من "ألف ليلة وليلة" إلى "تيك توك"... في ضرورة وجود فن هابط

كل جيل يصنع صورته الخام عن نفسه

 Adam Gray / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
Adam Gray / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
أعضاء فرقة "ستوديو 1" للرقص يصورون مقاطع فيديو لمنصات التواصل الاجتماعي، بينها "تيك توك"، في تايمز سكوير بنيويورك، 14 يناير 2025

من "ألف ليلة وليلة" إلى "تيك توك"... في ضرورة وجود فن هابط

تملك كلمة "هابط" قدرة غريبة على إنهاء الكلام لحظة نطقها، فيكفي أن يقولها أحدهم عن أغنية يسمعها العالم كله حتى ينطفئ النقاش وتتبدد الأسئلة عن معنى هذا الفن وسر التفاف الملايين حوله. كلمة واحدة تنزل منزلة الحكم، والحكم حين يصدر، يلغي الحاجة إلى الفهم. قبل التسليم بالحكم يحسن النظر في الفن المحكوم عليه، والذي امتد من أغاني "المهرجانات" في مصر إلى أغاني الملاهي الشامية، ومن مقاطع "تيك توك" إلى أفلام العيد التجارية، ويزداد انتشاره كلما اشتد الحكم عليه: تمنعه النقابات فيفتح آلاف القنوات على "يوتيوب"، وتهاجمه المنابر فيدخل الأعراس تحت أبصارها. في هذه المفارقة حقيقة منسية: جزء من قوة ما نحتقره يستمد من احتقارنا له.

يمسك تاريخ الذوق دفترا يعيد فتحه كل بضعة قرون ليصحح أحكامه القديمة، وفي صفحته المفتوحة اليوم أغنية ولدت في زقاق بهاتف رخيص، وفيلم يملأ الصالات وتتجمع حوله العائلة في موسم العيد، ومقطع راقص انتشر في أسبوع ثم نسي... صفقة واحدة تجمع هذا كله: أخذت كل ما تستحقه الليلة وتركت الخلود لمن يطلبه.

وفي الصفحة المقابلة أسماء حملت الإدانة نفسها قرونا قبل أن تنتقل إليها، فقد ازدرى نقاد العصر العباسي مجون أبي نواس ورأوا فيه إسفافا يدنس مقام القصيدة، وعد كبار الأدباء "ألف ليلة وليلة" خرافات عوام، وجلس الناس قرونا حول الحكواتي تحت نظرة متعالية.

ثم صارت قصائد الأول في أهم المختارات، وصارت الثانية ركنا من أركان الأدب العالمي، وصار الثالث كنزا يتنافس عليه الباحثون. وصل الاعتراف متأخرا في الحالات الثلاث، ومن قرأ هذا الدرس جيدا هو الفن الراقي، فكتب من أول سطر لمن سيقرؤه بعد قرن. أما "الهابط" فقرأ الدرس نفسه وقرر أن يخسر، إذ اختار الليلة على القرن وترك لنا صفحته كاملة.

صانعو هذه الأعمال يتكلمون من داخل القلق نفسه فتجيء شهادتهم قليلة الأقنعة

يقف هذا التعاقب عند حد معين لأن ما نجا من المدان قليل وذهب أضعافه صامتا، وما يقوله أشد إحراجا من وعد بإنصاف مؤجل: تستهدف الإدانة حيوية العمل وقربه من حاضر يخشى حراس الذوق انفلاته قبل قيمته الفنية، فإذا ابتعد العمل في الزمن وكف عن إزعاج لحظته خفتت الإدانة وظهرت القيمة المحجوبة تحتها. هكذا يحاكم الذوق الرفيع الفن الحي بمعايير فن غادر لحظته، فيكرم هابط الأمس ويدين هابط اليوم. تكفي خطوة واحدة خارج دائرة الإدانة ليتبدل المشهد، فيظهر في هذا الفن ما تهمله الذاكرة الرسمية، وقدرة على جمع الناس تعجز عنها أرفع الفنون.

