أكيرا ميزوباياشي يواجه نار الحروب بالفن

روايته الجديدة معزوفة حب وسط الركام

غلاف رواية "غابة اللهب والظلال"

أكيرا ميزوباياشي يواجه نار الحروب بالفن

في جميع أعماله الروائية، يضطلع الكاتب الياباني أكيرا ميزوباياشي بمهمة أولى نبيلة: مقاومة النسيان الذي يتهدد أولئك الذين نجوا من أهوال الحرب، كما يتهدد الأعمال الفنية التي تمكن بعضهم من إنجازها، على الرغم من تلك التجربة القاسية، أو ربما بفضلها.

في روايته الجديدة، "غابة اللهب والظلال"، الصادرة حديثا في باريس عن دار "غاليمار"، يواصل ميزوباياشي هذه المهمة، حاملا عبر صفحاتها رسالة واضحة قوية مفادها أن المآسي، مهما بلغت حدتها، لا تنجح أبدا في هزم الحب، ولا في تفكيك روابط الصداقة التي تشكل أحد آخر معاقل الإنسان في وجه العنف.

"انفجرت قنبلة من نوع مجهول في سماء هيروشيما، في السادس من أغسطس/ آب 1945، وأخرى بعد ثلاثة أيام في سماء ناغازاكي. بحسب صور المدينتين، المشهد كارثي، الدمار شامل، الجحيم على الأرض".

هذه الجملة المقتطفة من الرواية تحدد بنية جزئها الأول، حيث نتعرف إلى ثلاثة شبان يابانيين: رين ميزوكي، رسام وطالب في كلية الفنون الجميلة، يوكي أريساوا التي تشاركه حب الرسم وممارسته، وبين كوروساوا، عازف كمان متدرب وواعد.

قبل الكارثة

نحن في طوكيو، قبل أشهر قليلة من الكارثة النووية، واللقاء بين هؤلاء الشبان يتم في مركز لفرز البريد وتوزيعه، حيث أتوا للعمل بغية تحسين أوضاعهم المعيشية. بسرعة، تنشأ بينهم علاقة صداقة عميقة، تمنحهم فرحة التلاقي يوميا، وتتيح لهم نسيان قسوة المرحلة لبضع ساعات يتبادلون خلالها الحديث عن حبهم المشترك للموسيقى والرسم الأوروبيين، وعن حلم متقاسم بالهجرة، ذلك التوق إلى مكان آخر، تلك الرغبة في تجاوز الحدود المرسومة لعالمهم، والارتقاء فوق القوالب الجاهزة التي تفرضها لغتهم والثقافة التي تحملها.

لكن هذا الهامش الضيق من الحياة سرعان ما يُغلق. ففي مايو/ أيار 1945، ومع اشتداد ما سُمّي بـ"الحرب المقدسة بقيادة جلالة الإمبراطور"، يتلقى رين أمر استدعائه إلى الخدمة العسكرية. وبصفته "فنان حرب"، يكلف برسم لوحات على جبهات القتال تمجد شجاعة الجنود وتبث الحماسة في صفوفهم. لكن حسه الفني وضميره الإنساني يحولان دون امتثاله لهذه المهمة الدعائية، فيرسم بدلا من ذلك مشاهد قاتمة تكشف فظائع الحرب وعبثيتها القاتلة.

تطرح الرواية سؤالين قاسيين: كيف يمكن لفنان أن يرسم وقد فقد يديه؟ كيف يمكن لإنسان أن يحيا وقد حُرِم من شغفه الذي كان جوهر وجوده؟

عقابا له، يُزَج به في صفوف فرقة مشاة، ويُسلح ببندقية ذات حربة. وحين يقع هو ورفاقه في كمين داخل غابة تلتهمها التيران، أثناء قتالهم مقاومين شيوعيين صينيين في منشوريا، يخرج من هذه التجربة مشوّها، مبتور اليدين والذراعين، محطما في جسده وروحه.

هنا تطرح الرواية سؤالين قاسيين: كيف يمكن لفنان أن يرسم وقد فقد يديه؟ كيف يمكن لإنسان أن يحيا وقد حُرِم من شغفه الذي كان جوهر وجوده؟

يوكي، التي شهدت رحيل رين عنها عند العتبة الفاصلة بين الصداقة والحب، ستؤدي في هذا المنعطف الحاسم دور المخلِّصة، إذ ستستضيفه في منزل والديها، بعدما فقد والديه في هيروشيما، وتعتني به، وتحبه، وتقوده بحبها إلى ولادة جديدة، إنسانية وفنية في آن. ذروة هذه الولادة تتجسد في مشهد بالغ التأثير، في ليلة زفافهما، حين تشجعه على الرسم بفمه على جسدها، فيفعل، ويكتشف إمكان الخلق من قلب العجز.

