أعاد إعلان الروائية والناشطة السياسية الهندية أرونداتي روي انسحابها من مهرجان برلين السينمائي الدولي طرح السؤال القديم حول إمكان إبقاء الفن والأدب بعيدين عن السياسة، والتزام الحياد في أوقات الأزمات التي تعصف بمصائر الملايين. وهو سؤال يبدو في كل مرة كأنه يبعث من جديد، رغم أنه رافق الحداثة الثقافية منذ نشأتها.
جاء قرار روي، المعروفة بمواقفها الجذرية في قضايا العدالة وحقوق الشعوب، على خلفية تصريحات رئيس لجنة التحكيم في المهرجان، المخرج الألماني فيم فندرز، الذي دعا صناع الأفلام إلى "البقاء خارج السياسة"، معتبرا أن السينما تستطيع أن تغير العالم، ولكن "ليس بطريقة سياسية". غير أن هذه الدعوة، في سياق الموقف الألماني من الحرب الدائرة في غزة كما يراه منتقدوه، بدت أقرب إلى تحديد ضمني لسقف الخطاب منها إلى تنظير جمالي خالص.
فحين تصدر الدعوة إلى "الحياد" من شخص يتربع على رأس هرم مؤسسة ثقافية مرموقة، يغدو من الصعب أن تقرأ بوصفها رأيا فرديا فحسب، بل بوصفها إشارة ضمنية إلى ما ينبغي أن يقال، وما يفضل تجنبه. وهنا يغدو السؤال أعقد: هل من الممكن فصل هذا الموقف عن السياق السياسي الألماني الداعم لإسرائيل، الذي يتهمه منتقدوه بتجاهل ما يجري في غزة؟ أم أن الدعوة إلى "الابتعاد عن السياسة" تصبح، في مثل هذه اللحظة، إيحاء متماهيا مع الخطاب السياسي العام، حتى لو لم يصرح بذلك؟
من "الفن لأجل الفن" إلى "الأدب الملتزم"
لمقاربة هذا السؤال في سياق الحداثة الثقافية، قد يجدر التذكير بالانقسام الذي شهدته مواقف القرن التاسع عشر، بين من رفع شعار "الفن لأجل الفن"، دفاعا عن استقلالية الجماليات عن الأخلاق والسياسة، ومن رأى في الأدب فعلا أخلاقيا لا ينفصل عن العالم ومجرياته.
ارتبط الاتجاه الأول بأسماء مثل أوسكار وايلد، الذي شدد في مقدمة روايته "صورة دوريان غراي"، على أن قيمة العمل الأدبي تقاس بجودته لا بمضمونه الأخلاقي، قائلا: "ليس ثمة من رواية أخلاقية أو غير أخلاقية. فالروايات إما جيدة أو سيئة"، وصولا إلى عبارته الشهيرة: "كل فن عديم الفائدة تماما". كان ذلك إعلانا صريحا لاستقلال الفن عن كل غاية خارجية.






