تمثلات كرة القدم في الفن التشكيلي وفنون الشارع

حركة ديناميكية يسعى الفنانون إلى تخليد لحظاتها الأجمل

AFP
AFP
أشخاص يمرون أمام جدارية لأطفال يلعبون كرة القدم في غوادالاخارا المكسيكية قبيل كأس العالم 2026

تمثلات كرة القدم في الفن التشكيلي وفنون الشارع

حين تتجاوز لعبة كرة القدم ما نراه أمامنا على الشاشة أو حتى في الملعب، إلى ما تثيره في عشاقها من إيقاعات عاطفية متبدلة، ومن توازن خفي بين القلب والعقل، وبين التخيل ودقة التنفيذ، وصولا إلى قدرتها على إعادة تشكيل ما يحيط بها عبر دوراتها، فإنها تتجاوز كونها حدثا ترفيهيا أو لعبة جماهيرية، لتصبح فنا يعيد ابتكار العالم، ولو لفترة وجيزة قبل أن يعود إلى شكله الأول، بهمومه وصراعاته المستميتة.

هذا ما شهدناه، على سبيل المثل، في لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية الطويلة. ففي أوقات كثيرة كان المقاتلون يلقون بنادقهم جانبا، ويجتمعون في الشوارع وعلى ما اصطلح على تسميته بـ"خطوط التماس" لمشاهدة المباريات. كانت الخصومات، ولو مؤقتا، تتراجع إلى الخلف، فيما تتقدم لعبة كرة القدم، لتخلق مساحة مشتركة يتقاسمها أناس فرقتهم السياسة والحرب.

مسرح الاضطراب والطمأنينة

وكما يحدث في الانغماس في الفن، سواء في صناعته أو في متعة تلقيه، تفتح كرة القدم بوابات خفية على حالة شبه حلمية، يتكثف فيها المعنى وتتسارع فيها وتيرة الحماسة، فتقصي، على نحو يكاد يبدو عجائبيا، ما يقع خارج ذلك الفلك المعلق من قسوة واضطراب. وعلى خلاف كثير من جوانب الحياة الواقعية، تمنح كرة القدم بنية واضحة: بداية وذروة ونهاية، تتوج غالبا بفائز حاسم. وهذا الوضوح يوفر قدرا من الطمأنينة النفسية في عالم يتسم، في معظم الأحيان، بالغموض والالتباس.

من هذه الزاوية، يبدو الانغماس في الفن ومتابعة كرة القدم، ولا سيما على المسارح العالمية الكبرى ككأس العالم، كأنهما يخضعان لقوانين متوازية على نحو لافت. ففي فعل الإبداع يمنح الفنان رحمة المحاولة الثانية، حرية المحو وإعادة التشكيل والعودة إلى ما بدا خطأ في لحظة سابقة. هناك يبدو الزمن أكثر سخاء، يتمدد بما يكفي ليمنح ما هو غير مكتمل فرصة لاكتساب شكله النهائي. وهكذا يغدو الإبداع نوعا من التفاوض مع الزمن، سعيا بطيئا نحو الاكتمال، حيث لا يصبح شيء نهائيا تماما إلا حين يحسم أمره.

ينقل الفن التشكيلي كرة القدم من الواقع البحت إلى الأسطورة عبر أيقنة حركة ذكية أو شجاعة جرت على الملعب

وفي كرة القدم تتجلى ديناميكيات مشابهة، ويتردد صداها في ركلات الجزاء وفي الفترة المعروفة بـ"الوقت الضائع". فهذه المرحلة من المباراة تعد من أكثر لحظات اللعبة كثافة ودلالة، إذ يبدو الزمن فيها مصنوعا من مادة أخرى قوامها الشغف، وخيوطها التوق إلى تحقيق أهداف عسيرة قد تحمل في طياتها آثارا تمتد إلى ما بعد المباراة نفسها. ففي تلك الدقائق القليلة يتبدل الإحساس بالوقت، وتتسع اللحظة إلى ما هو أبعد من حدودها الزمنية، حتى يبدو المستقبل كله معلقا على تسديدة واحدة.

