مرصد الأفلام... كيف أعادت السينما كتابة ملحمة هوميروس؟

مرصد الأفلام... كيف أعادت السينما كتابة ملحمة هوميروس؟

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل مرتين في الشهر، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة، بالإضافة إلى إعادة تقديم فيلم من ذاكرة السينما الكلاسيكية. هذه الحلقة نخصصها لأبرز الأفلام المقتبسة أو المستلهمة من ملحمة "الأوديسا" بمناسبة انطلاق العروض العالمية لفيلم كريستوفر نولان الذي يحمل العنوان نفسه.

The Odyssey

سيناريو وإخراج: كريستوفر نولان

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة

لا شك في أن طرح فيلم جديد لكريستوفر نولان يعد حدثا سينمائيا في حد ذاته، بعدما تحول المخرج البريطاني الشهير إلى واحد من المخرجين القلائل حول العالم، الذين تستقبل أفلامهم بما يشبه الاحتفالات العالمية، وربما كان أكثرهم في ذلك. فعلى سبيل المثال، نجد أن تذاكر فيلمه الأحدث "الأوديسا" بيعت بالكامل قبل عرضه بسنة تقريبا، في سابقة لم يكن دافعها موضوع الفيلم الملحمي، بقدر ما كان الحدث المنتظر نفسه. وهو ما يمكن تلمسه في المشاهد المتداولة، من مختلف أنحاء العالم، راصدة الزحام الشديد أمام صالات العرض.

يتناول الفيلم قصة كفاح أوديسيوس ملك إيثاكا في العودة هو وجنوده إلى بلدهم بعد سقوط طروادة، في رحلة استمرت عشر سنوات، واجه فيها عددا كبيرا من المخاطر والمغامرات الخرافية، صيغت في صورة ملحمة شعرية للشاعر هوميروس التي تعد واحدة من أقدم وأشهر الأعمال في تاريخ الأدب، ناهيك عن صعوبة تلقيها وفك تفاصيلها ودلالاتها، وهنا تظهر أحد نجاحات الفيلم في تخففه من فلسفة الملحمة الإغريقية، واكتفائه بالإطار الدرامي العام للحكاية، الذي تطلب مدة زمنية تقترب من ثلاث ساعات (170 دقيقة)، غلب عليها إيقاع شبه لاهث، ومرور سريع على محطات الرحلة أو تجاوز بعضها. لعب مونتاج جينيفر لام دورا كبيرا في إحكام هذه الخلطة المتشعبة، وهي شريكة نولان في أفلامه الثلاثة الأخيرة بما فيها "أوبنهايمر"، الذي حصلت عنه على جائزة أوسكار أفضل مونتاج.

فرض نولان شروطا صارمة بمنع استخدام الأوركسترا التقليدية في الموسيقى التصويرية، مجبرا الفريق على بناء فضاء صوتي من آلات يونانية منقرضة

وكما هو الحال في معظم أفلامه، تولى كريستوفر نولان كتابة السيناريو إلى جانب الإخراج، كما شارك أيضا في إنتاج الفيلم عن طريق شركة "Syncopy" التي يمتلكها مع زوجته المنتجة إيما توماس. كذلك يتبع السيناريو طريقة سرد غير خطية، الأسلوب المفضل لنولان، والذي يتيح له الانتقال بالزمن والأحداث عبر التداعي الحر أو من خلال الاسترجاع. يواصل نولان في "الأوديسا" رهانه المعتاد على التصوير الواقعي، معتمدا على المواقع الطبيعية، والديكورات والمجسمات الميكانيكية الضخمة، مثل ظهور الوحش ذي العين الواحدة أو السفينة التي أبحرت بالفعل مارة بعدد من المدن، وما إلى ذلك.

