"إل نينيو" في العالم العربي... كيف تغيّر حرارة الصيف وسعر الخبز؟

من المحيط الهادئ إلى العالم العربي، تعيد الظاهرة رسم خرائط الطقس وقد تصل تداعياتها إلى المستهلك

AFP
AFP
منظر من المكوك الفضائي "أتلانتس" يظهر تصاعد الدخان الناتج من الحرائق التي تجتاح إندونيسيا

"إل نينيو" في العالم العربي... كيف تغيّر حرارة الصيف وسعر الخبز؟

في عام 1997، بدا طرفا المحيط الهادئ وكأنهما يعيشان في عالمين مختلفين. ففي إندونيسيا، تسبب الجفاف الشديد في انتشار حرائق واسعة أطلقت سحبا كثيفة من الدخان غطت أجزاء من جنوب شرق آسيا. وعلى الجانب الآخر من المحيط، ضربت أمطار غزيرة وفيضانات الإكوادور وبيرو، ووصل الهطول في بعض المناطق إلى نحو عشرة أضعاف معدلاته الطبيعية، مخلفا مئات القتلى وخسائر بمليارات الدولارات.

كان المحرك الرئيس للمشهدين المتناقضين ظاهرة مناخية واحدة تعرف باسم "إل نينيو". خلال ذلك الحدث، ارتفعت حرارة مياه وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي بصورة استثنائية، فتغيرت حركة الرياح وتوزيع الأمطار في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات. ولهذا أصبحت دورة 1997-1998 من أشهر أحداث إل نينيو في التاريخ الحديث، ودليلا واضحا على أن اضطرابا يبدأ في المحيط الهادئ يمكن أن يعيد رسم خريطة الطقس في أجزاء واسعة من العالم، والمنطقة العربية ليست بعيدة عن هذه التأثيرات.

عرف صيادو بيرو منذ قرون ظاهرة وصول مياه دافئة بصورة غير معتادة إلى سواحلهم قرب عيد الميلاد، بالتزامن مع تراجع كميات الأسماك، فأطلقوا عليها اسم "إل نينيو" أي "الطفل"، في إشارة إلى المسيح.

علميا، تمثل إل نينيو المرحلة الدافئة من ظاهرة أوسع تسمى إل نينيو-التذبذب الجنوبي، وخلالها ترتفع حرارة سطح البحر في أجزاء من وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، وتضعف الرياح التجارية التي تدفع المياه الدافئة عادة نحو آسيا، فتتحرك هذه المياه أكثر في اتجاه شرق المحيط.

أما المرحلة العكسية، لا نينيا، فتتميز بانخفاض حرارة المياه في المنطقة نفسها، مع اشتداد الرياح التجارية ودفع مزيد من المياه الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ. وبين المرحلتين توجد حالة محايدة تكون فيها درجات حرارة المياه أقرب إلى المعدلات الطبيعية.

تعمل هذه الدورة مثل أرجوحة ضخمة بين المحيط والغلاف الجوي. ذلك أن تغير حرارة المياه يغير توزيع الضغط والرياح والتيارات الصاعدة والهابطة في الغلاف الجوي، مما يؤدي بدوره إلى إعادة توزيع الحرارة والرطوبة على مساحات شاسعة.

وتتعاقب مراحل إل نينيو ولا نينيا بصورة غير منتظمة، عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وقد تستمر الواحدة منها لأشهر طويلة. لكن أهمية الظاهرة لا تأتي فقط مما يحدث فوق المحيط الهادئ، بل من قدرتها على التأثير في الطقس على بعد آلاف الكيلومترات عبر ما يعرف بالراوبط المناخية البعيدة.

كيف تصل إل نينيو إلى العالم العربي؟

الروابط المناخية البعيدة تعني أن تغيرا كبيرا في الضغط أو الحرارة أو حركة الهواء في منطقة ما، يمكن أن يؤثر في دوران الغلاف الجوي في منطقة أخرى بعيدة للغاية.

وهكذا فإن ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ لا يصل بالطبع إلى الشرق الأوسط نفسه، وإنما يغير حركة الغلاف الجوي على نطاق عالمي، فتتبدل مسارات الرياح والكتل الهوائية ومناطق الضغط المرتفع والمنخفض، وهو ما قد يغير الحرارة أو الأمطار في منطقتنا.