ما يفضحه الإسفاف

من يطلب معرفة المرحلة من صورتها المهذبة يخرج بنسخة ناعمة أكثر مما ينبغي، فالنعومة صنعة متقنة في مؤسساتنا، والمهرجانات تعرض أفلاما "جريئة" تعرف حدود جرأتها، والمنصات تبث أغاني تنقح كلماتها قبل وصولها إلى الناس، فيولد تاريخ مصقول يترك القارئ بإحساس غامض أن ما قرأه صورة مرتبة عن المرحلة لا المرحلة نفسها، وينفلت الواقع الفعلي من هذه القبضة ليستقر في ما هو هابط بكل راحته.

AP Photo/Amr Nabil
رجال يرقصون حاملين الشعلات خلال حفل زفاف في العمرانية، إحدى ضواحي القاهرة، 26 سبتمبر 2015

استمع إلى أغنية مهرجان شعبي مصري من السنوات الأخيرة تجد فيها خلاصة زمن مضغوطة في أربع دقائق ساخنة: شاب من حي هامشي يتباهى بسيارة يملكها في خياله وحده، يلعن صديقا خانه، يبكي حبيبة تزوجت بمن دفع المهر، ثم يختم بتهديد مبهم لمن اعترض. الوجه نفسه يعود في أغاني الملاهي وفي "الراب" في أكثر من بلد عربي، وجه يحمل ذكورة طاغية، وامرأة تختزل في جسدها أو خيانتها، ونبرة سادية تجعل السيطرة دليلا على القوة، وعداء مفتوحا لعالم يضيق بالشاب. كما يحفظ أرشيف "تيك توك" الوجه الآخر من الجيل نفسه، إذ تتراكم فيه إيقاعات وحركات ولباس ومزاح سريع تمر عليها الخطبة فتسميها تفاهة، ويجد فيها من ينقب بعد قرن جيلا يفرغ قلقه بملاحقة ما يخفف عنه وطأة يومه.

إن تكرار الحركة الواحدة ملايين المرات وثيقة في ذاته، وصانعو هذه الأعمال يتكلمون من داخل القلق نفسه فتجيء شهادتهم قليلة الأقنعة، ومع ذلك تبقى شهادة على العنف بلسان صاحبه، ومن أراد أن يصدقها فعليه تصديقها كاملة.

هذه الشهادة قديمة قدم الأدب: نظم ابن الحجاج البغدادي في القرن الرابع الهجري شعر "السخف" فأغرقه في فحش نفر منه أرباب القصيدة الرفيعة، إلى أن صار هذا الإسفاف أغنى سجل يخبرنا كيف كانت بغداد تأكل وتتسوق وتشتم في أزقتها (والشريف الرضي، وهو من أرفع أهل الذوق في عصره، انتخب مختارات من ذلك الشعر، فأدانت النخبة السخف في مجالسها واقتنته في خزائنها). أما ابن دانيال فرفع في قاهرة المماليك ستار خيال الظل عن بغايا المدينة ومدمني حشيشها ومشعوذيها، فحفظ وجهها الخلفي الذي طمسته كتب التاريخ وراء السلاطين. كما عد نقاد القرن العشرين أغنيات الصالات والطقاطيق هبوطا بالذوق العام، فإذا بها أدق ما يحفظ نبض المدن المصرية في زمن تحولها.

ينتقي الفن الراقي صورة واحدة ويكثفها، ويلتهم الهابط صور عصره كلها فيحفظها خاما

يقول المعترض إن ما يسمعه المرء سلعة مصنعة تخدر الوعي، صنيعة شركات تملي على الجماهير ما تستهلكه، وهو لب ما سماه أدورنو "صناعة الثقافة". يغري الرد السهل بالإشارة إلى أن هذا الفن صعد من الأسفل، غير أن أدورنو وصف منطق التسليع وهو يشتغل من داخل الرغبة الشعبية ذاتها، فيبتلع السوق الصاعد من تحت ابتلاعه النازل من فوق. تبقى في الاعتراض ثغرة أهم من مسألة المنشأ كلها، إذ تحتاج السلعة لكي تباع إلى أن تصيب رغبة قائمة قبلها، فالسوق يقرأ الجوع ويتاجر به، وقراءته الناجحة وثيقة في ذاتها.