The Odyssey

أما الرهان الأكبر الذي يغامر به نولان فيتمثل في تقنية "الآيماكس"، التي استعان بها في تصوير مشاهد الفيلم بكامله في سابقة جعلت شركة "آيماكس" نفسها، تتعاون معه في تطوير جيل جديد من هذه الكاميرات صنع خصيصا للفيلم، ما منح الصورة اتساعا بصريا مختلفا يتناسب مع روح الملحمة، التي حرص نولان على تشييدها عبر توليفة دسمة قد تصل أحيانا إلى حد الإرهاق، على المستويين البصري والسمعي، بما في ذلك المؤثرات الصوتية المغايرة، وإصراره على بعض التفاصيل التعجيزية أمام صناعها، كأن يفرض شروطا صارمة بمنع استخدام الأوركسترا التقليدية في الموسيقى التصويرية، مجبرا الفريق على بناء فضاء صوتي من آلات يونانية منقرضة.

ولعل من التفاصيل المؤثرة التي لم تحظ باهتمام كاف، مشاركة مهندسة الصوت المصرية العالمية هبة قدري في تنفيذ مرحلة "ماسترينغ" هندسة الصوت، للموسيقى التصويرية بالإضافة إلى أغنياته، في حضور عربي لافت داخل مشروع سينمائي بهذا الحجم.

رغم أن التجربة تراهن أيضا على إعادة إحياء متعة الذهاب إلى السينما، حيث لا يكتمل الفيلم إلا داخل القاعة، تبقى مشكلة فنية هامة تخص تقنية "الآيماكس"، وهي تقنية لا يوجد سوى ما يقرب من أربعين سينما فقط على مستوى العالم مؤهلة لعرضها، ما ينتج عنه فجوة كبيرة في الفرجة الكاملة، حيث تخفي صالات "آيماكس" العادية ما يزيد على 20 في المئة تقريبا من الإطار الأصلي للفيلم، أما في الصالات التقليدية فيسوء الوضع أكثر لما يقترب من 50 في المئة دفعة واحدة من الكادر. تقوم فلسفة الشاشات العملاقة في الأساس، على إدماج المشاهد داخل الفيلم، من حيث الحيز المكاني أولا ثم تأتي بقية المؤثرات، إلا أن التجربة الجديدة تتخطى هذا السحر، حيث تحيط الشاشة ملتفة الحواف بالمشاهد كليا، بزاوية ليس من المستبعد أن تمتد في المستقبل حتى تكتمل الدائرة، لتبتلع مجال الرؤية بأكملها، حينها، لن يكون أمام صالات العرض سوى الاستعانة بمقاعد دوارة تلقائيا لتلاحق حركة الصورة أينما ذهبت.

The Return

سيناريو: جون كولي، إدوارد بوند، بمشاركة المخرج

إخراج: أوبيرتو بازوليني

بلد الإنتاج: إيطاليا، اليونان، المملكة المتحدة، فرنسا

على نقيض البناء الكاتدرائي الضخم عند نولان، يأتي فيلم "العودة" (2024) للمخرج الإيطالي أوبيرتو بازوليني، الذي يتجاوز الجانب الأسطوري في رحلة "أوديسيوس" عبر البحار والوديان، ليركز على البعد النفسي لفكرة العودة، وهو ما نتابعه من خلال المشاعر الجديدة والمتباينة للزوجين، في معالجة أقرب إلى الدراما النفسية، تجلت بوضوح في الأداء المميز لبطلي العمل (رالف فينيس وجولييت بينوش) والمفارقة، أن عرض الفيلم التجاري بدأ بالتزامن مع أول إعلان رسمي العام الماضي عن مشروع "أوديسا" نولان.

ينزع "العودة" عن القصة الطابع الملحمي، لصالح تأسيس عالم درامي في بيئة أكثر واقعية، مستندا إلى السنوات الأخيرة من رحلة أوديسيوس

يكتسب فيلم "العودة" أهميته من الطريقة التي أعاد بها قراءة نص هوميروس من خلال منظر سينمائي ينزع عنه الطابع الملحمي، لصالح تأسيس عالم درامي في بيئة أكثر واقعية، مستندا إلى السنوات الأخيرة من رحلة أوديسيوس، الفترة التي لا تحظى كثيرا بالتركيز في معظم الاقتباسات، النتيجة، رحلة عكسية، تبحث فيما سيحدث للبطل بعد انتهاء المغامرة، وتستكشف آثار الحرب والفقد على من يخوضونها، مجبرين كانوا أو بدافع الواجب أو المجد.