العزاوي والبهجوري

لعب الفن، سواء من خلال الرسم أو النحت أو فن الشارع أو التجهيز الفني، دورا مهما في مد هذه الحالة بالكثير من الدلالات، وليس في ذلك أي مبالغة. فحين تنتهي المباريات، تبقى الأعمال الفنية الناجحة منعشة لروح الفكرة والمشاعر التي رافقت هواة كرة القدم واللاعبين على السواء خلال فترة المباريات. فعلى عكس وسائل الإعلام التي تقدم صورا مباشرة، ينقل الفن التشكيلي كرة القدم من الواقع البحت إلى الأسطورة عبر أيقنة حركة ذكية أو شجاعة جرت على الملعب، أو عبر تجسيد لاعب كرة قدم كآله إغريقي أو بطل معاصر. وبالمثل، تصور الملاعب في كثير من الأحيان ككاتدرائيات من النور يبدو فيها أن فوضى العالم الخارجي قد اختفت فعلا. ولعل أروع ما يكون هو قدرة الفن التشكيلي، بشكل خاص، على تعليق لحظة محددة والاحتفاء بها بكل ما أوتي الفنان من قدرة ومعرفة وشغف.

في هذا السياق نذكر الفنان العراقي ضياء العزاوي الذي قدم عملين مهمين أطلق على أحدهما "خمسة أطفال يلعبون كرة القدم". وعلى عكس التمثيلات الرياضية التقليدية التي تحتفي بخفة اللعبة ومرحها، استخدم الفنان كرة القدم كلغة فنية للتعبير عن موقف إنساني يندد بالحرب. وقد جاء هذا العمل الفني استجابة مباشرة لمقتل أربعة من أبناء عمومة عائلة بكر بقصف أثناء لعبهم كرة القدم على شاطئ غزة خلال حرب عام 2014. وهكذا حول الفنان مشهد الطفولة البريء إلى شهادة قاسية على الفقدان وعنف الصراعات المسلحة.

facebook-George Bahgouryهى
لوحة للفنان المصري جورج بهجوري من سلسلة «الحب وكرة القدم».

أما الفنان المصري جورج بهجوري الذي عرف بدمجه كرة القدم والثقافة الشعبية في أعماله التي استلهمت التكعيبية، فجسد حيوية هذه اللعبة التي هي بالنسبة له عنصر أساس من الهوية الوطنية. للفنان أعمال شهيرة يصور فيها الأطفال وهم يلعبون الكرة في أزقة القاهرة ومشاهد المقاهي الشعبية خلال مباريات المنتخب الوطني، حيث يساعد أسلوبه التكعيبي، القائم على تعدد المنظورات، في تجسيد الحركة الديناميكية للاعبين، ومسارات الكرة بطريقة بصرية نابضة بالإيقاع.

نذكر أيضا معرض" الفن وكرة القدم" الذي أقيم في الدار البيضاء سنة 2018 وجمع عشرين فنانا مغربيا وما يقارب أربعين عملا فنيا. من بين الفنانين المشاركين، كان الفنان زكريا الرمهاني ولوحته التي خلدت الهدف الذي سجله مارادونا بيده في مباراة الأرجنتين وإنكلترا ضمن ربع نهائي كأس العالم، وهي اللقطة التي عرفت عالميا باسم  "يد الله".  كما قدم نبيل المكلفي أعمالا مثل "فووتوش" استكشف فيه الهوية المغربية والانفعالات الجماعية. وبرز الفنان محمد الباز بأعمال تركز على ديناميكيات الفريق ملقيا الضوء على الأثر الاجتماعي لرياضة كرة القدم.

instagram-zakaria ramhani
لفنان زكريا الرمحاني إلى جانب لوحته المستوحاة من هدف مارادونا الشهير باليد في مباراة الأرجنتين وإنجلترا.

حظّ موفق

على الرغم من حيوية تلك الأعمال، لم تكن كرة القدم موضوعا رئيسا في الفن التشكيلي العربي، مقارنة بموضوعات مثل الحياة اليومية أو السياسة أو الهوية. غير أنها حضرت بصورة أوضح في الرسم التوضيحي، وفن "البوب"، وفن الملصقات، والجداريات. تحضر إلى الذهن، في هذا السياق، الجداريات التي صور فيها مارادونا على خلفية شوارع نابولي الرمادية والفقيرة، حيث تحول اللاعب إلى أيقونة شعبية تتجاوز حدود الرياضة.

