رحلة شهر رمضان من ضفاف القوقاز إلى مآذن الأناضول

موائد تشهد للتآخي والتسامح

 Kirill KUDRYAVTSEV / AFP
Kirill KUDRYAVTSEV / AFP
مسلمون يؤدون الصلاة في الجامع الكاتدرائي (سوبورنايا) بموسكو خلال شهر رمضان، 23 مايو 2019

رحلة شهر رمضان من ضفاف القوقاز إلى مآذن الأناضول

في عام 2023، أدرجت منظمة يونسكو التقاليد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالإفطار الرمضاني على لائحتها للتراث غير المادي، وجاءت هذه الخطوة بعد طلب تقدمت به أذربيجان وإيران وأوزبكستان وتركيا، مما يعكس الحفاوة التي يستقبل بها الشهر الكريم في هذه البقاع، ومدى ارتباطه بعادات أهلها وتقاليدهم.

فمثلا في قلب الأراضي الروسية الشاسعة يعيش قرابة خمسة وعشرين مليون مسلم، موزعين بين سبعة أقاليم يشكلون فيها الغالبية المطلقة، مثل إنغوشيا والشيشان وداغستان. وفي هذه البقاع، لا يكتفي المسلمون بأداء الصلاة في جماعة، بل يحيكون معا نسيجا اجتماعيا فريدا تزداد كثافته سنويا بفضل معدلات المواليد المرتفعة وتدفق المهاجرين من آسيا الوسطى، مما يجعل حضور رمضان في هذه المدن، مع مدن مثل موسكو وسانت بطرسبرغ، مشهدا يتجدد بألق خاص.

مآذن الشمال: حين يلون الصيام ليالي روسيا البيضاء

حكاية الإسلام الفريدة في روسيا بدأت خيوطها الأولى منذ عام 922م، حين وطئت قدما الرحالة العربي والسفير ابن فضلان أرض بلاد البلغار فولغا، وهي تتارستان الحالية، حاملا رسالة الخليفة العباسي الى الملك الذي دخل حديثا في الإسلام وكان يرغب في التحالف مع الدولة العباسية أمام الأخطار التي تهدده من مملكة الخزر، ليزرع ابن فضلان بدرايته الدينية أيضا في هذه الأرض بذور الإسلام التي نمت عبر القرون حتى أصبحت اليوم جزءا أصيلا من نسيج روسيا الثقافي.

مسيرة مسلمي روسيا لم تكن مفروشة بالورود، فقد مرت بفترات عصيبة إبان العهد السوفياتي حين تحول شهر رمضان في أذهان الأطفال الى مجرد اسم لرجل غريب، لا شهرا للتعبد والصيام، وغدت شعائره ذكريات من الماضي، وأسرارا يتهامس بها الكبار في الخفاء، لكن تلك القلوب التي ذاقت مرارة المنع لم تزدد إلا تمسكا بهويتها، لتبعث من جديد في عصرنا الحالي بمساجد فارهة وتجمعات إيمانية تملأ الساحات في موسكو وقازان وسيبيريا.

تتربع حلوى "تشاك تشاك" التترية المغمسة بالعسل كأيقونة لمذاق البهجة، متناغمة مع أطباق "البلوف" البخاري و"المانتي" العريق

لعل أكثر ما يثير الدهشة في صيام مسلمي روسيا هو ذلك التحدي الجغرافي الذي تفرضه مواقيت شروق وغروب الشمس الخاصة بالمناطق الشمالية مثل سانت بطرسبرغ، ففي ظاهرة "الليالي البيضاء"، تأبى الشمس أن ترحل تماما عن الأفق، ليجد المؤمنون أنفسهم أمام اختبار روحاني مهيب يمتد فيه الإمساك عن الطعام لأكثر من اثنتين وعشرين ساعة. ومع غياب نص صريح حول كيفية الصيام في بقاع لا تغيب شمسها، اجتهد العلماء بين متمسك بالوقت المحلي كنوع من المجاهدة، وآخرين ذهبوا إلى اتباع توقيت مكة المكرمة، لتظل هذه الساعات الطويلة مدرسة في الصبر، إذ لا ينظر إليها الصائمون كعبء، بل كفرصة لتطهير الروح في بلاد لا تتوقف فيها حركة العمل أو الدراسة مراعاة لصوم رمضان، مما يجعل من كل يوم في الشهر الفضيل ملحمة صامتة من الإرادة واليقين.