The Return

يبدأ الفيلم بأوديسيوس وهو ملقى على شاطئ الجزيرة، في هيئة متسول بائس يخفي هويته الحقيقية ويمتلئ جسده بندوب الحرب، بينما يتولى مساعده رعايته حتى يشفى. يمنح هذا التنكر أوديسيوس فرصة مراقبة مملكته من الخارج، خشية من استقبال عودته وحيدا إلى إيثاكا بعد أن فقد الكثير من أبنائها تحت قيادته، وكأن المسافة بين البطل الأسطوري والإنسان الذي أصبح عليه تحتاج إلى اختبار جديد.

Ulysses

سيناريو : فرانكو بروساتي، إنيو دي كونشيني، بمشاركة المخرج

إخراج: ماريو كاميريني

بلد الإنتاج: إيطاليا، فرنسا، الولايات المتحدة

يمثل فيلم "عوليس" (1954) محطة من أهم المحطات في تاريخ اقتباس الملحمة التاريخية، قادها مخرج إيطالي مخضرم، امتلك خبرة كبيرة في السينما الشعبية، واستفاد من تقاليد أفلام المغامرات الإيطالية، ليقدم واحدة من أوائل المحاولات الكبرى التي منحت "الأوديسا" مشروعية التجسيد على الشاشة، وهي من أكثر الاقتباسات وفاء للنص رغم اختصار بعض الأحداث، حيث تتحول رحلة أوديسيوس إلى عرض بصري جمالي، نجح في المزج بين مفهوم الأسطورة، ومتطلبات الإثارة والإنتاج الضخم، لا سيما وقد صدر في فترة ازدهار أفلام المغامرات التاريخية.

نجح الفيلم في إبهار المشاهدين وقت عرضه، وظل يحتفظ بسحره لدى كثير من محبي السينما وعشاقها

لذلك لم يكن غريبا أن يتجنب السيناريو الغوص فيما وراء الأحداث ودلالتها، أو حتى تفكيك شخصية البطل نفسيا، مكتفيا بتقديمها وفق المعادلة المضمونة لصفات البطل التقليدي، محاربا ذكيا قادرا على تجاوز الصعاب والاختبارات، بما في ذلك مواجهة الوحوش والآلهة في طريق العودة إلى الوطن. لم تتوفر للفيلم بالطبع الإمكانيات التقنية الحديثة للمؤثرات والخدع البصرية، إلا أن ذلك لم يقف حائلا أمام عدد كبير من المشاهد المؤثرة، فنجح الفيلم في إبهار المشاهدين وقت عرضه، وظل يحتفظ بسحره لدى كثير من محبي السينما وعشاقها حتى مع مرور الزمن، وتقدم تقنيات السينما، يأتي في مقدمة تلك المشاهد مشهد انتصار أوديسيوس ورفاقه على العملاق ذي العين الواحدة "السيكلوب"، الذي يعد أحد أكثر المشاهد أيقونية في اقتباسات "الأوديسا"، يكاد لا يغيب عن أي معالجة سينمائية لاحقة أو سابقة.

ulysses

رغم أن "عوليس" ينسب رسميا إلى المخرج ماريو كاميريني، فإن كواليس إنتاج الفيلم حملت خلفيات متعددة، إذ ارتبط المشروع في بدايته بالمخرج الألماني جورج فيلهلم بابست قبل انسحابه، كما شارك مدير التصوير ماريو بافا في بعض الجوانب الإخراجية، دون أن يظهر اسمه كمخرج، كما تشير المصادر، وهو ما يفسر جزئيا لماذا يتمتع الفيلم بمستوى بصري أكثر تميزا من أفلام المغامرات الأسطورية في تلك الفترة، علاوة على أنه ربما يكون الفيلم الذي يعرفه الجمهور العالمي أكثر من معظم أفلام كاميريني الأخرى، بسبب المكانة الجماهرية لبطليه، كيرك دوغلاس وأنتوني كوين.

