إلى بلورة تفاهم لبناني-أوروبي بغطاء عربي من أجل نشر القوة البديلة في الجنوب لدعم الشرعية اللبنانية

يعزو البعض التعثر الفرنسي الحالي إلى فشل أسلوب فريق الإيليزيه في إدارة الملف اللبناني. لكن الخطأ ربما يكمن في تركيز باريس رهانها على سياسيين محددين أو على جماعة من التغييريين من دون الاقتناع بنهاية صلاحية منظومة كادت تترنح (بعد الأزمة البنيوية في 2019 وانفجار المرفأ في 2020).

وأسهمت باريس بتعويمها خوفاً من انهيار متسارع لما تبقى من الدولة أو من سيطرة "حزب الله" الكاملة عليها. وضمن سياق مواز أتى إبعاد باريس عن مسار التفاوض مع إسرائيل. 

مؤشرات إبعاد فرنسا عن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية

يمكن القول إن كسوف الدور الفرنسي تجلى بوضوح في الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي، حيث تم استبعاد باريس من المفاوضات بحجة رعاية الولايات المتحدة الحصرية نظراً لقدرتها في التأثير على إسرائيل.

أ.ف.ب
قوات إسرائيلية تتقدم نحو أطراف بلدة دير ميماس حين وصلت إلى تقاطع قرب موقع للجيش اللبناني أُنشئ حديثا، في 18 سبتمبر 2026

بالرغم من تذرع لبنان الرسمي بالفيتو الإسرائيلي على أي مشاركة فرنسية في مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، يعتبر مصدر فرنسي معني بالملف اللبناني أن القيمين على مسار التفاوض من الجهة اللبنانية لم يبذلوا جهداً كافيا لبلورة "مخرج يتيح حضوراً ما لفرنسا التي وقفت دوماً إلى جانب لبنان على العكس من واشنطن اللصيقة بالموقف الإسرائيلي".

لفهم هذا الغياب وتداعياته، لا بد من العودة أولاً إلى التحول الذي طرأ على العلاقة الفرنسية-الإسرائيلية، قبل الانتقال إلى موقع الولايات المتحدة، ثم إلى مسؤولية لبنان نفسه.

بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت فرنسا بموقف شديد الوضوح في تضامنها مع إسرائيل. لكن التدهور طغى على علاقات ماكرون ونتنياهو بعد التمادي الإسرائيلي في الحرب وتغول الاستيطان في الضفة الغربية، واعتراف باريس بالدولة الفلسطينية.

هكذا بالرغم من أهمية العاملين الأميركي واللبناني، يبقى الفيتو الإسرائيلي هو السبب الأساسي في إزاحة فرنسا عن طاولة التفاوض و"اتفاق الإطار" وترتيباته.

واللافت تركيز الثنائي الأميركي-الفرنسي على أن "اليونيفيل" (حيث كان الحضور الفرنسي طاغياً) لم تتمكن من أداء مهامها بشكل ناجح إبان مراحل التوتر والنزاعات في جنوب لبنان 

تداعيات إنهاء مهمة "اليونيفيل"

يطرح الانسحاب التدريجي لقوات الأمم المتحدة من جنوب لبنان، المقرر أن يبدأ في أواخر عام 2026، مسألة تأمين البديل الأمني. وتسعى باريس من خلال مباحثات مع شركائها الأوروبيين (ولاسيما إيطاليا) والسلطات اللبنانية للنظر في إمكانية وجود عسكري بديل داعم ومواكب.

وتراهن باريس على البقاء في الساحة اللبنانية وعدم إخلاء الميدان، خاصة أن "اليونيفيل" شكلت مظلة الوجود العسكري الفرنسي منذ 1978.

لكن فعالية "اليونيفيل" لم تكن متناسبة مع انتشارها وميزانيتها الباهظة حسب التقييم الأميركي، والذي أدى لتبني قرار إنهاء عمل القبعات الزرق في لبنان.

أ.ف.ب
عناصر من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) يُسيّرون دورية قرب قرية بيوت السيد جنوبي لبنان، في 20 يوليو 2026

وتسود الخشية الفرنسية من إنهاء ولاية "اليونيفيل" بالتوازي مع ما ينص عليه "اتفاق الإطار" من إنشاء لجنة تنسيق، مما قد يفضي إلى إنهاء أي دور أوروبي في هذا الملف وحصره بالرعاية الأميركية. 

بالرغم من فرض واشنطن لمعادلة جديدة، تطمح باريس إلى بلورة تفاهم لبناني-أوروبي بغطاء عربي من أجل نشر القوة البديلة في الجنوب لدعم الشرعية اللبنانية. تدرك باريس أن نهاية المهمة الدولية ستترك فراغاً سياسياً وأمنياً كبيراً إذا لم تتبلور قبل ذلك صيغة بديلة. من هنا، بادرت باريس ونظمت في السابع عشر من سبتمبر/أيلول الحالي، الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في باريس. 