REUTERS/Evgenia Novozhenina
مسجد قول شريف (كول شريف) في كرملين قازان، 6 سبتمبر 2021

بين "التشاك تشاك" و"خيمة موسكو"

لا يكتمل جمال هذا الشهر في الأراضي الروسية إلا بتلك الموائد التي غدت جسورا للمودة بين الأديان، ففي "خيمة رمضان" الشهيرة بموسكو، عند مسجد "باكلونايا غارا"، التي تفتح أبوابها يوميا لأكثر من 600 صائم من كل الأديان والأعراق، تقدم بالمجان مذاقات الأقاليم الروسية المسلمة وسط أجواء من المودة والتسامح. وهناك، لا تجلس العائلات المسلمة وحدها، بل تشرع أبوابها للجيران والأصدقاء من مختلف العقائد ليتذوقوا طعم التآخي قبل الطعام.

لى تلك الموائد، تلتقي الثقافات في تناغم شهي، حيث يرتوي الصائمون بشراب "الكفاس" الروسي التقليدي المصنوع من خبز الرعي ليطفئ العطش والذي يتفوق لديهم على المشروبات العربية كالعرقسوس والخروب، بينما تتربع حلوى "تشاك تشاك" التترية المغمسة بالعسل كأيقونة لمذاق البهجة، متناغمة مع أطباق "البلوف" البخاري و"المانتي" العريق. هذا المزيج الغذائي يعكس مجتمعا نجح في الحفاظ على طقوسه الإسلامية مع الانخراط بعمق في الهوية الروسية، ليتحول الإفطار من مجرد وجبة يومية، إلى تظاهرة ثقافية واجتماعية تذوب فيها الفوارق.

REUTERS/Alexey Nasyrov
إفطار جماعي في استاد قازان أرينا خلال رمضان، 25 مايو 2019

وعندما يحين وقت الغروب، تبرز المائدة الروسية الكبيرة التنوع الثقافي. فبينما يكسر أهل داغستان صيامهم في المسجد الكبير بمحج قلعة على التمر والفواكه قبل الانغماس في أطباق "البسبارماك" التقليدية، يميل الشيشانيون إلى الخيارات الصحية عبر تناول أطباق نبات الرامسون والقراص الغنية بالفيتامينات. ولا تقتصر فضائل الشهر على الأكل والشرب فحسب، بل تمتد لتشمل تهذيب النفوس، إذ تنشط في الشيشان لجان خاصة للإصلاح بين المتخاصمين، وفي تتارستان يتسابق الميسورون لتعويض أيام فطرهم بالتبرعات، بما يجعل الصيام مدرسة للتكافل الاجتماعي قبل أن يكون فريضة تعبدية.

 REUTERS/Alexey Nasyrov
صلاة عيد الفطر في قازان بروسيا، 13 مايو 2021

أما أهل أوزبكستان، فيحملون معهم عبق تقاليد تمتد لمئات السنين، حيث تظل مائدة رمضان "آغيز أتشار" الجماعية ركنا أساسا لا يغيب عنه خبز "باتير" المخبوز بالزبدة أو طبق "البيلاف" الشهير. وفي بيوتهم، تتجلى أسمى آيات التوقير للكبار، فلا يجرؤ أحد على مد يده الى الطعام قبل كبير العائلة، وفي ختام الوليمة، يسكب الشباب الماء لغسل أيدي الضيوف في مشهد يفيض بالأدب والاحترام. إن رمضان في هذه الأصقاع هو مزيج مدهش بين خشوع المساجد التي تختم القرآن الكريم، وبين صخب الموائد الجماعية التي يلتف حولها الصغير والكبير، مما يثبت أن الإسلام في روسيا قد صاغ لنفسه هوية خاصة تجمع بين انضباط الصقيع وعاطفة الشرق.