Troy

سيناريو: ديفيد بينيوف

إخراج: وولفغانغ بيترسن

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة، بلغاريا، مالطا، المملكة المتحدة

في مطلع الألفية الثالثة، كانت هوليوود تعمل على إعادة إحياء أفلام الملاحم التاريخية، النوع الذي تراجع الإقبال عليه منذ ستينات القرن العشرين، وذلك عقب النجاح غير المتوقع لفيلم "المجالد" (2000) إخراج ريدلي سكوت، الذي أعاد الثقة في أفلام "السيف والصندل"، كما يطلق عليها. من هنا بدأت موجة مكثفة من الأعمال التاريخية، ضخمة الإنتاج، في الانتشار على مدار هذه السنوات، يعتبر فيلم "طروادة" (2004) للمخرج الألماني وولفغانغ بيترسن، واحدا من أبرزها وأكثرها جماهيرية، حيث تعامل مع الحكاية الشهيرة لحرب "طروادة" بوصفها الحلقة التي تصل بين عالمي "الإلياذة والأوديسا" لهوميروس.

يتناول سيناريو فيلم "طروادة" أحداث المرحلة الأخيرة من حرب طروادة، مستندا في الأساس إلى "الإلياذة" في معالجة حرة، لكنه يتجاوز نهايتها المعروفة، ليضم أيضا سقوط المدينة وحيلة الحصان الخشبي، وهي الأحداث التي تشكل نقطة الوصل لاحقا مع بداية رحلة أوديسيوس في "الأوديسا"، الملحمة الثانية لهوميروس، يجسده في الفيلم الممثل شون بين، فيما يقوم براد بيت بتجسيد شخصية "أخيل" التي تطلبت منه تدريبا بدنيا شاقا ومكثفا على مدار عدة شهور، اضطر خلالها إلى الإقلاع عن التدخين، واعترف لاحقا بأنه كان مدخنا شرها، قبل هذا الفيلم.

راهن المخرج على تقديم الحرب بوصفها حدثا تاريخيا مجردا، فاختفت الآلهة من المشهد، وتراجعت الأسطورة لصالح تفسير إنساني وسياسي للحدث

كما مثل الفيلم أول اختبار ملحمي حقيقي لكاتبه ديفيد بينيوف، الذي كان ما يزال في بداياته السينمائية، قبل أن يحقق شهرته العالمية لاحقا بالمشاركة مع دي بي وايس، في ابتكار مسلسل "صراع العروش"، الذي يصعب تجاهل أوجه التشابه بينه وبين الفيلم، فكلاهما يقوم على شبكة واسعة من الصراعات والتحالفات المتقلبة والطموحات الشخصية، في عالم تتداخل فيه الحرب مع حسابات السلطة. اعتمد الفيلم في التصوير على مواقع طبيعية بمالطة، وسواحل كابو سان لوكاس بالمكسيك، إلى جانب بناء ديكورات ضخمة، لتبدو طروادة مدينة حقيقية أكثر منها فضاء أسطوريا.

troy

وقد راهن المخرج على تقديم الحرب بوصفها حدثا تاريخيا مجردا، فاختفت الآلهة من المشهد، وتراجعت الأسطورة لصالح تفسير إنساني وسياسي للحدث، في محاولة لإضفاء طابع واقعي على الملحمة الهوميرية، وتحويل الصراع إلى حرب بشرية خالصة، إلا أن ذلك أثار جدلا بين النقاد في تلقي الفيلم، حيث رأى البعض أن الفيلم نجح في صناعة مشاهد حرب ضخمة وشخصيات تاريخية جذابة، لكنه ضحى بجانب مهم من روح هوميروس المتمثل في لعبة القدر والغيبيات. الطريف، أن "طروادة" كاد يشهد أول اقتراب لكريستوفر نولان من عالم هوميروس فبعد نجاح فيلميه "Memento"، و"Insomnia"، عرضت عليه شركة "وارنر" تنفيذ المشروع الذي لم يكتمل معه، أو يفارق ذهنه، إذ ظل يحتفظ، كما يقول، طوال أكثر من عشرين عاما بصورة ذهنية لتنفيذ مشهد حصان طروادة، الذي أصبح فيما بعد واحدا من أبرز المشاهد المحورية في افتتاحية فيلمه "الأوديسا"، استعان فيه بمجسم خشبي ضخم يزن أكثر من ثلاثة أطنان.

