أوبير حداد والسرد على تخوم الحلم والكارثة

"ليلة القضاة" مجموعة تجول في متاهات الذاكرة والرغبة

 JOEL SAGET / AFP
JOEL SAGET / AFP
صورة بالأبيض والأسود للكاتب الفرنسي هوبير حداد خلال جلسة تصوير في باريس، 2016

أوبير حداد والسرد على تخوم الحلم والكارثة

يطل الروائي والشاعر الفرنسي ذو الجذور التونسية، أوبير حداد، بمجموعة قصصية جديدة بعنوان "ليلة القضاة"، تضم 13 قصة متفاوتة في النفس والسعة، تتضافر لتشكل تجربة إبداعية عصية على التصنيف.

في هذا العمل الصادر حديثا عن دار "زولما" في باريس، يواصل مؤلف "فلسطين" (زولما، 2007) ترسيخ صوته الخاص بنسجه فسيفساء إنسانية آسرة تذوب فيها الحدود بين الرغبة والفاجعة، ويتعانق الغموض بعزلة الكائن، ليجد القارئ نفسه أمام عالم ذي طابع سحري، يتماهى فيه الواقع بالحلم، وتتحول فيه كل لحظة — مهما بدت ضئيلة أو عابرة — إلى مختبر وجودي مفتوح على التأويل.

منذ الصفحات الأولى، يتشظى الزمن وتختل خطيته، إذ تتراكب أحداث الماضي مع الحاضر، وتتشابك الذكريات بالهلوسات، فيما تبدو الأمكنة ذاتها انعكاسا لما يعتمل في أعماق الشخصيات. ومن الأزقة المتاهية والقصور الغامضة، إلى أحياء الصفيح الوعرة والمحترفات المهجورة، يتحول كل فضاء إلى امتداد للروح، إلى مسرح تتبلور فيه المشاعر والهواجس.

أما الكتابة نفسها، فتحث القارئ، بكثافتها الشعرية، على الغوص داخل عالم ذهني معقد، حيث الاستطرادات والأحاسيس والصور ليست عناصر تزيينية، بل مكونات أساسية تسهم في تعميق الفهم الحميم لكل شخصية، وفي بناء شبكة من المعاني المتداخلة.

عوالم متشظية

داخل هذه المجموعة، ثمة قصص تتمايز بحدتها التعبيرية العالية وقدرتها على تجسيد الثيمات المركزية للعمل. ففي "سمكة فضية"، يلوذ طفل وحيد بغرفة الاستحمام هربا من شجارات والديه، بينما يتحول البيت الغريب، المشيد فوق منزل قديم، بما يحويه من أقبية وسراديب متاهية، إلى فضاء يعكس عزلته ويؤطرها.

هناك، يراقب الطفل حشرة صغيرة من نوع السمك الفضي، وحين يرافق والديه لزيارة جده المحتضر في دار للعجزة، يكتشف أن ذكريات الموتى تبقى نابضة عبر الأحياء، كحضور خفي يضفي معنى على الوجود.

في "إيزا على درب خلايا النحل"، يلتقي الراوي بامرأة متزوجة ومراوغة تدعى إيزا، خلال إقامة في نزل معزول. وبينما تتأرجح مغامرتهما الليلية الخاطفة بين الرغبة والدوار وإحساس غامض بتجربة مكررة، يبدو هذا اللقاء، المعلق كتحليق نحلة فوق خلية، تجسيدا لقدرة الزمن على التمدد أو التجمد، وعلى تعليق اللحظة في حيز يكاد ينفصل عن الواقع.

تبدو الأمكنة انعكاسا لما يعتمل في أعماق الشخصيات، كأن كل فضاء امتداد للروح

أما القصة التي تمنح المجموعة عنوانها، "ليلة القضاة"، فتنقل القارئ إلى منطقة سولونيا الفرنسية، وتحديدا إلى ملكية "غيه دي بورن"، حيث لقي جنرال سابق، انطوائي، مصرعه في ظروف غامضة. وهو مكان يفتن لوردا إسكتلنديا يدعى أليستر ماكروهان، بحيث يقرر الاستقرار فيه بعد سنوات. وبين رحلات صيد ملتبسة، وسرداب أثري، ودسائس محلية، تستكشف القصة هواجس الطبقة المخملية وأسرارها، جامعة بين دوار الخطر وجاذبية المجهول وما يلامس تخوم الخارق.