ضيافة الله: حين تمنح القوميات الإيرانية الصيام ألوان الحياة

ومن روسيا بلياليها البيضاء ننتقل إلى قلب الهضبة الإيرانية، حيث تتقاطع الدروب القديمة بين الشرق والغرب، ليرسم شهر رمضان لوحة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا وتذوب فيها الفوارق بين القوميات.

يطلق الإيرانيون على هذا الشهر "شهر ضيافة الله"، ويتأهبون له منذ أواخر شعبان بكامل أناقتهم ونظافتهم، مؤمنين بأن القدوم الى مأدبة الخالق يستوجب طهارة الظاهر والباطن معا. والى المائدة، يفتتح الصائمون إفطارهم ببطء وتمعن، فيبدأون بوجبة خفيفة على المعدة، قوامها كأس من الشاي الدافئ أو الحليب الساخن مع التمر وقطع الجبن واللوز والخضروات الطازجة، ليمهدوا الطريق لوليمة دسمة تأتي بعد صلاة العشاء بساعة. في توقيت الإفطار يبرز فارق بسيط وجميل بين الطوائف الإيرانية، إذ يفضل الشيعة تأخير إفطارهم حتى زوال بقايا حمرة الغروب من السماء لضمان حلول الليل تماما، لتصبح تلك اللحظات الفاصلة وقتا للتأمل والدعاء قبل كسر الصيام.

يستقبل السكان شهر رمضان برمي الحجارة على الأرض، معلنين بلسان واحد رميهم للآثام والذنوب كما ترمى هذه الحجارة

لكن السحر الحقيقي لا يكتفي بما يقدم في الأطباق على موائد الإيرانيين جميعا، بل يمتد إلى تلك التقاليد التي تعكس فلسفة الشعوب الإيرانية على اختلافها في استقبال الشهر الفضيل. ففي مدينة شيراز، يستقبل السكان شهر رمضان برمي الحجارة على الأرض، معلنين بلسان واحد رميهم للآثام والذنوب كما ترمى هذه الحجارة، بينما يخرج آخرون في الجمعة الأخيرة من شعبان إلى أحضان الطبيعة لتهشيم قطع من الطين الجاف، في طقس رمزي يرجون به تفتيت سيئاتهم وتلاشيها قبل الدخول إلى محراب الصوم. أما في كرمان، فللأطفال الذين يصومون لأول مرة حكاية أخرى، إذ يستقبلون بحفاوة بالغة وتقدم اليهم هدية إطلاق الصيام، وهي مكافأة تشجيعية تزرع في نفوسهم الصغيرة محبة الفريضة والاعتزاز بالانتماء الى هذا المجتمع المؤمن.

Majid Asgaripour/WANA via REUTERS
شيعة إيرانيون يحيون ذكرى استشهاد الإمام علي وليلة القدر في مرقد عبد العظيم بطهران، 22 مارس 2025

وإذا ما رحلنا جنوبا نحو الأهواز والمناطق العربية في بوشهر وهرمزغان وجزر كيش وقشم، وجدنا أن الزمان والمكان يستعيدان ألق التراث العربي في أبهى صوره، إذ تمسي الليالي عامرة بالأناشيد، وتصدح الشوارع في منتصف رمضان بأهازيج وطقوس القرقيعان، فهناك، يطوف الصغار بين الأزقة حاملين أكياسهم الملونة، يطرقون الأبواب طلبا للحلويات والهدايا وهم ينشدون أناشيد تتوارثها الأجيال، وعلى مقربة منهم، في سيستان وبلوشستان، لا يزال المسحراتي هو ضابط إيقاع الليل الأخير، فيوقظ النائمين بأبيات شعرية منغومة، بينما تترسخ قيم التكافل في عادة "آرك وبرك"، حيث تتبادل العائلات أطباق الإفطار والسحور مع الجيران بمجرد أن تفوح رائحة الطهو، ليتشارك الجميع لقمة واحدة تعزز أواصر الجوار والود.