وتوضح دراسة دولية نشرت في دورية "أتموسفيرك ريسيرش" في أبريل/نيسان 2025 هذه العلاقة في شبه الجزيرة العربية. فقد حلل الباحثون بيانات ونماذج مناخية للفترة بين 1993 و2016 لفهم ارتباط تلك الظواهر بدرجات حرارة الصيف.

ووجدت الدراسة أن لا نينيا تميل إلى رفع درجات الحرارة في وسط وشمال شبه الجزيرة العربية خلال الصيف، بينما يكون تأثير إل نينيو مختلفا، إذ تميل درجات الحرارة إلى أن تكون أقل نسبيا أو لا يظهر الاحترار نفسه المرتبط بلا نينيا.

ويرتبط ذلك بتغير حركة الهواء في الطبقات العليا من الغلاف الجوي فوق غرب المحيط الهادئ وشرق المحيط الهندي، والذي يمكن أن يعزز هبوط الهواء فوق شبه الجزيرة العربية في بعض مراحل الدورة. والهواء الهابط يرتبط عادة بظروف أكثر جفافا وحرارة عند سطح الأرض.

AFP
تظهر هذه الصورة للأرض التي التقطها القمر الصناعي الأميركي-الفرنسي "توبيكس/بوسيدون" مستوى ارتفاع سطح البحر مقارنةً بالظروف المحيطية المعتادة

لكن تأثير الظاهرة لا يقتصر على اليابسة. ففي بحر العرب، الذي تطل عليه دول عربية بينها اليمن وسلطنة عمان والصومال، يمكن أن تغير إل نينيو طبيعة أحد أكثر الأنظمة البحرية إنتاجية في العالم.

درست مجموعة من الباحثين تأثير حدث إل نينيو القوي في 2015-2016 على العوالق النباتية، وهي كائنات مجهرية تمثل قاعدة الشبكة الغذائية البحرية وتلعب دورا مهما في دورة الكربون.

تؤدي التغيرات في حركة هذه المياه، إلى جانب الاختلافات في التبخر بين شمال البحر الأحمر وجنوبه، إلى تكوين نمط تتعاكس فيه الملوحة بين المنطقتين، فتزداد في إحداهما بينما تنخفض في الأخرى

وخلال الصيف، تعتمد خصوبة أجزاء كبيرة من بحر العرب على ظاهرة "الصعود المائي" حيث ترتفع المياه الباردة الغنية بالمغذيات من الأعماق إلى السطح. لكن إل نينيو أضعفت الرياح الموسمية في صيف 2015، مما أدى إلى إضعاف هذا الصعود.

ووجدت الدراسة أن نسبة العوالق النباتية الكبيرة انخفضت بنحو 8%، بينما زادت العوالق الشديدة الصغر بنحو 12%. وفي شتاء 2016، أدى ضعف الخلط بين طبقات المياه إلى تغيرات مشابهة.

وقد تبدو هذه التحولات صغيرة، لكنها مهمة لأن حجم العوالق النباتية يؤثر في الكائنات التي تتغذى عليها وفي انتقال المغذيات والكربون داخل النظام البحري، وبالتالي يمكن أن تمتد التأثيرات إلى مستويات أعلى في الشبكة الغذائية.

أما البحر الأحمر، فقد أظهرت دراسة نشرت في "جورنال أو جيوفيزيكال ريسيرش" في مايو/أيار 2026 أن ظاهرة إل نينيو يمكن أن تؤثر أيضا في ملوحة سطح مياهه.

ويحدث التأثير بصورة أوضح خلال أكتوبر/تشرين الأول، حين تغير الاضطرابات المرتبطة بإل نينيو ولا نينيا اتجاهات الرياح وحركة المياه من خليج عدن، وهي مياه أقل ملوحة نسبيا من مياه البحر الأحمر.

وتؤدي التغيرات في حركة هذه المياه، إلى جانب الاختلافات في التبخر بين شمال البحر الأحمر وجنوبه، إلى تكوين نمط تتعاكس فيه الملوحة بين المنطقتين، فتزداد في إحداهما بينما تنخفض في الأخرى.

