"الفيفا" ومسار التحول من شعرية اللعب إلى نثر الخوارزميات

كيف شكّل كرة القدم كما نعرفها اليوم

AFP
AFP
مارادونا يسجل أمام بلجيكا في نصف نهائي مونديال 1986

"الفيفا" ومسار التحول من شعرية اللعب إلى نثر الخوارزميات

سبقت كرة القدم ظهور الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بعقود. وترتبط صيغتها الحديثة بتأسيس الاتحاد الإنكليزي عام 1863، حين جرى توحيد قواعدها وفصلها عن ألعاب أخرى مثل الرغبي. وسرعان ما انتشرت في المدارس والجامعات والأحياء الصناعية والمدن مع اتساع نفوذ الإمبراطورية البريطانية والتحولات التي رافقت الثورة الصناعية.

وخلال أقل من نصف قرن تحولت اللعبة إلى ظاهرة عالمية، وانتشرت في أوروبا وأميركا الجنوبية، وظهرت مئات الأندية والاتحادات المحلية. كما سبقت المباريات الدولية المنتظمة تأسيس "الفيفا"، وشكلت بطولة الجزر البريطانية بين عامي 1883 و1884 أول مسابقة دولية في تاريخ اللعبة.

وأطلق تأسيس "الفيفا" في باريس عام 1904 مرحلة جديدة من التنظيم والتوحيد، بعدما فرض الانتشار المتسارع للعبة الحاجة إلى مرجعية دولية تشرف على القواعد والعلاقات بين الاتحادات وتنظم المنافسات الدولية. ثم جاء إطلاق كأس العالم في الأوروغواي عام 1930 ليمنح المؤسسة موقعا يتجاوز الإدارة الرياضية إلى سلطة رمزية عالمية تتقاطع مع السياسة والثقافة والهوية.

وسرعان ما تحولت كرة القدم إلى كناية مفتوحة عن العالم الحديث. فقدمت بديلا رمزيا وسلميا من الصراع بين الأمم والجماعات، وصنعت في الوقت نفسه لغة مشتركة عابرة للحدود. وتجاوزت المنتخبات الوطنية موقعها الرياضي لتغدو حاملة لصورة الشعوب ومكانتها.

غير أن اتساع سلطة "الفيفا" ترافق مع اتساع مساحة التنظيم والضبط والإدارة. تراكم أثر هذا المسار على شكل تراجع تدريجي لنزعات المغامرة والارتجال والمفاجأة لمصلحة الانضباط والتخطيط والتقنية والمنطق الحسابي. من هنا تكتسب ملاحظة السينمائي والشاعر الإيطالي بيار بازوليني أهميتها الخاصة، إذ رأى أن كرة القدم تنتج لغة ذات بنية دلالية تتأرجح بين الشعري والنثري، يدعم الأول المراوغة والاختراع ونشوة الهدف، بينما ينحاز الثاني إلى التنظيم والانضباط. وقد دفع "الفيفا"، عبر تراكم مراحل مختلفة من تاريخه، اللعبة نحو مزاج نثري أخذ يفرض حضوره تدريجيا على روحها.

تكشف سيرة المؤسسة عن انتقال الثقل من تنظيم المنافسات وصناعة الهوية العالمية لكرة القدم إلى الانسجام مع مطالب الرعاة وحقوق البث والإعلانات وسوق انتقالات اللاعبين. تفشى الفساد نتيجة تلك التحولات، فيما دفعت التقنيات التحكيمية وأنظمة التتبع والبيانات والخوارزميات اللعبة إلى مرحلة جديدة تتسع فيها السلطة التقنية على حساب العناصر التي صنعت سحر اللعبة.

قبل "الفيفا": الأساطير والبنى الرمزية

تشكلت كرة القدم من حاجة جماعية إلى الاحتفال والتنفيس وصناعة فضاء رمزي يخفف وطأة التفاوت الاجتماعي والسلطات القائمة. خرج ذلك الطقس الجماعي من قلب الأجواء الاحتفالية الشائعة في الثقافات الأوروبية ليمنح الناس مساحة تعبيرية عامة تكسر إيقاع الحياة اليومية.

