ثمة أعمال أدبية لا تكتفي بسرد حكاية، بل تحفر في داخلنا حيزا تصبح فيه الكلمة ضرورة واستحالة في آن معا. النص المسرحي الجديد للكاتب اللبناني الكندي وجدي معوض، "قسم أوروبا"، ينتمي إلى هذه الفئة النادرة: فئة التراجيديات الحديثة التي تواجه وجها لوجه مفاهيم العنف، والنسب، والذنب، وتوارث الشر.
في هذا النص، الصادر حديثا في باريس عن دار "أكت سود"، لا يسعى معوض إلى التعزية ولا إلى الطمأنة، بل يكشف، يفتح، يجبر على النظر، وقبل كل شيء، يطرح سؤالا عميقا يبعث على الدوار: ماذا نفعل بما يسبقنا، بما يكوننا رغما عنا، بما يطاردنا من دون أن تكون لنا ذاكرة به؟
إنها مسرحية تنبثق من منطقة قصية في الذاكرة الإنسانية، تتشابك فيها الجريمة مع طبقاتها العميقة، والحب مع اللعنة، وتتحول اللغة نفسها إلى ساحة صراع بين الرغبة في البوح والعجز عنه.
بوليفونيا
لتشييد هذا العالم المأزوم، يبتكر معوض أصواتا متعددة، أوروبا وبناتها الثلاث (وديعـة، جوفيت، ميغارا)، وآسيا، وزكريا، تساعده في نسج بنية تراجيدية ذات كثافة استثنائية، يندرج العنف الفردي فيها ضمن سلالة جماعية، مظهرا كيف تتسلل جرائم الأمس إلى أفعال اليوم. وفي قلب الليل المصور، يبقى سؤال قائم، ملح: هل لا يزال في وسع الكلمة أن تنقذنا؟
ينتظم النص حول خطوط سردية عدة تنتهي بالالتقاء عند كشف تدريجي مروع. في المركز، تقف أوروبا، وهي امرأة مسنة تجمع بناتها الثلاث بعد سنوات من الهجر. وسرعان ما يتحول الفضاء العائلي إلى ساحة توتر. فاللقاء ليس حنونا ولا مهدئا، بل عنيف ومتشظ، يطغى عليه عدم الفهم والغضب.
بنات أوروبا يطالبنها بأجوبة، وهي تقاوم، قبل أن تستسلم وتكشف الحقيقة شذرة شذرة، فيطفو ماض فظيع إلى السطح. في طفولتها، كانت شاهدة ومتواطئة في مجزرة وقعت في وادي أكساي-جالي-هاندان، حيث أباد مجتمعها شعبا بكامله.
وفي لحظة مركزية لا تحتمل، تعترف بأنها أرشدت القتلة إلى المدرسة التي اختبأ فيها ثمانية عشر طفلا، فأطلقوا كلابا عليهم افترستهم ومزقت أجسادهم. فعل مؤسس، لا رجعة فيه، تحول إلى الرحم التي ولدت منها حياتها بأكملها، ومن هناك يبدأ انحدار المأساة.
تكفير
حين نهشها الذنب، حاولت أوروبا التكفير عن خطيئتها. لكن تكفيرها اتخذ شكلا وحشيا، إذ أقدمت على قتل أطفالها عند الولادة، واحدا تلو الآخر، وفق منطق تعويضي منحرف ("العين بالعين"). قتلت عددا منهم قبل أن تتوقف، عاجزة عن متابعة هذا المسار حين أنجبت وديعة، التي تركتها في مكب للنفايات.



