جورج أورويل وأهمية قول الحقيقة في زمن الكذب الشامل

تييري جيليبوف يقترح قراءة معاصرة لأعماله وترجمة جديدة

OLIVER BUNIC / AFP
OLIVER BUNIC / AFP
جدارية تصوّر جورج أورويل مع عبارة "الحرية هي الحق في قول ما لا يريد الناس سماعه" في بلغراد، 8 مايو 2018

جورج أورويل وأهمية قول الحقيقة في زمن الكذب الشامل

يعد الكاتب الإنكليزي جورج أورويل (1903–1950) أحد الكتاب الذين فكروا بأقصى درجات العمق في تحولات المجتمعات الحديثة. روايتاه الأشهر، "مزرعة الحيوانات" (1945) و"1984" (1949)، تكشفان بقوة نبوئية أنماطا جديدة من الشمولية تقوم على التكنولوجيا والتضليل الإعلامي.

لكن النجاح العالمي لهاتين الروايتين كثيرا ما ينسي أن أورويل كتب قبلهما عددا كبيرا من الأبحاث والمقالات والرسائل، عرض فيها تجاربه الميدانية ككاتب ملتزم، وبلور من خلالها تأملا عميقا في الإنسان والمجتمع، قاده إلى اقتناع لا تزال راهنيته مقلقة، ويمكن تخليصه بقوله: "اللغة السياسية مصممة لجعل الأكاذيب تبدو حقائق، ولإضفاء صبغة احترام على جرائم القتل، ومنح مظهر من الصلابة لما ليس سوى هواء".

ترياق في مواجهة "الحقيقة البديلة"

من هنا ضرورة قراءة هذا الكاتب الذي جعل من "قول الحقيقة في زمن الكذب الشامل فعلا ثوريا"، إذ تشكل كتاباته ترياقا لا غنى عنه في مواجهة "الحقيقة البديلة" (وهو التعبير الذي صاغته كيليان كونواي، مستشارة دونالد ترمب)، التي لا تعدو كونها تسميما فكريا يهيمن اليوم على مجمل مجتمعاتنا.

في كتابه الجديد، "هكذا تكلم أورويل"، الصادر حديثا في باريس عن دار "أرفوين"، يقوم المترجم الفرنسي تييري جيليبوف بهذه القراءة الضرورية، مقدما، عبر مختارات واسعة من أعمال أورويل، مقاربة شاملة لكاتب تشتد الحاجة إليه اليوم، بفضل نفاذ بصيرته، واستقلالية فكره، ورفضه للدوغمائيات، من أجل تعلم التفكير بحرية، والدفاع عن شروط هذه الحرية.

في مقدمته الطويلة واللامعة للكتاب، يلاحظ جيليبوف أن أورويل بات معروفا اليوم بالصفة المشتقة من اسمه (أورويلي) أكثر مما هو معروف بأعماله نفسها، شأنه في ذلك شأن كافكا. كما يشير إلى أن صفتي "كافكوي" و"أورويلي" ظهرتا في الوقت نفسه تقريبا، خارج الإطار الأدبي، عند منعطف الخمسينات، في دلالة على أنهما سدتا نقصا، واستجابتا لإدراك أكثر حدة وقلقا لواقع جديد كان يتشكل في المجالين السياسي والاجتماعي.

من التسرع تصنيف "1984" ضمن أدب الديستوبيا، في حين أن أورويل تحدث بوضوح عن عمل ساخر يجسد "قواعد الخوف السياسي"

يلاحظ جيليبوف أيضا أن تعريف كلمة "أورويلي" يقترب أحيانا من الإطناب، كما في قاموس "لو روبير" الفرنسي: "ما يذكر بعالم روايات أورويل". لكن يفهم أن العالم المقصود هنا يحيل، ضمنا، إلى مجتمع أو دولة شمولية بنت جانبا من سلطتها على تحريف المفردات وقواعد اللغة. ومع أن الشمولية والتلاعب باللغة يشكلان محورين أساسين في فكر أورويل السياسي، فإن اختزاله فيهما وحدهما يؤدي إلى إفقار فكره وأدبه معا.

في هذا السياق، يرى جيليبوف أن ثمة تسرعا خاطئا في تصنيف "1984" ضمن أدب الديستوبيا، في حين أن أورويل تحدث بوضوح عن عمل ساخر يجسد، بحسب تزفيتان تودوروف، "قواعد الخوف السياسي". وهنا يذكر المترجم بأهمية السخرية لدى أورويل، القارئ النبيه لجوناثان سويفت، الذي كان يرى في "رحلات غوليفر" كتابا لا ينضب، ولم يكف عن إعادة قراءته منذ سن الثامنة.

أورويل وجوناثان سويفت

ليس من قبيل المصادفة أن يعتبر أورويل سويفت "معاصره الأيديولوجي"، أو أن يصفه كاتب سيرته، برنارد كريك، بأنه "أكثر الكتاب السياسيين الإنكليز دهاء منذ سويفت". فكلاهما، في الجوهر، ألقيا النظرة الجريحة نفسها على الإنسان، وهو ما سماه أورويل، في حديثه عن سويفت، "حب الإنسانية المخذول".

