خرجت صورة اللاعب الإسباني ذي الأصول المغربية يامين يامال، رافعا العلم الفلسطيني بعد فوز فريقه برشلونة ببطولة الدوري الإسباني، من قلب نظام صناعة الصور العالمي. بدت محتفظة بعناصر السيولة والإشهار ومنطق الترند، ولكنها في الآن نفسه، ظهرت كاحتجاج راديكالي ضده من داخله. النجم الشاب خرج على آلية صناعة الصورة، وعلى منظومات صناعة النجوم، ودخل في المخاطرة والتحدي. أربك مؤسسات الرعاية والإعلانات، وحول قضية مؤلمة إلى حدث يخترق عالم الترفيه والاستعراض، ويتحدث من خلاله وعبره، ويفرض نفسه على العالم بأدواته.
لقد أجبرت تلك الصورة العالم على إعادة تعريف المجال الرمزي، إذ إن الانفعال الحار المرتبط بكرة القدم صب في اتجاه أخلاقي متصل بالموضوع الذي لم يعد المجال الأوروبي قادرا على تجاهله أو تجاوزه، لأنه بات يضع قيمه كلها قيد الفحص والمساءلة.
أما الشعبية الهائلة التي قوبلت بها بادرة النجم الشاب أوروبيا، فتدل على تواطؤ مسبق بينه وبين الجماهير الأوروبية، مما لا يجعل المعركة بينه وبين الآلة الإعلامية والدعاية الإسرائيلية، بل بين أوروبا وقيمها من جهة، وإسرائيل وداعميها من جهة أخرى.
بدأت تلك المعركة تتخذ أشكالا حادة مع المشاكل والاعتراضات التي أثارتها مشاركة إسرائيل في مسابقة "يوروفيجن"، التي تعد أكثر المهرجانات الأوروبية عراقة وأصالة، والتي أنشئت أساسا كمحاولة لتكريس خطاب يعزز القيم الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.
وكانت مشاركة إسرائيل فيها تؤمن لها شرعنة واسعة تصلها بالغرب والحداثة، لكن مأزق غزة، وبعده لبنان، انفجر في وجهها تماما، خصوصا مع مواقف أوروبية عريضة تدينها وتتهمها بارتكاب الإبادة الجماعية. فبينما وجدت أوروبا نفسها تخوض معركة الدفاع عن قيمها، وجدت إسرائيل نفسها تخوض معركة الاحتماء بمظلة القيم الأوروبية التي باتت طاردة لها ورافضة مشاركتها في مسابقة لا تتعلق بالتنافس الغنائي بقدر ما تتعلق بقيم بات العالم كله يصم إسرائيل بمعاداتها.
كسر نهاية الشجاعة
صنع لامين يامال، اللاعب النجم المنتمي إلى الجيل زد، الجيل المولود في قلب البث الرقمي والتطور التقني، والمنخرط عبرهما بعمق في الشأن العام، مشهدا حديثا تكمن أهميته في العودة إلى الشجاعة، وبث الحرارة والانفعال في قلب عالم يمجد البرودة والانصياع والجبن.
ذلك أن رفع العلم الفلسطيني ليس فعلا مريحا ومحسوبا وبلا تكلفة، بل ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، لأنه، إذا كان مقبولا جماهيريا وشعبيا، فإنه مرفوض تماما في وسط المستثمرين والجهات الراعية وصناع الإعلانات. النجم الشاب لا يخاطر بمجرد احتمال سحب رعاية أو خسارة حملة إعلانية وما إلى ذلك، ولكنه يضع مستقبله كله في دائرة الخطر.