لم تعد المؤسسة تكتفي بصناعة القوانين، بل أخذت تصوغ خيالا جماعيا عالميا تنتقل فيه معاني المجد والبطولة والهوية من الملعب إلى المجال العام

تساعد أفكار ميخائيل باختين حول الكرنفال في فهم هذا الأصل الرمزي، إذ يرى أن الاحتفالات الشعبية لا توفر استراحة مؤقتة من الواقع فحسب، بل تخلق فضاء تتعطل فيه التراتبيات الاجتماعية وتتداخل الهويات والأدوار. كما تكشف الأساطير المرتبطة بأصول اللعبة عن وعي مبكر بوظيفتها الرمزية. وتروي أشهر هذه الأساطير أن اللاعبين كانوا يتقاذفون رؤوس أعدائهم المقطوعة قبل أن تتحول الممارسة إلى لعبة أقل عنفا. ولا تملك هذه الرواية سندا تاريخيا مؤكدا، لكنها تعبر بوضوح عن تصور يرى في كرة القدم بديلا رمزيا من الحرب والصراع المباشر.

ورأى المؤرخ الهولندي يوهان هويزينغا أن الثقافة تنشأ بوصفها لعبا قبل ان تتخذ أشكالا مؤسساتية ثابتة، بينما اعتبر العالم الإنكليزي ديزموند موريس أن كرة القدم الحديثة لا تزال تحمل آثار البنى القبلية القديمة، وليس مشهدها المعاصر سوى نسق إعادة إنتاج تتحول الألوان فيه إلى رايات، والشعارات إلى هويات، والمدرجات إلى جماعات ولاء متعصبة، حيث تطلق المباريات مشاعر الانتماء والتنافس والانتصار في صورة رمزية جديدة.

وحين ظهر "الفيفا"، كانت كرة القدم قد أنشأت عالمها الرمزي والشعائري بالفعل، لكنها كانت تفتقر إلى الإدارة والتنظيم والتشريع، وإلى إطار عالمي قادر على توحيد قواعدها وربطها بمنظومة قيم تتجاوز حدود المجتمعات المحلية.

من صوغ القوانين إلى السوق الرقمية

تمثل سيرة "الفيفا"، إلى حد بعيد، سيرة انتقال العالم إلى القرن العشرين وتحولاته الكبرى وصولا إلى الثورة الرقمية في القرن الحادي والعشرين. فقد دافعت المؤسسة عبر مراحلها المختلفة عن معان مختلفة للسلطة والإدارة، ونسج كل رئيس علاقة خاصة بين كرة القدم والعالم والسوق والتكنولوجيا. ولهذا تختصر مسيرتها سلسلة التحولات التي رسمت ملامح اللعبة كما نعرفها اليوم.

AFP / Maria R. Bastone
رئيس "الفيفا" جواو هافيلانج يعلن الهيكل التسويقي والتجاري لمونديال 1994

مع ظهور "الفيفا" عام 1904 كانت المهمة الأولى تتعلق بتوحيد قوانين اللعبة وتنظيمها. واتسمت مرحلة البدايات بمحاولات التأسيس وبناء المرجعية القانونية للعبة وتوحيد قواعدها وعلاقات الاتحادات الوطنية بعضها ببعض. ومع تولي الفرنسي جول ريميه الرئاسة بين عامي 1921 و1954 دخل "الفيفا" مرحلة مختلفة. فقد أطلق كأس العالم عام 1930 وفتح بذلك المجال أمام بناء واحدة من أقوى البنى الرمزية في العصر الحديث. ولم تعد المؤسسة تكتفي بصناعة القوانين، بل أخذت تصوغ خيالا جماعيا عالميا تنتقل فيه معاني المجد والبطولة والهوية من الملعب إلى المجال العام. وتحولت مباريات كأس العالم إلى مسرح رمزي تتنافس فيه الأمم على المكانة والاعتراف، واكتسب الفوز بها معنى يقترب من السيادة الرمزية على العالم.

وفي المرحلة التالية توسعت عضوية "الفيفا" مع ظهور دول جديدة بعد الحرب العالمية الثانية. فتراجعت المركزية الأوروبية لصالح مشهد يتماشى مع النظام العالمي المنبثق من نتائج الحرب العالمية الثانية.

