تبدأ ملحمة هوميروس، في صيغتها الأصلية، من فم يروي لا من يد تكتب، أي أنها أساسا وليدة الشفاهي قبل المكتوب وقبل المصور، فهي وارثة الحكاية الإنسانية المتواترة والمتوارثة، القابلة لأن تنتقل على الألسن قبل أن تحفظ في الكتب أو تصوغها الآلة العصرية صورا. ولد النص الذي نعرفه اليوم بمسمى "الأوديسة" من ممارسة إنشادية جماعية "تعالج حداثة يغلب عليها الطابع الحربي" ألقت بظلالها على ملاحم وحكايات كبرى بما فيها "ألف ليلة وليلة" [التي] يظهر ببعض قصصها تأثر بالأوديسة" (صلاح فضل)، كما نتبين في مغامرات "السندباد البحري". وإنها حكاية/أسطورة ترحلت عبر الأجيال قبل أن تستقر في صيغتها المكتوبة بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد.
الشفهي والصوري
وحين يختار المخرج الأميركي كريستوفر نولان، في فيلمه "الأوديسة" (2026)، أن يفتتح عمله بمشهد رجل يقف على طاولة وسط قاعة وليمة، يروي حكاية لجمهور مندهش، فهو يعيد تمثيل اللحظة التأسيسية للنص نفسه، لحظة الإنشاد الشفاهي التي سبقت كل كتابة. الراوي الذي يجسده المغني تريفيس سكوت، والذي شارك في تأليف موسيقى الشارة الختامية وأدائها، يقيم جسرا استعاريا بين فن "الراب" المعاصر بوصفه امتدادا لتقاليد الإنشاد الشفاهي، وبين الملحمة الهوميرية بوصفها أرشيفا صوتيا قبل أن تصبح أرشيفا مكتوبا، تولدت عنه أساطير العالم الجديد.
هذا الاختيار وحده يكفي لوضع الفيلم في قلب سؤال جوهري يشغل الدراسات البينية للوسائط: ماذا يحدث حين تنتقل بنية سردية تكونت أصلا للأذن والذاكرة الجماعية إلى وسيط بصري تقني، رأسماله الأول هو الشريط المصور بمقاس 70 ملم وشاشة "الآيماكس" العملاقة؟
شاهدت الفيلم على شاشة عرض "الآيماكس"، حيث تحولت ضخامة الشاشة ذاتها إلى فاعل جمالي مندرج في التجربة السينمائية، يفرض على العين وضعية تلقّ مغايرة تماما لما تتيحه الشاشة التقليدية أو المنصة المنزلية. لا تكتفي هذه التقنية المستحدثة بتكبير الصورة، فهي تعيد صوغ شروط التلقي الجماعي للحكاية، وتقترب من نوع طقوسي من المشاهدة، تلك الحلقة الإنشادية التي أنتجت النص الأصلي.