2001: A Space Odyssey

سيناريو: آرثر سي كلارك، بمشاركة المخرج

إخراج: ستانلي كيوبرك

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة

لم يتوقف تأثير "الأوديسة" عند حدود الاقتباس المباشر فقط، بل امتد إلى عشرات الأفلام التي استعارت بنيتها أو أعادت قراءة أفكارها في أزمنة وعوالم مختلفة، حتى إن عدد الأفلام التي تقاطعت مع الملحمة يفوق كثيرا الاقتباسات المباشرة، منها القراءة الأميركية الساخرة التي قدمها الأخوان كوين في فيلم "O Brother, Where Art Thou?" (2001)، الذي ينقل رحلة أوديسيوس إلى أجواء الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، من خلال رحلة نتتبع فيها هروب ثلاثة مساجين للبحث عن كنز.

على الرغم من اختلاف هذا العالم ظاهريا عن عوالم هوميروس، يعد الفيلم من أذكى الاقتباسات غير المباشرة للملحمة، حيث نجح الأخوان في إعادة بناء "الأوديسا" في سياق معاصر، مستبدلين البحر بالطرقات الريفية، والرحلة الأسطورية برحلة هروب عبر الجنوب الأميركي، مع حضور إشارات صريحة إلى شخصيات ومواقف الملحمة، مثل السيرينات، والسيكلوب، ممثلا في رجل بعين واحدة، أو الزوجة التي ينتظرها البطل في نهاية رحلته.

رؤية تجعل من رحلة البشرية عبر الفضاء المجهول معادلا حداثيا لرحلة أوديسيوس، تتحول فيها البحار إلى فضاء كوني، والجزر المجهولة إلى عوالم جديدة

أما المخرج ستانلي كيوبرك، فيسحب عوالم الملحمة إلى مساحة أكثر تجريدا، في فيلمه الشهير"2001: ASpace Odyssey" (1968)، يتجلى هذا بدءا من العنوان، الذي يستعير اسم إحدى أشهر الرحلات في الأدب الإنساني، واضعا المشاهد منذ البداية، أمام رؤية تجعل من رحلة البشرية عبر الفضاء المجهول معادلا حداثيا لرحلة أوديسيوس، تتحول فيها البحار إلى فضاء كوني، والجزر المجهولة إلى عوالم جديدة، بينما يصبح البحث عن المعرفة وأصل الوجود، بديلا دراميا لفكرة العودة إلي الوطن، ولا تقف الإحالات عند هذا الحد، فحتى الكمبيوتر الخيالي "HAL 9000"، بعينه الحمراء الوحيدة، يستدعي صورة وحش السيكلوب الذي يقف حائلا أمام استكمال رحلة أوديسيوس.

2001: A Space Odyssey

يقدم الفيلم حالة فريدة من التأمل البصري للصورة المشبعة بالموسيقى التصويرية والمؤثرات، مع غياب ملحوظ للحوار، متيحا لمساحات الصمت التحدث بلغتها الخاصة، للدرجة التي تجعله يغامر، ولا يبدأ الحوار بين الشخصيات إلا في نهاية نصف الساعة الأولى تقريبا من الفيلم، حين نستمع لمضيفة الرحلة تتحدث لأول مرة. ربما لذلك، لم يحظ الفيلم عند عرضه بالاستقبال الذي يتمتع به اليوم، ويتحول إلى أحد أكثر الأفلام تأثيرا في تاريخ سينما الخيال العلمي. ولا شك في أن كيوبرك أسهم في تكريس هذه المكانة بتعمده عدم تقديم تفسير نهائي للعمل، مفضلا أن يظل الفيلم تجربة مفتوحة، يبحث كل مشاهد فيها عن قراءته الخاصة، لا سيما وأن مقصد الرحلة لشخصياته، لا يقتصر على مقصد بطل "الأوديسا" في العودة، وإنما العبور إلى مرحلة جديدة من تطور الإنسانية.