يتضح كيف ينطق هذا الفن بعصره مع ملاحظة لأمبرتو إيكو في مقالته عن فيلم "كازابلانكا"، إذ يضحكنا الكليشيه إذا جاء وحده، وتترك فينا مئة كليشيه مجتمعة أثرا يستعصي على التفسير، فيصير العمل متحفا لخيال زمنه. تتكرر في أغانينا هذه السيارة الرياضية والحبيبة الخائنة والصديق الغدار، ويتكرر في مقاطعنا الإيقاع نفسه واللباس نفسه والنكتة نفسها، فيشكل تراكمها خريطة لنفسية جيل كامل. ينتقي الفن الراقي صورة واحدة ويكثفها، ويلتهم الهابط صور عصره كلها فيحفظها خاما.

أن تكون شعبا لدقائق

في عرس بحي هامشي من الدار البيضاء أو القاهرة أو بيروت، يخرج كل شيء عن السيطرة في لحظة محددة يسبقها هدوء كامل، فالجد مستقر في مقعده، والخالة منشغلة بحديث مع جارتها، والصبية يتسللون نحو مائدة الحلوى، حتى يشغل "الـدي جي" أغنية يعرفها الحي كله، فإذا بالناس المحتشمين في الصورة الرسمية يفقدون رزانتهم دفعة واحدة، تتلامس أكتافهم، يشتركون في إيقاع واحد، يصرخون بكلام يجرؤون عليه في الجماعة ويستحون منه فرادى. لم يفعل هذا بهم الطعام المتقن ولا الخطاب الرسمي ولا بطاقات المائدة، ولكن فعلته أغنية واحدة بجعلهم في دقائق جسدا واحدا.

 MICHAL CIZEK / AFP
رجل يقرأ أول طبعة تشيكية من رواية ميلان كونديرا "كائن لا تحتمل خفته" في مقهى سلافيا في براغ، 9 نوفمبر 2006

رأى ميلان كونديرا في "خفة الكائن التي لا تحتمل" أطفالا يركضون في حقل فوقف عند دمعتين تسيلان في المشهد الواحد، دمعة يبكيها المرء لما رآه، ودمعة يبكيها لأنه يعرف أن الناس يبكون معه، وسمى الثانية "جوهر الكيتش" وأدانها أخلاقيا. في ذهنه كيتش الاستعراض الشمولي الذي تفرضه الدولة من فوق، ومن تخلف عن البكاء فيه دفع ثمن تخلفه. يفترق عرس الحي عنه في اتجاه الحركة، إذ يصعد الإيقاع من تحت، ويملك من شاء أن يغادره متى شاء سالما. يبقى في إدانة كونديرا ما يصمد أمام هذا كله، فالفرد يذوب فعلا في تلك الدقائق ويتنازل عن مسافته النقدية ويردد ما يستحي منه منفردا، وتلك خسارة يدفعها ثمنا معلوما ليشتري بها شيئا نادرا: يخرج من قفص ذاته حين يعرف أن آلافا سواه يهتزون على الإيقاع نفسه في اللحظة نفسها. يخاطب الفن الراقي الفرد المتأمل في غرفته، ويخاطب الفن الهابط الناس في أجسادهم المشتركة.

يخاطب الفن الراقي الفرد المتأمل في غرفته، ويخاطب الفن الهابط الناس في أجسادهم المشتركة

من هنا يخرج سؤال أشد حرجا: من نحتقر فعلا حين نحتقر الانفعال الجماعي؟ يستمع إلى سيلين ديون مئات الملايين في الأعراس والجنازات، ويتعامل معها النقاد عنوانا جاهزا للابتذال. تأملها كارل ويلسون في "لنتحدث عن الحب" فوصل إلى نتيجة مزعجة: نحن نحتقر الأم التي دفعت طفلها إلى الرقص على إيقاعها، والعائلة التي رددتها في جنازة أبيها... وهو في ذلك يستند إلى بيار بورديو الذي يرى الذوق علامة على موقع اجتماعي قبل أن يكون حكما على جمال، ويحتاج من يصنف نفسه في الأعلى إلى من يضعه في الأسفل. قد يكون من استمع إلى السمفونية وحده أوسع ثقافة ممن سواه، ويعلن من رقص مع مئات على أغنية مبتذلة انتماءه إلى وطن صغير هش ودافئ.

