في عام 2023، أدرجت منظمة يونسكو التقاليد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالإفطار الرمضاني على لائحتها للتراث غير المادي، وجاءت هذه الخطوة بعد طلب تقدمت به أذربيجان وإيران وأوزبكستان وتركيا، مما يعكس الحفاوة التي يستقبل بها الشهر الكريم في هذه البقاع، ومدى ارتباطه بعادات أهلها وتقاليدهم.
فمثلا في قلب الأراضي الروسية الشاسعة يعيش قرابة خمسة وعشرين مليون مسلم، موزعين بين سبعة أقاليم يشكلون فيها الغالبية المطلقة، مثل إنغوشيا والشيشان وداغستان. وفي هذه البقاع، لا يكتفي المسلمون بأداء الصلاة في جماعة، بل يحيكون معا نسيجا اجتماعيا فريدا تزداد كثافته سنويا بفضل معدلات المواليد المرتفعة وتدفق المهاجرين من آسيا الوسطى، مما يجعل حضور رمضان في هذه المدن، مع مدن مثل موسكو وسانت بطرسبرغ، مشهدا يتجدد بألق خاص.
مآذن الشمال: حين يلون الصيام ليالي روسيا البيضاء
حكاية الإسلام الفريدة في روسيا بدأت خيوطها الأولى منذ عام 922م، حين وطئت قدما الرحالة العربي والسفير ابن فضلان أرض بلاد البلغار فولغا، وهي تتارستان الحالية، حاملا رسالة الخليفة العباسي الى الملك الذي دخل حديثا في الإسلام وكان يرغب في التحالف مع الدولة العباسية أمام الأخطار التي تهدده من مملكة الخزر، ليزرع ابن فضلان بدرايته الدينية أيضا في هذه الأرض بذور الإسلام التي نمت عبر القرون حتى أصبحت اليوم جزءا أصيلا من نسيج روسيا الثقافي.
مسيرة مسلمي روسيا لم تكن مفروشة بالورود، فقد مرت بفترات عصيبة إبان العهد السوفياتي حين تحول شهر رمضان في أذهان الأطفال الى مجرد اسم لرجل غريب، لا شهرا للتعبد والصيام، وغدت شعائره ذكريات من الماضي، وأسرارا يتهامس بها الكبار في الخفاء، لكن تلك القلوب التي ذاقت مرارة المنع لم تزدد إلا تمسكا بهويتها، لتبعث من جديد في عصرنا الحالي بمساجد فارهة وتجمعات إيمانية تملأ الساحات في موسكو وقازان وسيبيريا.