قدمت الفنانة السعودية لولوة الحمود لوحة جدارية رملية عملاقة حملت عنوان "حظ موفق" كرسالة تشجيعية موجهة إلى المنتخب السعودي

وقد حركت كرة القدم خيال العديد من الفنانين على اختلاف ممارساتهم الفنية. ومن الأمثلة البارزة فرقة "أشكمان" اللبنانية، التي أنجزت في بيروت جداريات ضخمة ربطت بين ديناميكية كرة القدم ورسائل السلام، مذكرة بأن جميع اللبنانيين، على أرض الملعب، يرتدون القميص نفسه. ومن المملكة العربية السعودية تبرز الفنانة بيان ياسين، التي جمع عملها المرتبط بكأس العالم 2026 بين الفن المعاصر والعناصر البصرية المستمدة من التراث المحلي. وقد نفذ هذا التصميم ضمن مبادرة خاصة أطلقتها منصة رياضية عالمية، "سبورتس إللاستريتد"، تمثلت في مشروع فني مستقل لتصميم 48 غلافا رقميا للدول المشاركة في كأس العالم، وذلك برؤية وإبداع فنانين محليين من مختلف أنحاء العالم. كما قدمت الفنانة والمنسقة الفنية السعودية الشهيرة لولوة الحمود لوحة جدارية رملية عملاقة ظهرت في الصحراء خارج مدينة الرياض حملت عنوان "حظ موفق"، كرسالة تشجيعية موجهة إلى المنتخب السعودي لكرة القدم، "الصقور الخضر"، بالتزامن مع سفرهم للمشاركة في بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك.

تدل هذه النماذج على التقاطع الوثيق بين كرة القدم والأشكال البصرية ذات الطابع الجماهيري، وهو تقاطع يعود إلى ما تشترك فيه هذه المجالات من بساطة وانتشار وقابلية لإعادة الإنتاج، بخلاف الفنون الأكثر نخبوية المرتبطة باللوحات الزيتية أو الأعمال المتعددة الوسائط. وقد ساهم هذا التلاقي بين الفن التوضيحي وكرة القدم في تحويل اللعبة إلى مادة بصرية سريعة الإيقاع، تركز على الحركة واللحظة الآنية أكثر مما تركز على التأمل الطويل.

في المقابل، يختلف منطق حضور كرة القدم في فن اللوحة والنحت، حيث يجري التعامل معها ببطء وتأمل أكبر، فتتحول إلى مدخل لطرح قضايا سياسية وانتقاد أوضاع اجتماعية كالفقر والتهميش وازدواجية المعايير. مع ذلك، يستثنى من هذا التصنيف بعض الفنانين الذين يمزجون بين الغرافيك والفن التشكيلي، ومن أبرزهم بانكسي. ففي عمله الجداري الشهير، "مباراة الأنقاض"، رسم أطفالا يلعبون كرة القدم وغيرها من الألعاب بين الأنقاض، مستخدمين برج مراقبة إسرائيليا مدمرا بوصفه قائم مرمى. وهو عمل يدفع المتلقي إلى تخيل مشاهد أكثر مأسوية، حيث تستمر الرغبة في اللعب والحياة حتى في أقسى الظروف الإنسانية.

MOHAMMED ABED / AFP
طفل فلسطيني يمر أمام جدارية لبانكسي تصور أطفالا يستخدمون برج مراقبة إسرائيليا كأرجوحة، في بيت حانون، 2015

طابع أسطوري

لعب الفن، عبر الرسم والنحت وفن الشارع والتجهيز الفني، دورا مهما في توفير مساحة للهروب المؤقت من الواقع. وعلى خلاف وسائل الإعلام ذات الصور العابرة، أسهم الفن التشكيلي والتوضيحي في إضفاء طابع أسطوري على كرة القدم وتحويل بعض اللاعبين إلى أيقونات عالمية تتجاوز شهرتهم حدود الرياضة. في هذا المعنى، ينصرف انتباه المتلقي أحيانا عن السياقات السياسية والجيوسياسية القاتمة نحو جمال الحركة وعمق الإحساس الإنساني، فيما تصور الملاعب كفضاءات شبه مقدسة تغمرها الأضواء، وبعيدة ظاهريا عن صراعات العالم. ومن خلال هذا التحويل البصري، يمنح الفن التشكيلي والتوضيحي كرة القدم بعدا شعريا وجماليا يجعلها تبدو عملا فنيا متكاملا أكثر من كونها صناعة تجارية أو أداة سياسية، فضاء يتوارى فيه العالم الخارجي ويخترقه في الوقت نفسه.

يمنح الفن كرة القدم بعدا شعريا وجماليا يجعلها تبدو عملا فنيا متكاملا أكثر من كونها صناعة تجارية أو أداة سياسية

في المقابل، يسعى بعض الفنانين، تشكيليين أكانوا أم توضيحيين، إلى اختراق هذه الفقاعة وكشف ما تحجبه، محولين كرة القدم إلى أداة للاحتجاج السياسي ومواجهة اللامبالاة العامة وإظهار الهشاشة الإنسانية من دون الوقوع في فخ التشهير أو الاستغلال. يتجلى ذلك في أعمال تعدل شعارات "الفيفا" أو رموزها، فتستبدل الكرة بقنبلة، أو تضع مشاهد الاحتفال الرياضي جنبا إلى جنب مع صور الدمار ومخيمات اللاجئين.