The Island of Calypso

سيناريو وإخراج: جورج ميليس

بلد الإنتاج: فرنسا

لم يكن الفن السابع بمعزل عن هذا الإرث الأوديسي، حيث اهتم بالأسطورة منذ البواكير الأولى في عصر السينما الصامتة، من خلال الفيلم الإيطالي "L'Odissea" (1911)، الذي تعتبره الكثير من المصادر، أول اقتباس سينمائي طويل ومباشر لملحمة هوميروس في تاريخ السينما، غير أن ثمة محاولة سابقة قليلا ما تذكر في هذا الشأن، هي الفيلم القصير"The Island of Calypso" (1905)، من إنتاج وإخراج وتمثيل ساحر السينما الفرنسية والعالمية جورج ميليس، والذي استلهم لوحتين من الملحمة، مجسدا لقاء أوديسيوس بالحورية كاليبسو، ثم مواجهته الشهيرة مع العملاق، وقد لجأ ميليس في تجسيد الوحش إلى حل بصري شديد الذكاء يتوافق مع الإمكانات المحدودة للسينما في ذلك الوقت، إذ اكتفى بإظهار أجزاء من جسده، اليد والوجه تحديدا، بدلا من تقديمه كاملا، ليخلق إحساسا بالرهبة، اعتمادا على خيال المشاهد أكثر من الاعتماد على ضخامة المجسم أو المؤثرات.

بدأ جورج ميليس مشواره الفني بتقديم عروض ترفيهية وفقرات من السحر وخفة اليد، على خشبة مسرح صغير يمتلكه، مع ظهور السينما عن طريق العروض الأولى للأخوين لوميير، تحمس إلى سحر الصورة، مستشرفا في هذا الاختراع الجديد آفاقا غير مسبوقة يستطيع توظيفها وتطويعها ضمن برنامج عروضه القائمة على الإيهام البصري، قبل أن ينجذب كليا نحو صناعة الأفلام، مسجلا الريادة في فنون الخدع والمؤثرات البصرية، التي أصبحت لاحقا من أساسيات الصناعة، من بينها توظيف النماذج المصغرة في خدمة السينما، كانت تستخدم في المسارح، أو تصوير المناظر من خلال الأحواض المائية.

استلهم ميلييس لوحتين من الملحمة، مجسدا لقاء أوديسيوس بالحورية كاليبسو، ثم مواجهته الشهيرة مع العملاق

كما أدخل تعديلات على ماكينة التصوير، وبرع في إعادة تدوير الآلات والأجزاء المستخدمة من قبل، وضمن ما يذكر له في الخدع السينمائية طريقة التقطيع، التي اهتدى إليها مصادفة أثناء التصوير حين تعطلت الكاميرا لبعض الوقت. صنع ميليس خلال مسيرته أكثر من 500 فيلم، يقال إنه اضطر إلى التخلص منها حين تراكمت عليه الديون وباع الاستوديو، قبل أن ينتهي به الحال بائعا في كشك بمحطة مونبارناس في باريس.

رغم ضياع جزء كبير من هذه التركة، فإن ما تبقى من أفلامه القصيرة جدا، كان كافيا لتخليد اسمه كأحد الرواد الفارقين في تاريخ السينما، فما زالت فلسفة الحيل البصرية، التي ابتكرها تعمل بنفس المنهج حتى اليوم، ولكن في صورتها الرقمية، وهو الإرث الذي استند إليه كريستوفر نولان وغيره من المخرجين، في إعادة تشكيل عوالمهم الملحمية والخيالية على الشاشة.

 

font change