العولمة الاقتصادية وسلطة البيانات

ومع وصول البرازيلي جواو هافيلانج إلى الرئاسة عام 1974 بدأت كرة القدم تعلن دخولها الكامل إلى عصر العولمة الاقتصادية. توسعت البطولة، وارتبط هذا التوسع بشبكات الإعلان والرعاية وحقوق البث التلفزيوني. اكتسبت الجماهير قيمة اقتصادية متزايدة، وتحولت المشاهدة إلى سلعة عالمية، فيما دخلت الشركات المتعددة الجنسيات إلى قلب المشهد الكروي.

انتشرت ثقافة البيانات لتنتج نمطا جديدا من اللعب ينحاز إلى الحساب والكفاءة التقنية ويضيق فيه هامش المخاطرة والارتجال

لعب رجل الأعمال الألماني هورست داسلر، وارث أديداس، دورا محوريا في ربط كرة القدم بالاقتصاد العالمي. وسرعان ما أصبحت العلامات التجارية الكبرى جزءا أساسيا من البطولة. وتحول اللاعب إلى واجهة إعلانية عالمية، واكتسب جسده وصورته وقميصه وحذاؤه قيمة تجارية مستقلة عن الأداء الرياضي نفسه. وظهر نجوم مثل بيليه ومارادونا بوصفهم أيقونات كونية تتجاوز حدود الملعب. وجاءت رئاسة السويسري جوزيف بلاتر بين عامي 1998 و2015 لتدفع هذا المسار إلى ذروته. فقد ارتفعت قيمة حقوق البث والمشاهدة التلفزيونية إلى مستويات غير مسبوقة، وتحول كأس العالم إلى أحد أكثر الأحداث ربحية وتأثيرا في العالم، واتسعت سلطة "الفيفا" لتتجاوز حدود الرياضة نحو الثقافة والسياسة والاقتصاد.

AFP / Raul Arboleda
الألعاب النارية خلال افتتاح كأس العالم في قطر، 2022

أما مرحلة السويسري الإيطالي جياني إنفانتينو فتتميز بسيطرة التكنولوجيا والبيانات على اللعبة. فقد دخلت أنظمة التتبع والتحليل والإحصاء إلى كل تفاصيل الأداء، وتحولت قيمة اللاعب إلى أرقام قابلة للقياس. وصارت التمريرات والمسافات والسرعات ونسب النجاح جزءا من خطاب يسيطر على صورة كرة القدم. وانتشرت ثقافة البيانات لتنتج نمطا جديدا من اللعب ينحاز إلى الحساب والكفاءة التقنية ويضيق فيه هامش المخاطرة والارتجال.

ومن التأسيس القانوني إلى صناعة الرموز، ومن العولمة الاقتصادية إلى السلطة الرقمية، تكشف سيرة "الفيفا" عن تحولات العالم نفسه. فقد كانت كرة القدم غاية قائمة بذاتها، ثم تحولت تدريجيا إلى وسيط تمر عبره مصالح السوق والإعلام والتكنولوجيا، وإلى واحدة من أكثر السلع الثقافية قدرة على إنتاج النفوذ والتأثير.

قمصان الأمم

ارتبطت كرة القدم الحديثة بصعود الدولة القومية، فقد تزامن انتشار اللعبة وقيام "الفيفا" مع ترسخ الأمة بوصفها التعبير الأعلى عن الانتماء السياسي والثقافي. صنعت الأمم كرة القدم، وبادلتها اللعبة التأثير نفسه.

وتبقى قراءة المؤرخ وعالم السياسة الأميركي بندكت أندرسون للأمة بوصفها "جماعة متخيلة" مدخلا أساسيا لفهم هذا الارتباط. فأبناء البلد الواحد الذين لا يعرف بعضهم بعضا يجدون أنفسهم منضوين داخل هوية ومصير مشتركين. ولا شيء يضاهي قدرة كرة القدم على دفع هذه المشاعر إلى أقصى حدودها، لأنها تمنحها لونا وقميصا وساحة ومشهدا وصوتا وحضورا جماعيا صاخبا.

AFP / Ulises Ruiz
مشجع مكسيكي بقناع المصارعة يحمل نسخة من كأس العالم خلال مونديال 2026

وتتحرك الدولة القومية بين مستويين من الوجود: وجود واقعي يمكن قياسه بالمؤشرات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية، ووجود رمزي يتغذى من الذاكرة والبطولة والصور التي تنتجها الجماعة عن نفسها. وفي هذا المستوى الثاني تؤدي كرة القدم دورا استثنائيا. فالدولة التي تعاني أزمات أو انقسامات تستطيع، عبر الانتصار الكروي، أن تستعيد فجأة صورة القوة والوحدة والهيبة. وهكذا لا تظهر الأمة كما هي، بل كما ترغب في أن تكون.

