الحرب الروسية الأوكرانية تكشف وجها جديدا لأزمة مقاومة المضادات الحيوية

حرب تكسبها البكتيريا...

Grace Russell
Grace Russell

الحرب الروسية الأوكرانية تكشف وجها جديدا لأزمة مقاومة المضادات الحيوية

في فبراير/شباط 2022، وصلت الخلافات بين روسيا وأوكرانيا إلى ذروتها، وانتهى الأمر باندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، وتسللت اضطرابات الحرب إلى أروقة المستشفيات ودور الرعاية التي قصفت في أوكرانيا، مما أدى إلى حالة من الفوضى.

تفاقم الوضع بانتشار التلوث وزيادة أعداد الجرحى مع عدم توافر الرعاية الصحية الكافية التي تضمن للمصابين الحصول على العلاج اللازم، ومحدودية الموارد الطبية والضغط الشديد على المستشفيات المتاحة، خاصة المستشفيات الميدانية في مناطق الحرب، مما أدى إلى ضعف تطبيق إجراءات مكافحة العدوى. وساهم الانتقال الدائم للجرحى في الحرب في أوكرانيا بين مستشفيات متعددة، في انتشار العدوى بالبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

لكن المخاوف لم تنته عند هذا الحد، بل انتقلت تلك المشكلة إلى دول أخرى عبر المصابين من طريق الإخلاء الطبي أو السفر، إذ لم تعد الحرب في أوكرانيا أزمة إنسانية فقط، بل امتدت ليكون "انتشار عدوى للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية" من أكبر المشكلات العالمية. لكن كيف تطور البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية؟ وما تأثير بيئة الحروب على اتساع نطاق انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية؟

كائنات مقاومة

تبدأ القصة قبل ما يزيد على 3.5 مليار سنة مضت، عندما كانت أشكال الحياة على الأرض في أبسط صورها. البكتيريا، تلك الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، تقاوم منذ أن ظهرت في بيئة شديدة التنافس على الموارد المحدودة، مدفوعة بغريزة البقاء.

ولكي تبقى، عليها قتل منافسيها وتطوير آليات دفاع ومقاومة تساعدها في التكيف مع المتغيرات البيئية من حولها، مما جعلها أحد أنجح أشكال الحياة على سطح الأرض رغم دقة حجمها وبساطة تركيبها الذي يتكون في العادة من خلية واحدة فقط، فهي أقل سماكة من شعرة رأس الإنسان بما قد يزيد على 100 مرة. بالرغم من ضآلة حجمها، إلا أن قدراتها التطورية مذهلة.

يمكن البكتيريا أن تنقل جينات مقاومة للمضادات الحيوية داخل المريض نفسه في أثناء العدوى، ويتم ذلك عبر وسائل متعددة، مثل الاقتران البكتيري أو ما يسمى بالنقل الجيني الأفقي. 

هناك العديد من الاستراتيجيات التي تستطيع البكتيريا من خلالها مقاومة المضادات الحيوية، من بينها الطفرات، التي تنشأ غالبا عند تكاثر البكتيريا، إذ تنقسم الخلية الواحدة خليتين. وخلال تلك العملية قد تحدث أخطاء في الحمض النووي، تلك الأخطاء تسمى طفرات، وهي تشير إلى التغيرات الجينية.

وقد تكون بعض الطفرات مضرة للبكتيريا، إلا أنها في بعض الأحيان قد تكون وسيلة للبقاء، وتكسبها مميزات تجعلها أكثر قدرة على مواجهة الظروف المحيطة التي لا تستطيع الأنواع الأخرى مواجهتها.

كما يمكن البكتيريا أن تنقل جينات مقاومة للمضادات الحيوية داخل المريض نفسه في أثناء العدوى، ويتم ذلك عبر وسائل متعددة، مثل "الاقتران البكتيري" أو ما يسمى بـ"النقل الجيني الأفقي".

آليات دفاع بكتيرية

هذا يعني أن مقاومة المضادات الحيوية، لا تكون فقط قبل العدوى، بل يمكن أن تنمو المقاومة داخل الجسم المريض، وتنتقل إلى البكتيريا الأخرى الموجودة بالفعل في الجسم، مما يصعب علاج المرض.