الفرق الوحيد بينهما، بحسب جيليبوف، يكمن في النبرة. فسويفت لجأ غالبا إلى سخرية مريرة، فيما عبر أورويل عن يأس منهجي. ويعزى هذا الفرق إلى اختلاف عصرين، إذ عاش الأول زمن الحضارة المنتصرة، فيما عاش الثاني زمن الحضارة المنهارة.

ومع تغير السياق التاريخي، اختلفت الأهداف: أوهام التقدم عند سويفت، وأكاذيب السلطة عند أورويل. لكنهما التقيا في استشراف مشترك مفاده أن علة العالم تمر عبر الاعتداء على الكلام واللغة، بما يؤدي إلى إفقار إدراكنا للواقع.

JUSTIN SULLIVAN / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP)
نسخة من رواية جورج أورويل "1984" معروضة في مكتبة بلوس أنجليس، 25 يناير 2017

يشير جيليبوف أيضا إلى أن رواية "1984" جاءت معاصرة لصدور كتاب "لغة الرايخ الثالث" للفيلولوجي الألماني فيكتور كلمبرر الذي ركز، في تحليله الميداني المباشر للغة النازية، على آليات "الدس" و"الإيحاء" أكثر من الدعاية المباشرة، مبينا كيف تشكل اللغة الرأي العام، ويتشرب بها اللاوعي الجمعي، فتغدو أداة لإخضاع الجماهير وتقليص قدراتهم النقدية.

Natalia KOLESNIKOVA / AFP
مشهد عام لمكتبة تحمل اسم الروائي البريطاني جورج أورويل في إيفانوفو قرب موسكو، 20 أكتوبر 2023

هكذا ندد أورويل وكلمبرر، كل بطريقته، بتحول اللغة إلى أداة للاستلاب والسيطرة، وأظهرا أن كل سلطة سياسية تقوم على إدارة دقيقة للكلمات، لا سيما حين تكون سلطة شمولية، إذ تفرغ الكلمات من معانيها، فلا تعود وسائل للتعبير، بل أدوات لاحتواء الفكر. الاختلاف الوحيد بينهما هو منهجي: تحليل ومراقبة عند كلمبرر، وسخرية أدبية عند أورويل.

أورويل الناقد

من جهة أخرى، يشدد جيليبوف على أن أورويل كان ناقدا أدبيا صارما، ترتكز أبحاثه ومقالاته على أخلاقيات الأدب أكثر من التحليل الجمالي. فهو كان يقرأ النصوص بمعيار صدقها الفكري، وحقيقتها الإنسانية، وصلتها بالواقع الاجتماعي والسياسي. ومن خلال دراساته المخصصة لديكنز، وكيبلينغ، وتولستوي، وسويفت، بلور مفهوم الناقد بوصفه "مواطنا في اللغة"، منخرطا في الدفاع عن أدب حي وحر.

ولأنه لم يكن يفصل يوما بين الأدب والأخلاق، كان يخشى تسخير الأدب في خدمة الأيديولوجيا، إذ رأى فيه فضاء الفكر الفردي بامتياز، مما يجعله هدفا مفضلا لكل أشكال الشمولية، الظاهرة والمستترة.

من هذا المنطلق، كتب في مقاله الشهير "منع الأدب" (1946): "حيث تسود عقيدة سياسية صارمة، لا يمكن لأدب حقيقي أن ينوجد". فالنقد الأدبي لم يكن عنده تمرينا معرفيا أو تقنيا محضا، بل هو فعل ملتزم، "سياسيا" بالمعنى الواسع، في خدمة الوضوح والحقيقة والحرية.

لهذا، قد ينزلق نقده أحيانا إلى أحكام أخلاقية حادة، لكنه كان يستهدف بذلك محاربة فكرة "الحصانة الفنية" التي تعفي الفنان من "القوانين الأخلاقية التي يخضع لها الناس العاديون".

التقى أورويل مع سويفت في استشراف مشترك مفاده أن علة العالم تمر عبر الاعتداء على الكلام واللغة، بما يؤدي إلى إفقار إدراكنا للواقع

في هذا الإطار، فضح أورويل عددا من المثقفين الغربيين الذين منحوا أنفسهم سلطة أخلاقية تبرئهم من تنازلاتهم، ومن إخضاعهم فنهم لأبشع أيديولوجيات القرن العشرين، مما جر عليه أحقادا طويلة الأمد، واتهامات جائرة صوّرته واشيا ومخبرا.

لكن جيليبوف يرى في عودة هذه الاتهامات بانتظام في الصحافة دليلا على الحيوية الاستثنائية لأعماله، وهو ما لخصه الناقد سيمون ليس بقوله إن استمرار هذه الافتراءات الدنيئة يثبت أي تهديد حي لا يزال أورويل يمثله لأعداء الحقيقة.