في كنف يوكي، يستعيد رين طاقته الخلاقة وينجز، مستخدما فمه وأنفه ورأسه وقدميه، وحتى ما تبقى من ذراعيه، عددا كبيرا من اللوحات، من بينها سلسلة ضخمة تحمل عنوان الرواية نفسها: "غابة اللهب والظلال"، ثم يموت فجأة في فراش الزوجية، إلى جوار حبيبته، بعدما أنجب منها ابنة سمياها آيا.

مسارات وأمكنة

من هنا، تتسع الرواية زمنيا وسرديا، فنتابع فيها مسار يوكي في طوكيو ثم في باريس، مسار صديقها بين في جنيف، مسار ابنتها آيا التي سبقتها إلى العاصمة الفرنسية، وصولا إلى مسار حفيدتها أنوك. مسارات تتشكل كلها حول ذكرى رين وإرثه الفني، وتمتد حتى زمننا الراهن، لتُظهر كيف تتحلل المصائر الفردية في الزمن الطويل للتاريخ، وكيف ينجو الفن من فناء الأجساد، وينتقل عبر التعليم والذاكرة.

هذا الامتداد الزمني الواسع يجعل حدة السرد تخفت أحيانا، مقارنة بالجزء الأول، لكنه لا ينتقص من قيمة هذه الرواية الآسرة، الغنية بالخيوط السردية التي تنسجها. وقد لجأ ميزوباياشي في كتابتها إلى فصول قصيرة، وجمل موجزة، ولغة مصفّاة. وكما يفعل رسام، راكم الطبقات، الواحدة فوق أخرى، مشكلا لوحة ذات كثافة شعرية نادرة.

بفضل كل هذه العناصر، تغوص بنا الرواية في نقاء مشاعر أبطالها، في عنف مجتمع كامل آيل إلى التفكك، وفي تلك المواجهة المؤلمة بين رغبة عنيدة في الحياة وموت تفرضه سلطة لا تناقَش.

Photo by US Department of Defense / AFP
صورة أرشيفية تعود إلى عام 1945 تُظهر الدمار الذي لحق بمدينة هيروشيما بعد أيام من إلقاء أول قنبلة ذرية أميركية في 6 أغسطس 1945

غير أن قيمة "غابة اللهب والظلال" لا تقتصر على ذلك. فالموسيقى والرسم اللذان تمارسهما شخصياتها، جيلا بعد جيل، يطبعان نصها بلمسات دقيقة، ويشحنانه بحساسية شفيفة وعمق رقيق، بينما يصطدم الارتجاج الموسيقي للكلمات والتلألؤ التشكيلي للصور بواقع سماء معتمة لا يعبرها سوى وابل القذائف وأدوات الفناء.

هكذا، كل شيء في هذه الرواية مأساة، وكل شيء أمل في آن. ولا غرابة في ذلك، فـ"الإنسان قادر على الأسوأ كما على الأفضل"، يذكرنا الكاتب على لسان إحدى شخصياته، وهو "الكائن الوحيد على الأرض الذي يقتل بالملايين أبناء جنسه"، منذ فجر التاريخ.

تغوص بنا الرواية في نقاء مشاعر أبطالها، في عنف مجتمع كامل آيل إلى التفكك، وفي تلك المواجهة المؤلمة بين رغبة عنيدة في الحياة وموت تفرضه سلطة لا تناقَش

هذه الحقيقة تتجسد بأقصى حدتها وبشاعتها في حضور كلبة رين، آنا، التي تؤدي دورا محوريا في الرواية. فبعد وفاته، تُظهر وفاء نادرا ليوكي، لبين، لآيا، ولأنوك، وبفضل "عصا" الكاتب السردية، تعيش أكثر من ستة عقود، فترافق جميع هذه الشخصيات، جيلا بعد جيل، كمرآة صامتة لإنسانية البشر وقسوتهم معا.