ولذلك انتبهت الأنظمة السياسية مبكرا إلى قوة كرة القدم، فاستخدمت أمجادها لتغطية الإخفاقات وتلميع السلطات وصناعة الإجماع. وتحولت المشاعر التي تطلقها مباريات المنتخبات الوطنية بسهولة إلى عناوين يتم استثمارها في بناء صورة وهمية لأنظمة الحكم وتسويقها.

وفهم "الفيفا" مبكرا قيمة هذا العالم الرمزي الذي يديره. فالمؤسسة لم تعد تبيع بطولة رياضية فحسب، بل تبيع المجد والمكانة والصورة والاعتراف. وهي عناصر لا حدود فعلية للسوق المرتبطة بها. ومن هنا بدأ التحول الكبير الذي تسارع منذ الثمانينات وتراكم مع العولمة الإعلامية حتى بلغ ذروته في القرن الحادي والعشرين. واتسعت البطولات وارتفعت أسعار التذاكر بصورة غير مسبوقة، وظهرت أسواق موازية تباع فيها بعض البطاقات بآلاف الدولارات. وأصبحت الرغبة الوطنية في الفوز والتفوق موردا اقتصاديا هائلا تستثمره المؤسسة باستمرار.

وهكذا تحولت قمصان الأمم، في كثير من الأحيان، إلى أدوات داخل سوق عالمية تتضخم باستمرار لتمنح "الفيفا" موقع إمبراطورية دائمة التوسع.

ضد "الفيفا"

عرفت مؤسسة "الفيفا" انقلابات عميقة طالت هويتها ومعناها، واشتدت مع تحولها إلى مؤسسة تجارية هائلة تبيع النفوذ والصورة والأحلام والمكانة الرمزية. ولهذا لم تكن الاحتجاجات التي انفجرت ضدها  اعتراضات على قرارات إدارية أو رياضية، بل مثلت دفاعا عن كرة القدم نفسها ورفضا لتحويلها إلى أداة في خدمة الدعاية السياسية أو السوق على حساب اللاعبين واللعبة.

انتبهت الأنظمة السياسية مبكرا إلى قوة كرة القدم، فاستخدمت أمجادها لتغطية الإخفاقات وتلميع السلطات وصناعة الإجماع

ومع اتساع نفوذ المؤسسة اكتسبت قراراتها طابعا عالميا يتجاوز المجال الرياضي. فرغم شعارات المساواة ومناهضة العنصرية والاستغلال، وجدت نفسها مرارا في مواجهة اتهامات تتعلق بالتناقض بين الخطاب والممارسة، وبالانحياز إلى منطق السوق والتفاهم مع سلطات المال بصرف النظر عن طبيعتها السياسية. وتعود جذور هذه الإشكالية إلى مراحل مبكرة. فقد منح تنظيم كأس العالم لإيطاليا الفاشية عام 1934 بعدا دعائيا واضحا للنظام الحاكم، وتكرر المشهد مع الأرجنتين في ظل الحكم العسكري. وهكذا دخل الحدث الكروي مبكرا في تقاطعات السياسة والسلطة.

AFP / Evaristo Sá
سقراط ولولا خلال مباراة ودية في برازيليا، 2005

وقد خرجت الاعتراضات من قلب اللعبة نفسها. فقد رفض اللاعب البرازيلي سقراط فصل كرة القدم عن الشأن العام، وأطلق مشروعه الديمقراطي داخل نادي "كورينثيانز" في مواجهة السلطوية العسكرية، مؤكدا أن اللعبة ملك للشعوب لا للمؤسسات الاقتصادية والإدارية.

أما الأرجنتيني مارادونا فنقل المواجهة إلى مستوى أكثر حدة. فقد مثل نقيضا كاملا للصورة المنضبطة التي كانت المؤسسة تسعى إلى تسويقها، وجسد بفوضاه الخلاقة وتمرده حضورا يكاد يوازي المؤسسة نفسها. وعندما هاجم مواعيد المباريات التي فرضها البث التلفزيوني في مونديال 1986، كان يدافع عن اللاعبين في مواجهة منطق الأرباح. وحين أخرج من مونديال 1994 بقيت صورته في ذاكرة الجماهير كرمز للصدام بين السلطة الكروية وأكبر أساطير اللعبة.