وفي الشمال، حيث تسكن قومية التركمان، تبدأ رحلة اليقين بقدوم شهر الصوم بصعود المرتفعات لتحري الهلال، فمن يراه أولا يبشر الآخرين بفرح غامر، لتبدأ النساء بعدها بحياكة سجادات الصلاة الصغيرة كهدايا مودة تهدى الى المساجد. ولعل أنبل ما في تقاليدهم هو "مراسم المصالحات" التي يقودها الحكماء لغسل القلوب من الضغينة قبل الإبحار في أيام الصيام. وفي المقابل، نجد في همدان وأذربيجان الشرقية طقسا فريدا يعرف بأكياس الخير والبركة، إذ تجتمع النساء في اليوم السابع والعشرين من رمضان لخياطة أكياس يدخر فيها المال مع تلاوة الأدعية، إيمانا بأن هذه الأكياس ستعمل عمل الحجاب ضد الفقر، وتميمة للرزق الوفير حتى العام المقبل. ومع حلول ليالي القدر العظيمة في الأيام الفردية من العشر الأواخر، يسهر الإيرانيون حتى الفجر في صلوات خاشعة، ليتوج سعيهم طوال الشهر الفضيل بصلاة عيد الفطر التي تجمع الشيعة والسنة في أكبر مشهد للوحدة، فتبرز الاحتفالات ببهجة فطرية تملأ الآفاق، معلنة أن رمضان هو الدرس الأسمى في احتضان الدين للثقافة، وإذابة الفوارق القومية في وعاء الإيمان الواحد.

ATTA KENARE / AFP
عائلة إيرانية تفطر في باحة مسجد إمامزاده صالح بطهران، 21 فبراير 2026

فجر رمضان يشرق في باكو

وفي أذربيجان، تشرق شمس رمضان لتضيء حياة أكثر من عشرة ملايين نسمة، يمثل المسلمون الغالبية العظمى منهم. هذه الدولة التي تعتز بهويتها، تبدأ استعداداتها للعرس الإيماني قبل أسبوع كامل من حلوله بطريقة فريدة تدمج بين الروحانية والفولكلور، إذ تنطلق سباقات الخيل الأصيلة في منافسات حماسية بين الأهل والأصدقاء، معلنة قدوم أيام الخير، بينما تزدان العاصمة باكو بزينة براقة، وتصطف في أسواقها صناديق البلح والرطب التي تنتظر لحظة الغروب لتشق ظمأ الصائمين.

ولا يكتفي الأذريون بالصيام عن الطعام والشراب، بل يمتد صومهم ليشمل صخب الاحتفالات الدنيوية، إذ تتوقف حفلات الزفاف تماما طيلة الشهر احتراما لقدسيته، ويستعاض عنها بملاحم من التكافل الاجتماعي، فتقام موائد الرحمة وتزدهر عادة الإفطار الجماعي. وفي لفتة تفيض بالكرامة والترقب، يحرص الأذريون على وضع "صحن إضافي" على مائدة الإفطار كل يوم، تحسبا لقدوم ضيف مفاجئ أو عابر سبيل، مؤمنين بأن زائر المائدة هو بركة من الله لا يجوز ردها. وقبيل الأذان، يلتف الجميع حول كبير العائلة ليسمعوا منه آيات من الذكر الحكيم، لتكون أولى جرعاتهم بعد الصيام مزيجا من التمر واللبن والمكسرات التي تهيئ النفس لصلاة المغرب.