وتلك التغيرات الجينية تمكن البكتيريا من بناء مقاومة ضد المضادات الحيوية من خلال استراتيجيات عدة. على سبيل المثل، قد تطور البكتيريا جينات تجعل أغشية خلاياها أكثر سماكة، فتعمل كحواجز تمنع المضاد الحيوي من الدخول.

REUTERS
عامل مختبر يبحث عن سلالات من بكتيريا الإشريكية القولونية في خلايا نباتية موضوعة في طبق بتري، في لا موجونيرا بالقرب من ألميريا في جنوب شرق إسبانيا، 2 يونيو 2011

فيما تتمكن أنواع أخرى من البكتيريا من تطوير آليات دفاع تسمى بـ"مضخات الطرد"، تطرد الجزيئات غير المرغوب فيها من داخل الخلايا البكتيرية. وفي بعض الأحيان عندما يكون المضاد الحيوي قويا، يمكن البكتيريا إجراء بعض التعديلات التي تجعل المضخات أكثر كفاءة أو تزيد أعدادها ما يزيد كفاءة التخلص من المضاد الحيوي.

وفي أحيان تستهدف المضادات الحيوية أجزاء معينة داخل الخلية البكتيرية، وترتبط بذلك الهدف، مما يجعل المضاد الحيوي يعمل بكفاءة. لكن مع تطوير البكتيريا للمقاومة في تلك الحالة، فقد تغير شكل الجزء المستهدف، فلا يعود المضاد الحيوي قادرا على الارتباط بهدفه من جديد. وهناك استراتيجيا تستخدمها بعض أنواع البكتيريا أيضا، وهي استهداف المضاد الحيوي نفسه.

بعض المهاجرين لديهم معدلات أعلى من حمل بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية مقارنة بالسكان المحليين.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، تزداد حالات الوفاة المرتبطة بمقاومة المضادات الحيوية بوتيرة سريعة، وقد كانت مسؤولة عن 1.27 مليون حالة وفاة عالميا عام 2019، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن مقاومة المضادات الحيوية، ستكلف الرعاية الصحية تريليون دولار أميركي إضافي في حلول 2050.

لكن، هناك مخاطر أخرى تبرز بسبب انتشار السلالات المقاومة للمضادات الحيوية، خاصة في مناطق الحروب والنزاعات، حيث ينتشر التلوث وتضعف الرعاية الصحية وتزداد أعداد الجرحى والمصابين، وهناك تجد السلالات المقاومة للمضادات الحيوية متنفسا للنمو. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمكنها أن تنتقل مع البشر حاملي الأمراض من منطقة إلى أخرى عبر الإخلاء الطبي، داخل النظام الطبي نفسه، وهذا ما حدث في العديد من الحروب أخيرا.

خارج أرض المعركة

قبل حرب أوكرانيا بسنوات، اهتم الباحثون بدراسة تأثيرات بيئة الحروب على انتشار العدوى المقاومة للمضادات الحيوية. ففي يوليو/تموز 2018، نشرت مراجعة منهجية في دورية "ذا لانسيت إنفكشاس ديزيز"، حلل الباحثون خلالها نتائج لدراسات عديدة سابقة وأجروا تحليلا إحصائيا لدراسة ما إذا كان المهاجرون يحملون معدلات أعلى من العدوى المقاومة للمضادات الحيوية مقارنة بالسكان المحليين.

وخلصت الدراسة إلى أن بعض المهاجرين لديهم معدلات أعلى من حمل بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية مقارنة بالسكان المحليين. وأرجعت الدراسة أسباب ذلك إلى التعرض لعلاج غير منتظم وظروف السفر والإقامة المزدحمة وضعف أنظمة الصحة في بعض المناطق، وأكدت أن الهجرة بحد ذاتها لم تكن السبب، بل العوامل المرتبطة بها.

الحروب تتسبب في تدمير الأنظمة الصحية، إذ تستخدم المضادات الحيوية بدون رقابة محكمة في بيئة الحرب، فضلا عن الاكتظاظ في المخيمات والمستشفيات، وضعف إجراءات مكافحة العدوى

وفي عام 2025، نشرت مراجعة منهجية أخرى في الدورية نفسها، ركز الباحثون خلالها على مراجعة الأدبيات العلمية عالميا من عام 2015 إلى 2023، وجمعوا بيانات لنحو 16970 لاجئا وطالب لجوء، وخلصوا إلى أن لدى اللاجئين أو طالبي اللجوء احتمالا أعلى بنحو 2.9 مرة لحمل الأمراض أو الإصابة ببكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية مقارنة بالسكان في الدول المستضيفة. وانتهوا إلى أن اللاجئين غالبا يندرجون تحت فئة الأشخاص المعرضين لخطر ظروف المقاومة للمضادات الحيوية.