وهذه التغيرات ليست مجرد أرقام فيزيائية. فالملوحة عامل أساس في تشكيل النظم البحرية، ويمكن أن تؤثر في توزيع الكائنات الحية ودوران المياه العميقة داخل البحر الأحمر.

الصدمة قد تأتي من الخارج

مع ذلك، سيكون من الخطأ الحديث عن "تأثير إل نينيو على العالم العربي" كما لو أن المنطقة وحدة مناخية واحدة. إذ يقول هشام عيسى، المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، إن أهمية إل نينيو تتزايد في منطقة تعاني أصلا من ندرة المياه وارتفاع التعرض لموجات الحر والجفاف والفيضانات.

لكنه يشدد على أن التأثير لا يكون متماثلا بين الدول، بل يعتمد على الموقع الجغرافي والموسم الذي تقع فيه الظاهرة وقوتها ومدتها قائلا: "يجب التعامل معها باعتبارها عامل خطر إقليميا متعدد الأبعاد، وليس سيناريوا واحدا ينطبق على المنطقة بأكملها".

وتتفق معه كنزي عزمي، مسؤولة الحملات الإقليمية في "غرينبيس" الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي ترى أن حساسية المنطقة ترجع إلى اجتماع عدة عوامل من ضمنها المناخ الجاف، وندرة المياه، واعتماد أجزاء واسعة من الزراعة على أمطار متقلبة، وارتفاع درجات الحرارة.

وتقول إن تغيرا موسميا محدودا في الأمطار قد يتحول إلى أزمة مياه أو غذاء في دولة، أو يزيد الجفاف والحرائق في أخرى، أو يؤدي في مناطق أخرى إلى أمطار غزيرة وفيضانات.

إذا كان الغذاء قناة مهمة لانتقال الصدمة من الخارج، فإن المياه قد تكون أكثر القنوات الداخلية حساسية، فالشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم تعرضا للإجهاد المائي

من أهم القنوات التي يمكن أن تنتقل عبرها آثار إل نينيو إلى المنطقة العربية، الزراعة. فالأمطار ودرجات الحرارة عاملان أساسيان في تحديد إنتاج المحاصيل. وأشارت دراسة نشرت في أغسطس/آب 2026 إلى أن أمطار مناطق واسعة من الشرق الأوسط تميل إلى الزيادة في بعض حالات إل نينيو خلال الموسم البارد، بينما يرتبط حدوث لا نينيا بانخفاض أوضح في الأمطار.

لكن الخطر على الأمن الغذائي العربي لا يحتاج في الضرورة إلى حدوث جفاف داخل دولة عربية، فالعديد من دول المنطقة يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد القمح والذرة والزيوت وغيرها من السلع الزراعية من الخارج. وبالتالي، إذا أدت إل نينيو إلى تراجع المحاصيل في إحدى الدول الكبرى المنتجة للغذاء، فإن الصدمة يمكن أن تنتقل إلى المنطقة في صورة ارتفاع في الأسعار.

ويقول عيسى إن المشكلة لا تتوقف عند سعر الغذاء نفسه، وإنما قد تشمل تكاليف النقل والتخزين والتأمين والطاقة والأسمدة، ثم تنتقل إلى فاتورة الدعم الحكومي والقوة الشرائية للأسر والموازنات العامة، وهنا تتحول ظاهرة مناخية في المحيط الهادئ إلى مشكلة اقتصادية يمكن أن يشعر بها المستهلك العربي في متجر البقالة.

إذا كان الغذاء قناة مهمة لانتقال الصدمة من الخارج، فإن المياه قد تكون أكثر القنوات الداخلية حساسية، فالشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم تعرضا للإجهاد المائي، وتعاني دول عربية عديدة بالفعل من فجوة متزايدة بين الموارد المائية والطلب عليها.