AFP
مارادونا يسجل "هدف القرن" في مرمى إنكلترا خلال مونديال 1986

وفي التسعينيات هاجم النجم الفرنسي إريك كانتونا تحول كرة القدم إلى سوق تهيمن عليها الحسابات المالية، معتبرا أن قيمة اللعب أخذت تتراجع أمام منطق الربح.

استهلاك الأجساد والتمييز الجندري

تستمر الاعتراضات اليوم بصيغ جديدة. فقد حذر نجوم "مانشستر سيتي"، رودري وكيفين دي بروين وهالاند وغيرهم من أن توسع البطولات وتكدس المباريات يدفعان اللاعبين إلى تجاوز حدودهم الجسدية والنفسية. وباتت روزنامة المباريات العالمية بمثابة نسق استهلاك متسارع للأجساد، بينما يزداد الضغط على اللاعبين كي يتجاوزوا حدود قدراتهم وطاقة احتمال أجسادهم.

ولم تقف هذه الاعتراضات عند اللاعبين، ولكنها اتسعت لتطول روابط اللاعبين والدوريات الأوروبية التي اتهمت الاتحاد الدولي بإساءة استخدام نفوذه على حساب صحة اللاعبين ومستقبل اللعبة.

Getty Images
ميغان رابينو تركع أثناء عزف النشيد الوطني احتجاجا على التمييز العنصري

وكذلك واجهت مؤسسة "الفيفا" انتقادات متواصلة في ملف كرة القدم النسائية. فكشفت تصريحات جوزيف بلاتر حول "جاذبية" اللاعبات، ثم قضية كأس العالم للسيدات على العشب الصناعي عام 2015، عن نظرة دونية متأصلة تجاه كرة القدم النسائية.

حين أخرج مارادونا من مونديال 1994 بقيت صورته في ذاكرة الجماهير كرمز للصدام بين السلطة الكروية وأكبر أساطير اللعبة

وقادت ميغان رابينو، قائدة المنتخب الأميركي لكرة القدم، واحدة من أبرز هذه المواجهات، حين نقلت النقاش من الاعتراف الرمزي إلى مطلب المساواة الفعلية والمحاسبة. ثم جاءت قضية القبلة القسرية التي طبعها رئيس الاتحاد الإسباني لويس روبياليس على شفتي اللاعبة جيني هيرموسو بعد نهائي كأس العالم للسيدات 2023 لتفتح نقاشا أوسع حول السلطة والكرامة والتحرش الجنسي داخل عالم كرة القدم.

العنصرية وتغطية الأنظمة

تكررت المفارقة بحدة أكثر في ملف العنصرية. فبينما يرفع الفيفا شعار "لا للعنصرية"، رأى لاعبون كثر أن العقوبات والإجراءات بقيت أقل من مستوى المشكلة. وعبر النجم البرازيلي ولاعب ريال مدريد فينيسيوس جونيور عن ذلك بوضوح حين أكد أن العنصرية صارت ظاهرة مألوفة واعتيادية في الملاعب.

وكان النجم الفرنسي ليليان تورام قدم نقدا عنيفا تجاوز الهتافات العنصرية نفسها، لينبه إلى البنى الثقافية العريضة التي تتعامل مع اللاعب الأسود كقيمة رياضية وسوقية، ولكنها لا تعنى بحمايته ومعاقبة من يكيل له الإهانات العنصرية.

AFP / Patricia de Melo Moreira
فينيسيوس جونيور يحتج على إساءات وهتافات عنصرية خلال مباراة في دوري أبطال أوروبا، 2026

وانفجرت الاعتراضات لتشمل المؤسسات السياسية والجماهير. فقد انتقد البرلمان الأوروبي منح بعض البطولات لجهات تطولها اتهامات بخرق حقوق الإنسان، وكذلك كانت احتجاجات واسعة قد انفجرت خلال كأس العالم 2014 في البرازيل ضد تقديم الاستثمارات الضخمة في الملاعب تلبية لشروط "الفيفا" على حساب المدارس والخدمات الضرورية.