بالفعل، رصدت زيادات كبيرة من عدوى الكلبسيلة الرئوية وهي أحد الأنواع المقاومة للأدوية المتعددة، أي لا تستجيب لنطاق واسع من المضادات الحيوية. وعلى الرغم من أن تلك العدوى تنتشر بشكل طبيعي، إلا أن تداعيات الحروب الحديثة قد زادت وتيرة انتشارها.

وأظهرت دراسة منشورة في دورية "إنفكشان" في يونيو/حزيران عام 2023، أن هناك بعض المرضى الذين تم إجلاؤهم من أوكرانيا إلى ألمانيا يحملون عدوى شديدة المقاومة للمضادات الحيوية، بعد عزل عينات من 7 حالات إجلاء من أوكرانيا، مما يؤكد فرضية أن الأمراض تنتقل عبر الحدود، ولا تؤثر فقط على منطقة الحرب.

REUTERS
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يقلد جنديا أوكرانيا مصابا وساما في أحد المستشفيات بمدينة دنيبرو، في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا

تتفق دراسة أخرى منشورة في الشهر التالي، يوليو/تموز من العام نفسه في "إنترناشونال جورنال أوف إنفيكشس ديزيز"، أجريت على 5 حالات إجلاء من أوكرانيا أيضا، تلقوا العلاج في مركز طبي جامعي واحد في جنوب غرب ألمانيا بين يونيو،حزيران وديسمبر/كانون الأول 2022.

وخلصت الدراسة إلى إصابتهم بعدوى شديدة المقاومة للمضادات الحيوية، وخلال الدراسة خضعت عزلات البكتيريا المقاومة للأدوية المتعددة لتحليل ميكروبيولوجي شامل وتسلسل الجينوم الكامل. وكانت النتيجة انتقال العدوى خلال الرعاية الصحية الأولية في أوكرانيا.

وتوصي الدراسة بضرورة إجراء مراقبة شاملة لمسببات الأمراض المقاومة للمضادات الحيوية المتعددة لدى المرضى القادمين من مناطق الحرب بصورة عامة.

مخيمات اللاجئين تمثل نقطة تضخيم للعدوى، وفيها تزداد حالات مقاومة المضادات الحيوية، فبسبب الازدحام، تصبح الأمراض أكثر عرضة وأسرع في التفشي، بسبب صعوبة التمييز بين الحالات البسيطة والحالات الخطيرة

وتوثق دراسة أخرى منشورة في "جورنال أوف هوسبيتال إنفكشن" في عام 2024، تطور مقاومة المضادات الحيوية، وتقارن بين عزلات بكتيريا جروح الحرب في أوكرانيا في الفترة ما بين 2014 إلى 2020، وبعد بدء الحرب الروسية-الأوكرانية في الفترة ما بين 2022 إلى 2023. وشملت الدراسة 125 مصاب حرب و154 عزلة بكتيرية من الجروح، واستخدمت تحاليل حساسية للمضادات الحيوية وفحصوا التسلسل الجيني الكامل للبكتيريا، إضافة إلى تحليل للسلالات الجينية، ووجدت أن كل المرضى تقريبا كانت لديهم بكتيريا متعددة المقاومة.

لماذا بيئة الحرب؟

ليست أوكرانيا فقط هي بيئة الحرب الوحيدة التي لوحظت فيها حالة تفاقم البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، إذ أشارت مراجعة منشورة في دورية "نيتشر: بي إم سي إنفاكشس ديزيز" في ديسمبر/كانون الأول 2020، إلى أن الحروب تتسبب في تدمير الأنظمة الصحية، إذ تستخدم المضادات الحيوية بدون رقابة محكمة في بيئة الحرب، فضلا عن الاكتظاظ في المخيمات والمستشفيات، وضعف إجراءات مكافحة العدوى، وصعوبة متابعة المرضى وتوفير العلاج الكامل. كل تلك العوامل كفيلة بنشر العدوى المقاومة للمضادات الحيوية.