إنسانية طافحة

هنا يتجلى مكمن القوة الرئيس في هذا النص، أي تلك الإنسانية الطافحة، المحمولة بنفس سردي دافئ يترك في القارئ أثرا بالغا. ويزداد هذا الأثر عمقا بحكم أن ميزوباياشي روائي ياباني يكتب بالفرنسية، مما يخلق لقاء فريدا بين الجمالية اليابانية الرقيقة، العفيفة، المتحفظة، وحيوية اللغة الفرنسية وحسيتها. لقاء غير مألوف، موظف بذكاء في خدمة القصة، ويُنتج مناخا سرديا باردا وحارقا في آن، تُستكشف فيه الأجساد، ويتلاشى وقع مرور الزمن، ويبقى كل شيء قابلا للاكتشاف، حتى بعد انقضاء الحياة.

تكمن أيضا قوة الرواية وفتنتها في قيامها على عنصرين أساسيين متناقضين في طبيعتهما: الحرب، ولا سيما تلك التي اجتاحت اليابان في منتصف القرن العشرين، والموسيقى الكلاسيكية الغربية التي يعرفها الكاتب بعمق. وإذا كان حضور الحرب يتركز أساسا في القسم الأول منها، فإن الموسيقى تظل عنصرا طاغيا، إلى حد يلامس أحيانا درسا حقيقيا في علم الموسيقى، لا سيما في أعمال بيتهوفن ومندلسون.

حتى السرد نفسه ينفتح مثل مقطوعة موسيقية تتحاور فيها أصوات مختلفة، أو ترتفع وحيدة داخل دفاتر حميمة. سرد يلعب على الصمت، على الأصداء، وعلى ما لا يقال إلا بالتلميح والإيحاء.

AFP
صورة تعود إلى سبتمبر 1945 تُظهر أنقاض مبنى تعزيز الصناعة في هيروشيما بعد القصف الذري، وقد حُفظ لاحقا كنصب تذكاري

هذه الجمالية القائمة على الحصر وضبط الانفعالات تشكل إحدى أبرز نقاط قوة الرواية، لكنها قد تمثل أيضا أحد حدودها. فكما أشار أحد النقاد، "العاطفة، بدل أن تتفجر، تبدو مصفّاة ومهدّأة، كأن الكاتب يخشى أن يعكر صفاء نثره بفيض من الاضطراب. هكذا تتحول الرواية إلى عمل فني معروض خلف زجاج: نعجب به، لكننا نبقى على مسافة منه. وحيث نود أن نزلزل، أن تحرقنا النيران وتبتلعنا الظلال، نبقى عند تخوم الغابة، نتأمل الحريق من دون أن نشعر بحرارته".

يتابع أكيرا ميزوباياشي في "غابة اللهب والظلال" تفكيك كارثة النزعات القومية المشعِلة للحروب، ومساءلة الفن بوصفه قوة تنقذ الحياة، وتعيد وصل ما تقطّع بين البشر

الفسحة الوحيدة داخل النص التي يكسر ميزوباياشي فيها هذا الضبط الصارم، وقد فاتت معظم النقاد الفرنسيين، هي تلك التي يخصصها لمحاكمة اليابان الإمبراطورية. محاكمة تتخذ أحيانا شكل مرافعة عنيفة ضد سطوة الإمبراطور، وضد سوقه شعبا مطيعا إلى التضحية القصوى من أجل مجده.

فعلى لسان الموسيقي بين، يقول: "كانت تلك حقبة منغلقة ومعتمة للغاية، إذ كان الفكر خاضعا من أوله إلى آخره لمسلمة غير مفكَّر فيها، تملي على الجميع طريق الخضوع للإمبراطور. كان أي انحراف فضيحة، عارا يستوجب العقاب. وكان على كل فرد من الرعايا أن يكرس جميع أفعاله، حتى في أدق تفاصيل حياته الخاصة، للعمل السماوي لجلالة الإمبراطور".

أكيرا ميزوباياشي

في المحصلة، يتابع أكيرا ميزوباياشي في "غابة اللهب والظلال" تفكيك كارثة النزعات القومية المشعِلة للحروب، ومساءلة الفن بوصفه قوة تنقذ الحياة، وتعيد وصل ما تقطّع بين البشر، وملاذا أخيرا في مواجهة جنون الإنسان.

رواية يؤكد بها مرة أخرى رهافة قلمه، ميله إلى جمالية مصفّاة، وإنسانيته العميقة.

font change