ما يجمع كل عناوين مواجهة سلطة "الفيفا" يرتبط عموما بالدفاع عن كرة القدم ورفض تحويلها إلى اقتصاد يعمل ضد جمهورها وصانعي معناها وشعبيتها. ومن هنا بدا الصراع مع "الفيفا"، في جوهره، صراعا على روح اللعبة نفسها وعلى القيم التي منحتها مكانتها العالمية.

فساد منهجي

اقتحمت الشرطة السويسرية فجر السابع والعشرين من مايو/ أيار 2015 فندق "بوراك أو لاك" في زيوريخ، وأوقفت عددا من كبار مسؤولي "الفيفا" بالتنسيق مع وزارة العدل الأميركية ومكتب التحقيقات الفيديرالي. وبعد فترة وجيزة من هذا الحدث تحولت القضية إلى أكبر فضائح الفساد في تاريخ الرياضة الحديثة، ووجدت كرة القدم نفسها في قلب عاصفة تهدد بتدمير الصورة التي نجحت في بنائها طوال عقود.

اتساع التحقيقات لم يكشف علنا الرشى والعمولات وحسب، بل أضاء على عالم كامل من الفساد العميق. ظهرت شركات واجهة تتوزع على الملاذات الضريبية. وانكشفت حسابات مصرفية سرية وعقود استشارية وهمية، وتقاطعت المعلومات عن تحويلات مالية معقدة تتحرك عبر القارات. وكشفت التحقيقات عن شبكة واسعة من الوسطاء والمحامين والمستشارين تحكمت لسنوات طويلة بأهم قرارات كرة القدم العالمية.

ما يجمع كل عناوين مواجهة سلطة "الفيفا" يرتبط عموما بالدفاع عن كرة القدم ورفض تحويلها إلى اقتصاد يعمل ضد جمهورها وصانعي معناها وشعبيتها

وقادت هذه الاكتشافات إلى سؤال أكبر من واقع الجريمة نفسها. فقد وسعت مؤسسة "الفيفا" نفوذها بصورة غير مسبوقة خلال العقود الأخيرة، وراكمت حول بطولاتها وحقوق بثها ورعايتها وإعلاناتها ثروات هائلة، وحولت كأس العالم إلى حدث تتنافس عليه الدول كما تتنافس على المشاريع الكبرى. ومع كل توسع جديد كان النفوذ الذي تمثله المؤسسة يتحول إلى قيمة مطلوبة سياسيا وسوقيا، وكانت المسافة تتسع بين الأصل المرتبط بإدارة اللعبة وبين المسار الذي أخذ يدفعها تدريجيا نحو إدارة المصالح المتراكمة حولها.

AFP
سيب بلاتر أمام محكمة التحكيم الرياضية في قضية فساد مرتبطة بميشال بلاتيني، 2016

وأكدت التحقيقات أن الفساد لم يعد يعيش على هامش اللعبة، ولكنه نجح في تشييد عالم كامل داخلها. وقد راكم ذلك العالم وسائطه وشبكاته وقواعد عمله ومساراته المعقدة، وانشغل بإعادة إنتاج نفسه وحماية شروط بقائه. ومع الوقت ازداد استشراء الفساد إلى حد بات قادرا على منافسة كرة القدم نفسها على مركزها داخل المؤسسة، وكأن اللعبة دفعت إلى مسار يتحول فيه الفساد، الذي نشأ بوصفه عارضا من عوارض التوسع، إلى أصل ومرجعية.

وقد تطلب الانشغال بتنظيم شؤون الفساد وترتيب مساراته وضبط شروط نجاحه جهدا إداريا وتنظيميا قد يفوق الجهد المخصص لإدارة اللعبة نفسها. لذلك بدا ما انكشف من بنية هائلة ومتراكمة للفساد داخل مؤسسة "الفيفا" علامة تنذر بتفكيك هوية كرة القدم وإخضاعها تدريجيا لمنطق الفساد. وعند هذه النقطة تغدو اللعبة نفسها معرضة لأن تتحول إلى واحد من منتجاته. ومن هنا اكتسب ما التقطته تحقيقات عام 2015 دلالة تتجاوز فضيحة مالية أو إدارية كبرى، إذ بدا نذيرا باحتمال موت كرة القدم نفسها عبر إخضاعها لفترة احتضار طويلة وشاقة ومؤلمة، تفقد خلالها اللعبة شيئا من روحها ومعناها في كل مرة ومع كل كأس عالم جديدة.

