أنجلينا جولي على حدود غزة… صورة أخرى خارج الكادر

هل تكفي اللفتات الإنسانية لتضميد جروح سكان القطاع؟

AP
AP
أنجلينا جولي تحيي عاملين في الهلال الأحمر المصري أثناء زيارتها لمعبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، 2 يناير 2026

أنجلينا جولي على حدود غزة… صورة أخرى خارج الكادر

في مطلع العام الجديد 2026، وصلت الفنانة الأميركية الشهيرة أنجلينا جولي إلى معبر رفح من الجانب المصري. كان ذلك الحد الأقصى الذي يمكنها الوصول إليه، وفقا للمعايير الأمنية والسياسية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يمنع أن تطأ أرض غزة أي شخصية اعتبارية، سياسية أو ثقافية أو إعلامية، وكأن غزة هي الصندوق الأسود الذي لا يجب فتحه، أو اكتشاف ما في داخله.

بدا الفعل الرمزي في زيارة جولي رمزيا أكثر من أي شيء آخر، إذ وقفت عند الحد الفاصل بين مصر وقطاع غزة، في خطاب إنساني تضامني، تتبعته الكاميرات باهتمام، راصدة وجهها الممتلئ بالتضامن الإنساني: هذا أكثر ما في استطاعة الثقافة فعله، ثقافة تقف على الحد الفاصل مع الموت والمأساة. هذه الزيارة أتت في ظل تلميح أميركي وإسرائيلي باقتراب فتح معبر رفح، فهل يمكن اعتبار زيارة جولي تمهيدا لقص شريط الافتتاح، في محاولة لربط الحدثين برابط إنساني؟

على الحافة؟

لكن هنالك ما يحسب للزيارة أكثر من احتمال كونها جزءا من ترتيبات مقبلة، فهي في المقام الأول صورة على الحافة، مفعمة بالمشاعر الإنسانية والتأثر، دون ملامسة النار في الداخل، ودون تفاصيل عن آلاف القصص المهمشة داخل غزة. فالصور تعطي شعورا بالتحرك، بينما الواقع المأسوي يستمر بلا تغيير ملموس.

خلال الجولة تفقدت الفنانة الأميركية المخازن اللوجستية للمساعدات التابعة للهلال الأحمر المصري، حيث تفرز الشحنات قبل دخولها إلى غزة. الصناديق احتوت على مواد غذائية وأدوية وأدوات معيشية أساسية، وكانت فرق العمل تتحقق من مكوناتها، وتوثق الجهات المرسلة والمتلقية، وتتأكد من تطبيق معايير التوزيع.

لكن خلف هذه الدقة اللوجستية يكمن سؤال أكبر: إلى أي مدى تصل هذه المساعدات فعليا إلى من يحتاج إليها داخل القطاع؟ فالقيود الأمنية والسياسية تجعل كم المساعدات التي تصل الى الناس قليل، في ظل احتياج معظم عائلات غزة للمواد التموينية.

صورة على الحافة مفعمة بالمشاعر الإنسانية والتأثر، دون ملامسة النار في الداخل، ودون تفاصيل عن آلاف القصص المهمشة داخل غزة

 المشاهد التي التقطت: صناديق مرتبة، موظفون يراجعون القوائم،  تقدم الى المتابع إحساسا بالنظام والرقابة... تخفي وراءها آلاف القصص غير المروية عن المحتاجين الذين ينتظرون المساعدات داخل غزة بلا وسائل للتواصل، وعن آلاف المرضى والمصابين الذين يمنع الاحتلال خروجهم لتلقي العناية خارج غزة، في ظل الحالة المتردية التي وصل لها القطاع الصحي في غزة بفعل الحرب.

استغرق وصول أنجلينا جولي إلى معبر رفح أكثر من عامين تخللهما قتل كل شيء في غزة، وتدمير كل مقدراتها الثقافية والاجتماعية والوجودية.

AFP
أنجلينا جولي تصل إلى معبر رفح الحدودي من الجانب المصري خلال زيارتها لشمال سيناء للاطلاع على آلية إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، 2 يناير 2026

أحد المصابين هو الطفل شادي، 15 عاما،  زارته جولي في أحد مستشفيات القاهرة. ظهرت في الصورة جالسة أدنى من مستوى نظره. اقتربت بجسدها من الأرض، كنوع من التواضع والانحناء. كانت تقدم رواية جديدة للإنسانية المفرطة أمام الألم المفرط أمامها. 

وعدت الفنانة الهوليودية الطفل بشراء "لابتوب" له، لكنه أجابها باكيا: "لا أريد سوى إخراج والدي من غزة لعلاجه في أي مكان". قصة تروي المأساة من جانب آخر: انتظار طويل مع الألم، عدم اليقين بالنجاة وعجز عن نيل حياة طبيعية، وكل ذلك يحدث خلف غطاء إنساني تتغنى به المؤسسات الدولية في كل لحظة.  

في تلك الفجوة بين المشهد المصور والواقع الإنساني، يكمن الفرق بين الوقوف على الحدود والمواجهة المباشرة للكارثة.

فعل إنساني ناقص

تفقد جولي صناديق المساعدات كان مشهدا تقنيا دقيقا: الأغذية المعلبة، الأدوية، معدات الإسعاف الأولي، مرتبة بعناية. الصور التي انتشرت عبر وسائل الإعلام أظهرت النظام والدقة، لكن مرة أخرى، السؤال الأهم: كيف يمكن هذه المواد أن تفي بالغرض في ظل قيود المعبر؟ كثير من المنظمات يشير إلى أن التأخير والمراجعات الإدارية يجعلان بعض المواد تصل متأخرة، أو لا تصل أصلا إلى الأكثر حاجة، كيف يمكن أن ترصد جولي آلاف مرضى السرطان في غزة، الذين لا يصل إليهم العلاج الكيميائي، ويموتون موتا بطيئا. 