غلاف "ليلة القضاة"

وقائع قاسية

في قصص أخرى، يغوص حداد في وقائع أكثر قسوة. ففي "ليلة في سوهيلو"، يكابد طفل أعور من أجل البقاء في حي صفيح، وسط العنف والبؤس واللامبالاة. ومع أن الموت والظلم يتهددانه على مدار الساعة، يختبر لحظات من التضامن والحنان تمنحه نفحة أمل. ومن خلال هذه التجربة، تقدم القصة صورة دالة على صلابة الإنسان وقدرته على الحلم بعالم أكثر عدلا، حتى في أقسى الظروف.

في "تأريف وحدود"، تكافح امرأة تدعى لوسيل، بمعاونة رفيق دربها، من أجل حماية مكتبة فرنكوفونية في دوقية كبرى ترزح تحت حكم استبدادي ويستشري فيها القمع والرقابة. وعلى الرغم من اعتقالها بتهمة ترويج كتب محظورة، تواصل من داخل زنزانتها حماية الأدب والحفاظ على جذوة الفكر النقدي، ليعكس سلوكها قوة المقاومة الفكرية، وكيف يمكن الأدب أن يتحول إلى ملاذ وفعل صمود في مواجهة الهمجية والنسيان.

في "أمفياندرا"، يلتقي هانس بال، المثقل بعزلة قاسية وصدمات عميقة، امرأة فاتنة وصعبة المنال تدعى أمفياندرا. ومن خلال علاقتهما التي تتأرجح بين الرغبة والتأمل والانشغال الفلسفي، تستكشف القصة ذاكرة متشظية وسعيا دؤوبا إلى المعنى في عالم سديمي، حيث تغدو أمفياندرا رمزا للحياة والانفلات من القيود، وتجسيدا لتوق الإنسان إلى تجاوز الزمن واقتناص كثافة اللحظة.

أما "لا وطن في أي مكان"، فترسم ملامح مستقبل قريب تنهار فيه القارة الأوروبية تحت وطأة أزمات سياسية وبيئية وعسكرية متلاحقة. مستقبل يقاسي فيه الراوي مشقة البقاء بين الأنقاض، شاهدا على نزوح جماعي واسع النطاق، وفي مواجهة النزاعات العنيفة ونتائجها القاتلة، يتأمل الأراضي المهجورة والقصور المقفرة، مستشعرا فداحة الفقد وهشاشة المجتمعات الإنسانية.

ذاكرة وهشاشة

في هذه النماذج، كما في سائر قصص المجموعة، تنكشف تعددية التجربة الإنسانية، ويتداخل الحميمي بالجماعي، وتتقاطع الذكريات مع الرغبات الآنية، ضمن سبر لامع لأغوار النفس. فالذاكرة، سواء كانت فردية أم مشتركة، تحضر بوصفها عنصرا مركزيا: ملاذا وعبئا في آن، وجسرا يربط الأحياء بالغائبين، ووسيلة تمكن الشخصيات من فهم حياتها والعالم من حولها.

وبينما تدفع العزلة، المرتبطة غالبا بالطفولة أو الإقصاء الاجتماعي أو الأسر، إلى التأمل في الذات، وتخلق توترا دراميا حادا يتجلى في أمكنة مغلقة، متاهية، أو مهمشة، لا تظهر الإيروسية، سواء في اللقاء مع أمفياندرا أو إيزا، بوصفها عنصرا مجانيا، بل تتشابك مع الزمن والذاكرة والوعي بالهشاشة البشرية.

هكذا، تتحول التجارب الحسية إلى وسائط لملامسة كثافة اللحظة وتجاوز القيود الزمنية. وفي هذا التفاعل بين الرغبة والتأمل، يستكشف حداد ببراعة العلاقة بين اللذة والحميمية والتفكر في الوجود.

الذاكرة ملاذ وعبء في آن، وجسر يربط الأحياء بالغائبين

من جهتها، لا تؤكد الكوارث — الطبيعية والسياسية والاجتماعية — التي تعبر مجمل النصوص، هشاشة العالم فحسب. فبوضعها الشخصيات في مواجهة التاريخ الجماعي، والعنف، وإخفاق المجتمعات، والاختلالات البيئية، تعمق أيضا الإحساس بالدوار الوجودي، مذكرة بأن كل لحظة حياة هي ثمينة وقابلة للانكسار.