AFP
أم وطفلها يسيران في شوارع سانتا روزا التي غمرتها المياه، على بعد 400 كيلومتر غرب كيتو، الإكوادور

ومع ارتفاع درجات الحرارة، تزداد معدلات التبخر والطلب على مياه الري، بينما يمكن أن يؤدي تراجع الأمطار في بعض المناطق إلى زيادة الضغط على المياه السطحية والجوفية، ويقول عيسى إن موجات الجفاف أو الحرارة المرتبطة بالتقلبات المناخية يمكن أن ترفع كذلك تكلفة تشغيل محطات المياه والتحلية والمعالجة، وتزيد المنافسة بين الاستخدامات الزراعية والصناعية والمنزلية، وفي هذا المعنى، قد لا تكون إل نينيو هي التي تخلق أزمة المياه، لكنها تستطيع تسريع أزمة قائمة أصلا.

ضغط إضافي

هناك قناة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في الطاقة. ففي المنطقة العربية، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية صيفا، يؤدي أي ارتفاع إضافي في الحرارة إلى زيادة استخدام أجهزة التكييف، وبالتالي ارتفاع الطلب على الكهرباء.

وفي الوقت نفسه، يمكن الحرارة الشديدة أن تقلل كفاءة بعض معدات وشبكات الطاقة، بينما تؤثر ندرة المياه في بعض نظم توليد الكهرباء التي تحتاج إلى المياه للتبريد أو التشغيل.

وعلى الجانب الآخر، إذا ارتبطت التقلبات المناخية بأمطار شديدة أو فيضانات، فقد تتعرض الطرق وشبكات الكهرباء والموانئ والمنشآت الصناعية لأضرار، لتتحول الظاهرة إلى تكلفة اقتصادية وإضافية على الحكومات.

يبقى السؤال الأهم: هل يجعل تغير المناخ إل نينيو أقوى؟ لا توجد إجابة بسيطة حتى الآن. فقد أشار تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن التغيرات المرصودة في قوة تلك الظواهر منذ منتصف القرن العشرين كبيرة، مقارنة بفترات سابقة، لكن العلماء لم يحسموا مقدار ما يعود منها إلى الاحترار العالمي مقابل التقلب الطبيعي.

الظاهرة التي تبدأ على بعد آلاف الكيلومترات في المحيط الهادئ قد تصل إلينا في صورة صيف أشد حرارة، أو موسم أمطار مختلف، أو تغير في النظم البحرية، أو ضغط على المياه، أو فاتورة كهرباء أكبر، أو حتى ارتفاع في سعر الخبز

وتتوقع بعض الدراسات والنماذج أن تصبح أحداث إل نينيو الشديدة أكثر تأثيرا في عالم أكثر حرارة، بينما تظل هناك اختلافات بين النماذج في شأن كيفية تطور الدورة نفسها.

لكن هناك حقيقة أكثر وضوحا، فحتى لو لم يكن تغير المناخ هو الذي يصنع إل نينيو، فإنه يغير الخلفية التي تعمل فوقها الظاهرة.

فموجة حر تضرب منطقة أصبحت أكثر حرارة أصلا ستكون أخطر، وانخفاض الأمطار في دولة تعاني بالفعل من ندرة المياه سيكون أكثر إيلاما، واضطراب في إنتاج الغذاء العالمي ستكون آثاره أكبر على الدول الشديدة الاعتماد على الاستيراد.

وهذا هو السبب في أن أهمية إل نينيو بالنسبة للمنطقة العربية لا تتعلق فقط بما إذا كانت ستجلب عاما أكثر حرارة أو أمطارا أكثر أو أقل، وإنما بقدرتها على تضخيم نقاط الضعف الموجودة بالفعل.

فالظاهرة التي تبدأ على بعد آلاف الكيلومترات في المحيط الهادئ قد تصل إلينا في صورة صيف أشد حرارة، أو موسم أمطار مختلف، أو تغير في النظم البحرية، أو ضغط على المياه، أو فاتورة كهرباء أكبر، أو حتى ارتفاع في سعر الخبز.

وهنا تكمن أهميتها الحقيقية بالنسبة للعالم العربي. فظاهرة إل نينيو ليست حدثا بعيدا يحدث في المحيط الهادئ، وإنما جزء من شبكة مناخية عالمية يمكن اضطراب أحد أطرافها أن يصل صداه إلى منطقتنا بأشكال مختلفة.

font change