ومن أبرز الأمثلة على هذا التوجه، العمل النحتي الضخم، "الرأسية"، للفنان عادل عبد الصمد، الذي خلد لحظة "نطح" زين الدين زيدان لماركو ماتيراتزي في نهائي كأس العالم 2006. وقد أوضح الفنان أنه أراد إبراز لحظة سقوط البطل، وإضفاء طابع إنساني على هذه الأيقونة الرياضية، من خلال تسليط الضوء على بعدها التراجيدي. ويعد هذا العمل مثالا واضحا على الكيفية التي تتقاطع بها الفنون التشكيلية والنحتية مع فنون الشارع والكاريكاتور والغرافيك للتعبير عن فكرة إنسانية عميقة: هشاشة البطل، أو هشاشة الإنسان عموما.

Getty Images
عمل فني يجسد نطحة زين الدين زيدان لماركو ماتيراتزي في نهائي كأس العالم 2006

إنها علاقة تبادل متبادل بين الفن وكرة القدم، فالفن يضفي على اللعبة قدرا من النبل والشاعرية والعمق الرمزي، بينما تستفيد الفنون البصرية من الشعبية الجارفة لكرة القدم للوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعا، متجاوزة بذلك حدود النخب الثقافية التقليدية.

بالنسبة الى كثير من الناس، قد يثير دخول معرض للفن المعاصر شعورا بعدم الأهلية، وكأنهم لا يمتلكون المعرفة الضرورية لفهم الأعمال. لكن موضوع كرة القدم يأتي ليكسر هذا الحاجز، فما كان نخبويا يتشكل اليوم بقالب شعبوي، وتتلاشى صعوبة الوصول إلى فحوى الأعمال الفنية لارتباطها بالمشاعر الجماعية. وفي هذا السياق، تنظم العديد من المتاحف الكبرى اليوم معارض مخصصة بالكامل لثقافة كرة القدم، يقصدها المشجعون مع عائلاتهم، وغالبا ما يرتدون قمصان فرقهم، مما يحول فضاء المتحف الهادئ إلى مساحة نابضة بالحياة والحماسة. إنه تجسيد حي لتكامل الثقافة والفن مع الشغف الشعبي.

الكرة الفيتروفية

أنتج هذا التداخل الشيق بين الفنون أسلوبا بصريا معاصرا يتسم بالدراما والتعبير القوي. ولعل أهم عمل يختصر كل ما ذكرناه آنفا هو وللمفارقة عمل جماعي غير منسوب لفنان واحد، تماما كما هي لعبة كرة القدم. هذا العمل هو في الأصل تصميم رقمي منتشر على الإنترنت، أنجزه وعممه عدد من المصممين المستقلين الذين قدموا نسخا متعددة تصور النجم رونالدينيو على هيئة "الرجل الفيتروفي". "الرجل الفيتروفي" في الأصل هو لوحة باهرة لعملاق الفن ليوناردو دافنشي، أنجزها لتوثيق التناسبات المثالية للجسم البشري داخل دائرة ومربع هندسيين.

وتقوم النسخ الحديثة على استبدال الشكل الكلاسيكي بلاعب كرة القدم في وضعية تمدد مع الكرة، بما يحول الرسم إلى تحية معاصرة فذة لثقافة كرة القدم، حيث تبرز فكرة هندسة مهارة اللاعب وترتفع اللعبة إلى مرتبة الفن الخالص.

تستفيد الفنون البصرية من الشعبية الجارفة لكرة القدم للوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعا، متجاوزة بذلك حدود النخب الثقافية التقليدية

في تلك الرسمة الرقمية بنسخها المتنوعة، يقدم اللاعب كفنان داخل الملعب، في انسجام كلي مع شبكة التوترات المحيطة به، مما يعيد إلى الأذهان فلسفة دافنشي، حيث يتحرك الإنسان بانسجام ضمن دائرة تشبه الكرة، لتصبح امتدادا للجسد ودليلا على السيطرة والسلاسة الحركية. كما يمكن قراءة هذا العمل الرقمي بوصفه احتفاء بالفردية وهي تذوب في جسد الجماعة، حيث يتحول الفرح بالحياة والقدرة على ابتكار نظام حركي دقيق، في قلب الدائرة التي يحف بها الموت من كل جانب، إلى نوع من ادخار الفرح لما يمكن أن يحمله المستقبل حين تبدأ الفقاعة في التلاشي مع نهاية صافرة المباراة.

font change