REUTERS/Mario Anzuoni
سيلين ديون تؤدي أغنية "يجب أن يستمر العرض" خلال حفل جوائز بيلبورد لعام 2016 في لاس فيغاس، 22 مايو 2016

يجتمع الناس حول الفن الراقي أيضا، غير أن انفعالهم يجيء مجدولا: برنامج يحدد متى يبدأ التأثر ومتى ينتهي، وتصفيق يعرف كل حاضر موعده، ثم يخرجون فرادى كما دخلوا. أما صالة العيد فلها أبواب وتذاكر وموعد معلن، ويبقى ما يقع داخلها خارج الجدول، إذ يضحك الصف الثالث فيضحك خلفه مئتان، ويرتفع الأدرينالين في القاعة دفعة واحدة، ويبكون في مشهد لم يستأذنهم. أبعد من ذلك يذهب "الترند"، فيؤدي ملايين الحركة نفسها في غرف متفرقة ولا يجمعهم مكان واحد، بل معرفة كل منهم أن الآخرين يؤدونها الآن. هنا يتبين ما يفعله الهابط على وجه الدقة: يصنع جماعة لم يدع إليها أحد، ومن هذا وحده يفهم كل ما يقال ضده، إذ يحذر الخطاب من كلمات الأغنية ومن مضمون المقطع، ويقلقه في الحقيقة أن الناس يجتمعون بلا موعد ولا عنوان.

المنطقة الحرة

لو كان الفن الهابط عرضا طارئا لانقرض بعد أول موجة إدانة، غير أنه يولد من جديد في كل جيل بأسماء وأشكال متبدلة، وهذا التجدد العنيد يشير إلى وظيفة بنيوية، فهو المنطقة الحرة التي تختبر فيها المجتمعات ما تتهيب اختباره في غرفها الرسمية. تدفعه الثقافة إلى هامشها لتبقي مركزها مصونا، ثم تستعيد منه ما يصلح للبقاء. يقدم "تيك توك" أسرع دورة عرفها هذا التبادل، إذ تولد الحركة في غرفة مراهق ليلا، فتصير بعد أشهر في إعلان شركة كبرى وفي افتتاحية برنامج رسمي، ثم يتركها أصحابها لأن المركز أخذها.

 MOHAMED EL-SHAHED / AFP
الموسيقي المصري عبد الله المنياوي خلال عرض في ناد ليلي بالقاهرة، 26 أكتوبر 2016

يجرب المختبر الخطر قبل الآمن فتنزل إليه ذكورة عاجزة لتخرج منه إلى الشارع وقد وجدت لغتها وصوتها وجمهورها، وينزل إليه احتقار المرأة ليصعد أغنية يحفظها الحي كله، وتلك تجربة ناجحة بمقاييس المختبر وحدها، ثمنها يدفعه من يعيش في الشارع بعد انتهاء التجربة، وعلى هذا الفرق بين أن نفهم لماذا ولد هذا الفن وأن نصفق لما يخرج منه يقوم هذا الكلام كله.

من يطلق اليوم كلمة "هابط" بثقة القاضي يقف في الصف الطويل ذاته الذي وقف فيه من سخر من أبي نواس وألف ليلة والحكواتي

 يستبطن طلب ثقافة بلا فن هابط طلبا أشد خطورة: طلب مجتمع يتجمد في صورة واحدة من ذاته، بينما تحيا الثقافات بالتوتر بين مركز يهذب وطرف يجرب، وفي هذا التوتر ينبض دليل أنها لا تزال تتنفس.

 KHALED DESOUKI / AFP
موظف مصري يرتب نسخا من "ألف ليلة وليلة" على رف في مكتبة بالقاهرة، 5 مايو 2010

من يطلق اليوم كلمة "هابط" بثقة القاضي يقف في الصف الطويل ذاته الذي وقف فيه من سخر من أبي نواس وألف ليلة والحكواتي، ويقف بعده أحد ينظر إلينا. سيجلس ذاك أمام أرشيفنا بعد قرن، ويمر سريعا على خطب الافتتاح وقوائم الجوائز، ثم يتوقف طويلا عند أغنية منعتها نقابة في سنة ما، وعند مقطع لم يبلغ الدقيقة كرره ملايين. سيسمع فيهما ما نعرفه عن أنفسنا ونؤجل قوله، ويقيس بهما المسافة بين الصورة التي نعرضها والحياة التي نعيشها، وكلما اتسعت تلك المسافة ازداد الهامش ضرورة. وسيخرج من الأرشيف بحقيقة واحدة عن ذلك القرن: قالتها أغنية في عرس ومقطع صوره أحدهم في غرفته، وسكتت عنها فنونه الراقية.

font change