من السحر إلى التقنية

حين كتب بازوليني عن الشعر والنثر في كرة القدم، كان يلتقط توترا يتجاوز أساليب اللعب. فقد انطوت اللعبة منذ ولادتها الحديثة على صراع بين نزعتين متعارضتين: نزعة تدفع نحو النظام والانضباط والقياس، وأخرى تدفع نحو الحدس والمخاطرة والاختراع. حملت الأولى روح السلطة، وحملت الثانية روح اللعب.

Getty Images
الكاتب والمخرج الإيطالي بيار باولو بازوليني يلعب كرة القدم في روما، 1971

ولهذا لم يكن الشعر عنده مجرد مراوغة جميلة أو هدف استثنائي، كما لم يكن النثر مجرد التزام بالخطط. ارتبط الشعر بإنتاج المجهول نفسه، فيما ارتبط النثر بإخضاعه لمنطق يمكن تنظيمه وإدارته. ومن هذه الزاوية يبدو تاريخ كرة القدم الحديثة كله وكأنه تاريخ التقدم البطيء للنثر داخل فضاء بناه الشعر.

خرج اللاعب الكبير من قلب الفوضى الأولى للعبة بوصفه قوة يصعب تفسيرها أو احتواؤها. كان البرازيلي غارينشا تحديا لفكرة الجسد المثالي، ودخل الإيرلندي جورج بست الملعب حاملا فرديته ونزقه معه، محولا كل ذلك إلى طريقة لعب، وخلق مارادونا ارتباكا في منطق لعب الكرة في زمنه بأسلوبه الفريد. ولم يمثل هؤلاء مهارات استثنائية فحسب، بل جسدوا انتصارا لعنصر يتجاوز النظام كله.

مع الوقت ازداد استشراء الفساد إلى حد بات قادرا على منافسة كرة القدم نفسها على مركزها داخل المؤسسة

كان الجمهور يبحث عن هذا العنصر تحديدا. ينتظر الخروج عن النص، واللحظة التي تكسر التوقع. ولطالما احتفى تاريخ كرة القدم بهؤلاء اللاعبين الذين يخرجون على كل المعايير التي استقرت في زمانهم، سواء في ما يتعلق بمنطق اللعب أو البنية الجسدية أو منطق تحقيق الهدف نفسه. ظهر مارادونا اللاعب القصير وصاحب البنية الجسدية الهشة مقارنة بالجسد الصلب والأقرب إلى أجساد المجالدين الذي كان يحظى بالتقدير العالي في زمانه. أسس لمنطق لعب جديد بدا أكبر من منطق كرة القدم في زمانه. لم يخرج من مدرسة تدريبية أو من نظام كروي محدد، ولكن من الفوضى الخلاقة والمغامرة والجسارة، ليصنع مشهدا من أبرز المشاهد المحفورة في ذاكرة عشاق الكرة. كان شعرا صافيا يمشي ويركض ويراوغ ويسجل الهدف بوصفه مستحيلا قد بات معاينا ومرئيا ويهديه للمشاهدين.

عالم النثر

دفع "الفيفا" اللعبة، على امتداد عقود طويلة، نحو قدر متزايد من التنظيم والتوحيد والضبط. ثم جاءت التكنولوجيا لتعمل داخل هذا المسار وتسرعه وتدفعه إلى مداه الأقصى. ولهذا يصعب النظر إلى الخوارزمية الحسابية السائدة بوصفها مجرد أداة تقنية. فهي تمثل التعبير الأكثر اكتمالا عن انتصار النثر في زمننا. فهي تجمع المعلومات وتصنفها وتفسرها وتحولها إلى أنماط قابلة للقياس والاستثمار.

AFP
مجسم للكرة الأرضية خلال بروفة افتتاح كأس العالم 1994 في شيكاغو

وتكشف كرة القدم الحديثة، كما تتجلى في مونديال 2026 عن سطوة هذه العملية، بوضوح استثنائي. ترصد الكاميرات الحركة، وتقيس الأجهزة السرعة، وتحلل البرامج المعلوماتية التمريرات، وتقرأ أرقام الضغط والاستحواذ.