عداؤه لستالين

بالتالي، لم يكن عداء أورويل للستالينية انحرافا، بحسب مترجمه، بل كان نابعا من قلق مختلف، عززته تجربته القاسية في الحرب الأهلية الإسبانية. هناك، حيث تطوع مع زوجته الأولى إيلين، عاش الحرب، والثورة، والخيانة الأيديولوجية معا، في تجربة شكلت "معمودية نار أخلاقية، وولادة مزدوجة للمناضل اليقظ والشاهد الذي لا تدحض شهادته".

Natalia KOLESNIKOVA / AFP
نسخة كورية جنوبية من رواية جورج أورويل "1984" على غلافها صورة جوزيف ستالين في مكتبة تحمل اسم أورويل بمدينة إيفانوفو قرب موسكو، 20 أكتوبر 2023

لم يذهب أورويل إلى إسبانيا لتغطية الحرب، بل لخوضها، منخرطا في ميليشيا "حزب العمال للتوحيد الماركسي"، رافضا الخط الرسمي للحزب الشيوعي الإسباني المدعوم من موسكو. وفي برشلونة، اختبر لحظة ثورية حقيقية، لا علاقة لها بالشعارات النظرية المجردة.

لكن هذا الوهم سرعان ما تبدد مع اندلاع ما سماه "الحرب القذرة داخل الحرب"، حين قمع الحزب الشيوعي، بدعم سوفياتي، الميليشيات العمالية واتهم مناضليها بالخيانة. وقد استهدف أورويل نفسه بمذكرة توقيف، فاضطر إلى الفرار.

هذه التجربة جعلته أكثر ريبة تجاه كل العقائد الكبرى، وأقنعته بأن الكذب قد يتنكر بقناع الفضيلة، وبأن اللغة هي ساحة المعركة الأولى للسلطة. من هنا ولدت "مزرعة الحيوانات" من رحم خيانة الحلم الثوري، وجاءت "1984" ثمرة تجربة تزوير الوقائع.

REUTERS/Florence Lo/Illustration
نسخ مترجمة من روايتي جورج أورويل "مزرعة الحيوان" و"1984" في صورة توضيحية، 9 يوليو 2020

لا يغفل جيليبوف أيضا مسألة استيلاء المحافظين الجدد على أورويل، في مفارقة مريرة حولت الكاتب الاشتراكي الملتزم إلى مرجع يستدعى اليوم لمهاجمة اليسار الجامعي واللغة الشاملة. مصادرة يرى أنها تقوم على قراءة مجتزأة لأعماله، تتغاضى عن نقده الراديكالي للرأسمالية، والتزامه قضايا الطبقات الكادحة، واشتراكيته الديمقراطية المبنية على تجربة معيشة: تجربة الفقر والحرب والظلم الاجتماعي.

ضمن هذا الأفق، يستحضر تحفة أورويل المنسية، "الطريق إلى رصيف ويغان"، حيث قدم وصفا حسيا مؤلما للفقر الصناعي شمال إنكلترا، قبل أن ينتقل إلى نقد اليسار المثقف وانفصاله عن الطبقات الشعبية.

وفي الجزء الأخير من مقدمته، يتناول جيليبوف إدراك أورويل المبكر لتوتاليتارية تكنولوجية آخذة في التشكل، فيستحضر كتابه "جيمس برنهام والثورة الإدارية" (1946)، الذي رفض فيه "ميتافيزيقا التقدم" وهوسها بالميكنة والتنظيم والإحصاء، ورسم ملامح مستقبل قاتم يقوم على مجتمعات هرمية، بأريستقراطية في القمة، وكتلة من أنصاف العبيد في القاعدة.

 aaron tam / AFP
طفل يقرأ كتابا قرب نسخ من رواية جورج أورويل "1984" في معرض هونغ كونغ للكتاب، 15 يوليو 2015

يتناول أيضا مفهوم "الحس الخلقي المشترك" عند أورويل، تلك الأخلاق الأولية غير المكتوبة، المتجذرة في الحياة اليومية للناس البسطاء، التي تقوم على الاستقامة الصامتة والتضامن والكرامة، خارج أي منظومة نظرية.

ولدت "مزرعة الحيوانات" من رحم خيانة الحلم الثوري، وجاءت "1984" ثمرة تجربة تزوير الوقائع

في المحصلة، يرى جيليبوف أن أورويل سعى إلى منح الاشتراكية قاعدة أخلاقية، لا علموية، تتيح للقيم العادية أن تزدهر، بدلا من أن تسحق بمطرقة الاستغلال أو الاستهتار.

من هنا رفضه الرأسمالية التي تدمر التضامن بالفردانية الاقتصادية، ورفضه الشمولية الستالينية التي تقمع العفوية الأخلاقية باسم "حقيقة الدولة". ففي الحالتين، يدمر الجوهر الإنساني نفسه.

ولهذا يصح قول الفيلسوف ريمون آرون فيه: "لقد عرف كيف يحافظ على فكر أخلاقي في قرن بلا أخلاق"، كما يصح وصف مترجمه له بالكاتب الذي "يجمع بين البساطة الإنسانية والتعقيد الفكري، ولذلك، يظل عصيا على الاستحواذ، وضرورة لا غنى عنها".

font change