تكتمل روحانية الشهر بعادة فريدة تسمى "النذور"، إذ يرى الناس في رمضان فرصة ذهبية للوفاء بكل عهد قطعوه على أنفسهم أمام الله

أما المائدة الأذربيجانية، فهي حكاية أخرى تعكس تمازجا ناعما بين عبق المطبخ الإيراني ونكهة المطبخ التركي، إذ يبدأ الإفطار دائما بالشوربة التي تعد ركنا أساسا لا يعلى عليه، يليه طبق الضلحة الشهير، وهو مزيج ساحر من ورق العنب المحشو بقطع لحم الضأن الممزوجة بالحمص والتوابل. ولأن البلاد تطل على بحر قزوين، فإن للأسماك حضورا طاغيا، لا سيما "سمك الكوكو" المدخن، وطبق "القوورما" العجيب الذي يجمع في طياته اللحوم بالبيض والفواكه المجففة والزعفران والكركم، ليخلق سمفونية من المذاقات التي لا تنسى.

تكتمل روحانية الشهر بعادة فريدة تسمى "النذور"، حيث يرى الناس في رمضان فرصة ذهبية للوفاء بكل عهد قطعوه على أنفسهم أمام الله، فيكثفون من عباداتهم وصدقاتهم لتبرئة ذممهم، ويحرصون على تقديم الطعام للجيران والفقراء بفيض من الكرم، وهكذا يتحول رمضان في أذربيجان الى مدرسة في الأدب والذوق، فيكون الطعام رسالة حب موجهة للجيران والفقراء، وتصبح الصلاة ختاما لمسيرة يوم طويل من العمل والنبل الذي يتوارثه الأحفاد عن الأجداد بكثير من الفخر واليقين.

ذاكرة رمضان في وجدان الأناضول

تطل الأجواء الرمضانية في تركيا كلوحة فنية صبغت بألوان التاريخ العريق ودفء الروحانيات، إذ يستقبل الأتراك هذا الشهر بلهفة تليق بسلطان الشهور. فما إن يثبت الهلال حتى تتعطر عتبات البيوت بماء الورد والمسك، بينما تتزين المآذن بالمحيا، وهي لافتات ضوئية خيطت من نور بين المآذن، في تقليد تزيين قديم يعود الى نحو 450 سنة أبان العهد العثماني، لتكتب المآذن ببريقها عبارات الترحيب بالضيف العزيز. وفي الأزقة، يجوب المسحراتي بطبلته الشوارع فجرا، محافظا على تقليد تاريخي يرفض الاندثار، لتمتزج رائحة الطعام بصوت التراث في تناغم فريد يربط الحاضر بماض لم يخل من التحديات.

Adem ALTAN / AFP
تحضير حلويات في سوق حي أولوس بأنقرة قبيل عيد الفطر، 19 أبريل 2023

لم تكن هذه المظاهر العلنية المبهجة متاحة دائما، إذ يحمل التاريخ التركي في طياته فصولا من الصراع الصامت بين الهوية الدينية وسياسات العلمنة الصارمة التي أعقبت تأسيس الجمهورية عام 1923، فقد شهدت تلك الحقبة محاولات جادة لطمس المظاهر الرمضانية من المجال العام، إذ استبدل التقويم الهجري بالميلادي، واعتبر الصيام في بعض المؤسسات الحكومية والجيش دليلا على عدم الاندماج في روح العصر الحديث. وتروي الوثائق التاريخية كيف كان الموظفون والجنود والطلاب يوضعون في اختبارات قاسية لإثبات عدم صيامهم، حتى وصل الأمر إلى اعتبار قرع طبول السحور عادة بالية يجب إنهاؤها. ومع ذلك، أثبت المجتمع التركي أن هذه التقاليد المتجذرة في القلوب لا يمكن محوها بقرار إداري، فظل الناس يصومون سرا ويمارسون طقوسهم في الخفاء، حتى جاءت الخمسينات من القرن الماضي لتعيد الأذان بالعربية وتفتح الأبواب مجددا للروحانيات لتعود إلى العلن بكل فخر وقوة.