وقد أشارت دراسة أخرى منشورة في دورية "نيتشر: بي إم سي ماديسن" عام 2018، إلى أن مخيمات اللاجئين تمثل نقطة تضخيم للعدوى، وفيها تزداد حالات مقاومة المضادات الحيوية، فبسبب الازدحام، تصبح الأمراض أكثر عرضة وأسرع في التفشي، بسبب صعوبة التمييز بين الحالات البسيطة والحالات الخطيرة، فضلا عن فجوة النظام الصحي، الذي يعاني من نقص في الأطباء المدربين على تقييم سريع ودقيق.

وخلال المراجعة، جمع الباحثون بيانات من دراسات منشورة حول مقاومة المضادات الحيوية في منطقة الشرق الأوسط وحللوا بيانات من دول متأثرة بالحروب، منها سوريا، والعراق، واليمن، وفلسطين، ولبنان، وأخرى مستقرة نسبيا، في الفترة ما بين 2011 إلى 2018 وحللوا 132 دراسة سابقة، مع التركيز بصورة خاصة على أنواع مهمة من البكتيريا تتسبب بعدوى خطيرة في المستشفيات.

توفر الحروب بيئة مثالية لنمو البكتيريا، تلك الكائنات الانتهازية، ودعمها لتطوير آليات مقاومة ضد المضادات الحيوية

 ركزت المراجعة على بيانات أنواع معينة من البكتيريا المدرجة في النظام العالمي لمراقبة مقاومة الميكروبات ومضاداتها، وهي مبادرة مدعومة من منظمة الصحة العالمية، أطلقت عام 2015، لتجميع وتحليل ومشاركة البيانات المتعلقة بمقاومة المضادات الحيوية على مستوى العالم.

وخلص الباحثون إلى أن معدلات مقاومة المضادات الحيوية منتشرة في الدول المتأثرة بالحروب مقارنة بالمستقرة نسبيا، كما أشارت إلى أن معدلات مقاومة المضادات الحيوية مرتفعة في الشرق الأوسط.

REUTERS
مسعفون ينقلون الى المستشفى جنديا أوكرانيا أُصيب في اشتباك مع القوات الروسية قرب بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة

ولا تتوقف أزمة تفاقم عدوى البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية عند انتشارها فقط، بل تظهر تبعات اقتصادية واجتماعية أخرى. وفي هذا الصدد، حللت مراجعة علمية منشورة في دورية "كونفليكت آند هيلث" في أبريل/نيسان 2021، الدراسات المنشورة بين عامي 1990 إلى 2019، وركزت على تأثيرات مشكلة مقاومة المضادات الحيوية في الدول والمناطق المتأثرة بالحروب، وكذلك في الدول المستضيفة للاجئين، لفهم العبء الاقتصادي والاجتماعي الناتج من انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في تلك البيئة الصعبة.

وخلصت إلى أن مقاومة المضادات الحيوية تحمل عبئا اقتصاديا لا يستهان به، ويتضمن إقامة أطول في المستشفى وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية واستخدام أدوية أغلى وزيادة الحاجة إلى العناية المركزة. فضلا عن العبء الاقتصادي الذي يتمثل في فقدان القدرة على العمل وزيادة معدلات الوفاة والإعاقة، إضافة إلى الضغط النفسي والاجتماعي على المجتمعات والأسر. من ناحية أخرى، أشارت الدراسة إلى ان المعلومات المتوفرة في مناطق النزاع والحروب لا تزال محدودة بسبب ضعف أنظمة التوثيق وضعف إجراء أبحاث أثناء الحرب. كل تلك العوامل تساهم في زيادة نطاق انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

بذلك، توفر الحروب بيئة مثالية لنمو البكتيريا، تلك الكائنات الانتهازية، ودعمها لتطوير آليات مقاومة ضد المضادات الحيوية. فمع تصاعد تهديد مقاومة المضادات الحيوية عالميا، هل يمكن لكائن دقيق لا يرى بالعين المجردة أن يهزم البشر؟ تلك معركة البقاء التي تتصارع عليها الكائنات الحية منذ زمن طويل.

font change