استغرق وصول أنجلينا جولي إلى معبر رفح أكثر من عامين تخللهما قتل كل شيء في غزة، وتدمير كل مقدراتها الثقافية والاجتماعية والوجودية

في هذا الإطار، تتحول الصناديق إلى رمز  للتضامن الدولي،  لكنها لا تمثل فعلا إنسانيا كاملا. فما قيمة أن يحصل سكان غزة على كيلوغرام من العسل أو التمر، بينما يفترشون العراء تحت شتاء قارص، تحت قماش خيمة ممزقة؟ 

المقارنة مع زيارات جولي السابقة في أوكرانيا أو المخيمات السورية، توضح الاختلاف: في عام 2022، زارت جولي أوكرانيا للتضامن مع الناس هنالك تحت وطأة الحرب، لكن زيارتها لم تقتصر على الوقوف عند الحدود والإطلالة من بعيد، ولم تكتف باللقاءات البروتوكولية، بل امتدت زيارتها إلى تفاصيل الحياة اليومية تحت الحرب. في محطة قطار بمدينة لفيف، جلست إلى جانب لاجئين فارين من القصف، وتناولت معهم الطعام ذاته الذي يوزعه المتطوعون: وجبات بسيطة، ساخنة، تؤكل وقوفا أو على عجل، في مكان يعج بالانتظار والخوف. مشاركة الطعام هناك لم تكن تفصيلا عابرا، بل فعل إنساني كثيف الدلالة، لحظة اندماج مع الإيقاع اليومي للناس، حيث يصبح الأكل فعل بقاء لا رفاهية. 

AFP
أنجلينا جولي تحيي أحد العاملين في الهلال الأحمر المصري خلال زيارتها لمعبر رفح الحدودي، 2 يناير 2026

في أوكرانيا، كانت المساعدة والإطلاع المباشر على الواقع ممكنين، بينما في غزة، تقتصر الرمزية على مراقبة الحدث من الخارج.

ما وراء الحدود

الحدود بين مصر وغزة ليست مجرد فاصل جغرافي، بل هي حد معرفي وسياسي. الوقوف عندها، متابعة الصناديق، أو الجلوس مع المرضى، يشكل لغة رمزية لإيصال المأساة. لكنه في الوقت ذاته يثبت إلغاء أحقية غزة في التقدم للعالم، والعيش كأي مكان آخر، فلا يمكن توثيق الكثير من الواقع، ولا يمكن العالم أن يرى سوى جزء محدود من المعاناة. 

زيارة أنجلينا جولي حدود غزة تكشف الصراع المستمر بين السياسة والإنسانية، ورغم أهميتها فإنها تعكس نمطا من اختزال السرد الإنساني ضمن إطار بصري محدد

هذه الصورة في زيارة النجمة الأميركية، رغم أهميتها الإعلامية، تعكس مشهدا يمكن من خلاله ترجمة خفوت  الضغط السياسي والتغيير الفعلي. ولربما يضع أسئلة مقلقة عن الحال داخل غزة، ومن أهمها: إلى متى سيبقى السكان هنا دون تحسينات ملموسة على حياتهم داخل القطاع؟

يفتح مشهد الزيارة الرمزي المجال لقراءة ثقافية وسياسية تتجاوز الحدث الآني. الصور والفيديوهات التي وثقت الزيارة، الجلوس على الأرض قرب المرضى، مراجعة صناديق المساعدات، متابعة الإجراءات الطبية، تشكل مادة بصرية مكثفة، قادرة على نقل جوانب من الواقع الإنساني إلى جمهور واسع. هذه اللغة البصرية تستند إلى رموز واضحة وسهلة الالتقاط، مما يجعلها قابلة للتداول السريع في الإعلام والمنصات الثقافية.

AFP
أنجلينا جولي أثناء وصولها إلى معبر رفح الحدودي ضمن زيارة إلى شمال سيناء لمتابعة دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، 2 يناير 2026

في الوقت نفسه، تشير طبيعة هذه المشاهد إلى الفارق بين الرمز والواقع الكامل. فالصور الآتية من الحدود أو من المستشفيات خارج غزة، تمثل طبقة واحدة من التجربة الإنسانية، مثل قشرة على السطح، بينما تبقى الحياة اليومية داخل القطاع، بتفاصيلها المركبة والمتغيرة، خارج إطار الصورة. هذا التباين يضع التغطية الثقافية والصحافية أمام تحد مستمر: كيفية استخدام المشهد الرمزي بوصفه مدخلا للفهم، دون أن يتحول إلى بديل من الواقع غير المرئي.

زيارة أنجلينا جولي حدود غزة تكشف الصراع المستمر بين السياسة والإنسانية، ورغم أهميتها فإنها تعكس نمطا من اختزال السرد الإنساني ضمن إطار بصري محدد. فالصور والفيديوهات المتاحة تقدم قراءة جزئية للواقع، تقوم على مشاهد منتقاة يمكن توظيفها في السياقين الثقافي والفني، لكنها لا تمثل توصيفا شاملا لما يجري داخل غزة. هذا النوع من التوثيق يعتمد على ما هو مرئي ومتاح، أو لربما متقصد، بينما تبقى مساحات واسعة من التجربة اليومية خارج نطاق الرصد المباشر، فهناك صور كثيرة أكثر مأسوية، بقيت مهملة خارج الكادر.

font change