YASIN AKGUL / AFP
طبّال رمضاني يجوب شوارع إسطنبول لإيقاظ الناس على السحور، 24 فبراير 2026

اليوم، يتجلى رمضان في تركيا كنموذج للتكافل الاجتماعي السخي، فتتسابق البلديات والجمعيات لإقامة موائد الرحمن في الميادين الكبرى، مجمعة الفقير والغني في مشهد إنساني مهيب، كما تزدهر عادة "صناديق رمضان" وتوزيع ملابس العيد على الأيتام.

وتنساب المائدة التركية في رمضان كقصيدة قديمة، تتناغم فيها النكهات مع التاريخ لتشكل طقسا لا يكتمل إلا بحضور سلطان المائدة وهو الحساء، فالمطبخ التركي يزخر بأكثر من مائتي نوع من الحساء، لا يبدأ الصائمون فيه إفطارهم دونه، خاصة حساء العدس و"الإزغولين" الممزوج بالبرغل. ولعل المعلومة التي قد تدهش الكثيرين هي أن الأتراك يقدسون "حساء الأمعاء" (الكرشة) و"الكوارع" ليس فقط لمذاقها، بل لإيمانهم العميق بقدرتها الفائقة على تعزيز المناعة وحماية الجسد، وهي نصيحة تتوارثها الأجيال وتزداد رواجا في الأزمات الصحية، حتى أن سعر عبواتها الجاهزة قد يفوق سعر المكونات الطازجة أضعافا، تقديرا لسر صنعها الذي يبعث الدفء في الأبدان المتعبة من الصيام.

 Ozan KOSE / AFP
إفطار جماعي في ساحة السلطان أحمد بإسطنبول مع الجامع الأزرق في الخلفية، 13 أبريل 2021

وفي لفتة ذكية تعكس خصوصية المطبخ التركي، يميل الأتراك في بداية إفطارهم إلى مائدة تشبه الإفطار الصباحي المعتاد، حيث يبتعدون عن الدسامة والنشويات الثقيلة في الدقائق الأولى، ليفسحوا المجال لطبق الأجبان والزيتون والمكسرات الذي يمد الجسد بالطاقة والفيتامينات بلطف وسلاسة. ومن عبق القصور السلطانية، انتقلت عادة تناول البيض الممزوج بالبسطرمة إلى موائد العامة، وهي سنة عثمانية قديمة كان يحرص عليها السلاطين، حيث كان "البيض بالبصل" ركيزة أساسا لا تغيب عن مائدة الإفطار في سرايا الحكم، لتتحول مع الوقت إلى رمز اجتماعي يجمع بين البساطة والرقي الملكي.

يبقى رمضان في تركيا رحلة تذوق تبدأ بقطرة حساء وتنتهي برشفة شربات، وتختصر قرونا من الحضارة والجمال

أما رائحة رمضان في تركيا، فهي بلا شك رائحة خبز "البيدا" الذي يخرج من الأفران ساخنا ليزين السفرة كضيف عزيز لا يظهر إلا في هذا الشهر منذ القرن السابع عشر. وإذا كان خبز "البيدا" هو ملك المائدة، فإن حلوى "الغلاش" هي ملكة السهرة. فهذه الحلوى الرقيقة المصنوعة من رقاقات العجين والحليب وماء الزهر، ابتكرت خصيصا في القرن الخامس عشر لتقديمها الى الأمراء، لكونها خفيفة على المعدة ولا تتسبب باضطراب بعد يوم طويل من الصيام. ويختتم هذا المشهد البديع بالشربات العثماني الملون، المكون من الفواكه والتوابل، الذي كان المشروب المفضل للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي، ليبقى رمضان في تركيا رحلة تذوق تبدأ بقطرة حساء وتنتهي برشفة شربات، وتختصر قرونا من الحضارة والجمال.

font change