محاولة العودة الفرنسية من بوابة دعم الجيش

انعقد الاجتماع التحضيري في قصر "الأنفاليد"، بدعوة من فرنسا والأردن بمشاركة الرئيسين إيمانويل ماكرون وجوزيف عون والملك عبد الله الثاني. وهذا الاجتماع كان مقرراً في مارس/آذار الماضي وقد تأجل بسبب اشتعال الحرب من جديد إثر انخراط "حزب الله" في دعم إيران. ويصعب فصل اجتماع دعم الجيش عن النقاش الأوسع بشأن مصير "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل، وشكل القوة أو الآلية التي ستملأ الفراغ جنوبا عند انسحاب "اليونيفيل". 

انعقد اجتماع باريس وسط الجفاء الأميركي والجفاء الإسرائيلي مع فرنسا، وبالطبع لم يسهم ذلك في تسهيل مهمة الدبلوماسية الفرنسية

انعقد الاجتماع بينما تسود المراوحة في المكان فيما يتعلق بتطبيق الدولة اللبنانية قرار حصرية السلاح، وكذلك في مصير اتفاق الإطار، أو التوافق على بديل القوة الدولية.

من ناحية التوقيت، تأخر انعقاد هذا المنتدى لأن الأمر كان معلقاً ومرتبطاً بالمواقف الأميركية والأوروبية والعربية التي تنتقد ضمناً تردد السلطات اللبنانية في عملية حصرية السلاح.

لم تنجح فرنسا في استقطاب تمثيل أميركي وأوروبي وعربي على مستوى رفيع باستثناء العاهل الأردني. وكان لافتاً حرص الملك عبد الله الثاني على عقد اجتماع باريس ضمن جولات "مسار العقبة" (أو مبادرة اجتماعات العقبة) التي أطلقها في عام 2015 كإطار للتعاون الدولي والتنسيق الأمني والسياسي في المنطقة، وهو مسار يحضره دورياً قادة عسكريون وخبراء؛ وقد تم تخصيص الجولة الحالية لبحث سبل دعم استقرار لبنان ودعم الجيش اللبناني، وهذا ما منح المؤتمر بعداً يتعلق بالأمن الإقليمي.

رويترز
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصل إلى قصر "الأنفاليد" قبيل اجتماع "عملية العقبة" لدعم القوات المسلحة اللبنانية، باريس، فرنسا، في 17 سبتمبر 2026

إن مجرد انعقاد الاجتماع التحضيري لا يعني حكماً استعادة فرنسا جزءاً من الموقع الذي فقدته، لأن القرارات الحاسمة لم تتخذ وكذلك مقادير الدعم للجيش وقوى الأمن الداخلي في لبنان طبقاً لما قدمته القيادة العسكرية اللبنانية من تصور للحاجات العسكرية والتسليحية والتدريبية. بالطبع كانت المشاركة العسكرية التقنية على مستوى عالٍ شمل الولايات المتحدة، السعودية، الأردن، مصر، قطر، الإمارات، الكويت، باكستان، بريطانيا، إيطاليا، إسبانيا، ألمانيا، هولندا، قبرص، وغيرها. لكن تأجيل إعلان الدول مساهماتها في دعم لبنان إلى مؤتمر آخر، وإفساح المجال لكل دولة في تقييمها لعلاقتها الثنائية مع لبنان، خلاصته أن هذا الاجتماع التحضيري لم يحقق الاختراق المرجو. 

ولقد ربط الرئيس ماكرون استعادة السيادة اللبنانية بـ"دعم الجيش اللبناني ومساعدته ليحل مكان الوجود الإسرائيلي غير الشرعي في جنوب لبنان". لكن ميشال عيسى، سفير واشنطن في لبنان وهو أحد ممثليها، شدد في الاجتماع على الالتزام بدعم "اتفاق الإطار" من دون تفاصيل أخرى. 

هكذا انعقد اجتماع باريس وسط الجفاء الأميركي والجفاء الإسرائيلي مع فرنسا، وبالطبع لم يسهم ذلك في تسهيل مهمة الدبلوماسية الفرنسية.

تبعاً لكل المتغيرات الداخلية والإقليمية، تستمر باريس في التعويل على خبراتها في الملف اللبناني وحضورها السياسي والثقافي والإنساني والاقتصادي، وكذلك على تجربتها في "اليونيفيل" والتنسيق مع الدول العربية المؤثرة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. ولذا بالرغم من انتكاسات حقبة الحرب الأخيرة تأمل فرنسا الحفاظ على دور لها وتطويره، ولو في ظل الغلبة الأميركية والاندفاع الإسرائيلي.

font change