تتحول المباريات إلى كتلة متضخمة من البيانات لا إلى ذكريات، مما يجعلها تقع في الانكشاف المبتذل وتكف عن النطق باسم حاجة جماعية إلى الاحتفال والتنفيس وصناعة فضاء رمزي يخفف وطأة التفاوت الاجتماعي والسلطات القائمة.

 كانت المباراة تُستقبل بوصفها عنوانا لما يبقى دائما خارج الالتقاط والتحديد الكامل، وتُستعاد كحدث يعاد تأليفه باستمرار ويكتسب في كل مرة طبقة خاصة من الحميمية والخصوصية.

AFP / Luis Robayo
حكم يراجع تقنية الفيديو (VAR) خلال مباراة في كأس أميركا الجنوبية، 2026

لقد غيرت الخوارزميات معنى الهدف نفسه بعدما باتت تحرص على أن تعرض أمام الجماهير ما يمكن تسميته بالهدف العاري المعرف، حيث تشرح بشكل مسرف في الدقة كيف حصل، وزاوية التسديد وسرعة الكرة واتجاهها وحركة جسد اللاعب وقوة التسديد، وتفصل اللعبة التي سمحت بإنتاج الثغرة التي مكنته من التسديد، ولا تكف عن إعادته وإضافة تفاصيل تقنية ورقمية إليه.

غيرت الخوارزميات معنى الهدف نفسه بعدما باتت تحرص على أن تعرض أمام الجماهير ما يمكن تسميته بالهدف العاري المعرف

وبناء على ذلك لا يعود الهدف فعلا سحريا يحصل فجأة وبغتة ولمرة واحدة. إذ إنه قبل التطور التقني الهائل الذي سمح بتصويره بدقة وإعادته بتفاصيله مرارا وتكرارا، كان الهدف حدثا يُلتقط بالانفعال والخيال. حيث لا تكسر واقعية حدوثه العلاقة السحرية بينه وبين الجمهور، فيبقى نوعا من السحر الخالص والاستثنائي. وكانت الإعادات البسيطة التي برزت مع ظهور البث التلفزيوني تقتصر على التذكير به ليس إلا، ولكنها لم تكن قادرة على تعريته بشكل كامل ومفتوح ومتكرر بصورة لا نهائية كما في هذه اللحظة.

من هنا يمكن القول إن الهدف الذي يمثل روح كرة القدم ونشوتها مهدد بالتبدد. فالسؤال بعد انتهاء كأس العالم الحالية، وبعد أن يكون الجمهور قد خضع للإغراق التقني بالإعادات والتفاصيل: هل ستبقى هناك زاوية في ذاكرته قادرة على استقبال الهدف والنشوة؟

وفي سياق الدفع في سبيل إنتاج اللعب النثري يبرز ميسي متسيدا لهذه النزعة. فعلى عكس الصورة السائدة أو الدعاية التي تربطه بمارادونا وتنظر إليه على أنه نسخة محدثة منه تتلاءم مع التطور، فإنه في الحقيقة يمثل نقيضه الأبرز.

يتصرف ميسي كما لو كان آلة تقنية منضبطة وخاضعة للتخطيط المحكم الذي ينفذ بدقة على أرض الملعب. فما يقدمه من أرقام قياسية لا يتبع نسق السحر الذي كان يقدمه أمثال مارادونا من اللاعبين، ولكنه يقدم نوعا من السحر المتوقع والمنتظر والمحسوب. وحتى شخصيته تتبع نسق النثر، فشتان بين انفعالية مارادونا واحتجاجه ضد السلطات، وبرود ميسي وحرصه على تقديم صورته ممثلا للنظام وأحد منتجاته الأكثر نجاحا. ميسي يهندس المفاجأة، بينما كان مارادونا يخلقها.

ولكن على الرغم من كل الدفع المؤسساتي من "الفيفا" لتمكين حضور النثر الكروي، ومن التنامي المتسارع لآليات اللجم والضبط والمراقبة وبرامج الذكاء الاصطناعي والقياس والبيانات، فإن كرة القدم الصافية والشعرية لا تزال قادرة على المقاومة، وعلى تفخيخ عالم البيانات بما لا يعرفه ولا يستطيع السيطرة عليه من لعب يرتد إلى الأصل الشعري للكرة، ويخترق القواعد كلها ويفخخها بالجمال والجسارة والحرية.

font change