في أولى صفحاتها، تدعي بطلة رواية "وجهي الغريب" (دار نوفل) للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، أن امرأة تشبهها تماما تطاردها في شوارع الجزائر العاصمة: ترقبها من خلف واجهة محل، تجلس بجانبها في الحافلة، تنعكس صورتها على زجاج ثلاجة السوبرماركت. لا أحد يصدقها، لا الضابط الذي يطردها من مركز الشرطة، ولا حتى شقيقتها التي تخبرها بأن المواصفات التي وصفتها بها ليست سوى مواصفاتها هي. من هذا اللغز البسيط، تنطلق وئام شرماطي، في عملها الثالث، في رحلة سردية تمتد على مئتين وخمسين صفحة، لتنتهي إلى ما يشبه الجرد الشامل لأشكال العنف الذي تتوارثه النساء جيلا بعد جيل.
اسم لا يليق بصاحبته
يبدأ الخيط السردي الحقيقي للرواية من تفصيل صغير لكنه مركزي: كاملة، الطفلة التي ولدت سليمة الجسد بعد شقيقين ماتا بعيوب خلقية، تحمل اسما منحه إياها أب لا يريد أن يحتفي بها بقدر ما يريد أن يذكر زوجته بأنها أنجبت أخيرا ولدا "كاملا". من هذه المفارقة الأولى – اسم يراد به التذكير بنقص الأم لا الاحتفاء بالابنة، تنطلق الرواية في سرد طفولة تتقاطع فيها كل أشكال العنف الأسري الكلاسيكية: أب عنيف يضرب زوجته وأبناءه، انهيار منزل يودي بحياة الشقيق الأصغر بعد أن يحبس الأب أسرته خارجه، أم تتحول قسوتها الصامتة إلى عنف مواز لعنف الزوج.
ثم تتوسع الدائرة عبر شخصية العمة فيروزة التي تكشف، في مشهد من أقوى مشاهد الكتاب، أن العنف ليس استثناء عائليا إنما إرث متعدد الأجيال: جدة أجبرت على الرقص أمام الرجال حتى انتحرت، فورثت الخالة الدور نفسه، بينما ورث الأب – الطفل الذي شهد كل ذلك – قسوته من الصدمة نفسها التي عاشها.
هذه البنية الجيلية هي أذكى ما في الرواية، فهي لا تكتفي بتصوير الأب كوحش أخلاقي مطلق، بل ترجعه، عبر شهادة أخته، إلى كائن مكسور أيضا، من دون أن يعفيه ذلك من المسؤولية، مسؤولية العنف الذي لا يورث كصفة، بل كوجه يعاد رسمه في كل جيل بالفرشاة نفسها.
التاريخ الموازي
تقحم شرماطي روايتها في التاريخ الجزائري الحديث بجرأة لافتة: أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1988 ودخول الجيش إلى العاصمة، ثم العشرية السوداء بكل ما تضمنته من اغتيالات وتهديدات للصحافيين، بمن فيهم مصطفى، حبيب كاملة الأول، الصحافي الشاب الذي يأخذها إلى قلب التظاهرات، ثم يضطر في ما بعد إلى الهجرة هربا من تهديدات الجماعات المسلحة.