ويتعزز وقع هذه القصص بأسلوب حداد، الذي يتميز بكثافة شعرية عالية، بنزوع واضح إلى الاستطراد، وبقدرة على مزج السرد بالتذكر والتأمل الفلسفي. فالجمل الطويلة، ذات الإيقاع شبه التنويمي، تخلق تدفقا مستمرا يغمر القارئ في أحاسيس الشخصيات وأفكارها، بينما تسهم الاستطرادات، بوصفها عناصر بنيوية لا ثانوية، في تشييد العالمين الذهني والعاطفي، مانحة شذرات السرد تماسكا عضويا ومعنى متكاملا.

هكذا تتحول القراءة إلى رحلة داخل الوعي، حيث يشارك كل تفصيل، وكل ذكرى، وكل صورة، في تشكيل انطباع عن عالم دائم التحول.

 JOEL SAGET / AFP
الكاتب الفرنسي هوبير حداد خلال جلسة تصوير في باريس، 2016

شرط إنساني

أما الفضاءات، من أقبية وسراديب ومحترفات وقصور وأحياء صفيح، فتعزز بتنوعها الطابع الباروكي المتعدد للمجموعة، حيث تعمل كل قصة بوصفها شذرة تضيء الكل، فتسهم في بناء نسيج سردي متماسك، تتقاطع فيه الثيمات المعالجة ضمن حوار داخلي متواصل.

أبعد من حدود الأحداث المروية، تقارب هذه المجموعة الشرط الإنساني وعلاقات القوة داخل المجتمع. فالشخصيات غالبا ما تواجه أنظمة قمعية ومؤسسات تقيد الحريات وأوضاعا تتسم بالعنف والمراقبة، لكنها لا تكف عن السعي إلى صون إنسانيتها، سواء عبر الإيروسية، أو فعل الخلق، أو الإصغاء إلى تفاصيل العالم، أو من خلال المقاومة الفكرية.

هذه الجدلية الدائمة بين الهشاشة والقوة، بين الفوضى والجمال، وبين العزلة والنزوع إلى الكونية، هي ما يمنح المجموعة عمقها وكثافتها. فهي لا تكتفي بسرد حكايات لقارئها، بل تطرح أسئلة جوهرية حول الذاكرة والإدراك والزمن، وحول كيفية مواجهة الإنسان للفقد والرغبة والكوارث. كل قصة فيها، كل فضاء، كل شخصية، تعمل بوصفها مرآة للنفس، مقدمة للقارئ تجربة قراءة غامرة ومتطلبة، لكنها زاخرة بالانفعالات.

وبذلك تؤكد "ليلة القضاة" المكانة المتفردة لحداد في الأدب الفرنسي المعاصر، إذ تمزج بين الشعر والتأمل الفلسفي وقوة السرد، لتقدم نصوصا تسائل بقدر ما تأسر، فتصبح القراءة فعل مشاركة يدعى فيه القارئ إلى إعادة تركيب القصص، إلى الانغماس في شذرات الذاكرة، وإلى معايشة كثافة الحياة في تجلياتها المدوخة.

تتحول القراءة إلى رحلة داخل الوعي، حيث يشارك كل تفصيل في تشكيل عالم دائم التحول

في اختصار، يقدم حداد في هذه القصص الثلاث عشرة استكشافا لامعا للتجاذبات بين الحميمي والجماعي، بين الحلم والواقع، وبين الذاكرة والنسيان، من خلال شخصيات — خصوصا الأطفال، والوحدانيين، والعشاق، والمقاومين — تجسد ذلك السعي الدائم إلى المعنى والجمال، وضرورة الحفاظ على إنسانية الفرد في مواجهة الفوضى، فضلا عن القوة الخلاصية للرغبة والإبداع.

هكذا تغدو "ليلة القضاة" عملا شعريا، استبطانيا بامتياز، تتعانق فيه سيولة الزمن مع سطوة المشاعر لتشييد عالم فريد يرسخ في الذاكرة.

font change