اللقاء بكاتب كبير قد يتحول أحيانا إلى لحظة تأسيسية: شرارة أولى تدفع من يحظى بها إلى معانقة الكتابة، وتحدد الأفق الذي سيحدق فيه لدى ممارسة هذا الفن، كما ترسم سقف الطموح الذي سيلتزمه في مسيرته الأدبية.
ينطبق ذلك، من دون شك، على الروائية الفرنسية أنييس كليرك التي، بعدما نشأت في ظل والد يكتب روايات تجسس، حظيت خلال دراستها الجامعية بفرصة التعرف إلى إميل سيوران، فانفتحت من خلاله على أعمال ليف شيستوف، قبل أن تلتقي لاحقا بجان جينيه وتنسج معه علاقة صداقة.
هذه المرجعيات الثلاث تحضر مثل خيط خفي في عمل كليرك الروائي، وينبغي إذن أن تبقى حاضرة في الذهن لدى قراءة هذه الكاتبة الفريدة التي لا تزال شهرتها دون المستوى الذي تستحقه قياسا بمهاراتها الكتابية والسردية، وبعمق النظرة التي تلقيها على زمننا.
يوميات كوكب صغير
لذلك، يشكل صدور روايتها الجديدة، "يوميات كوكب صغير جدا"، في باريس عن دار "أرفوين"، مناسبة ملائمة للتعريف سريعا بمحطات مسيرتها الروائية الخمس، قبل التوقف عند الأسباب التي تفسر احتلالها اليوم، من دون ادعاء أو سعي مقصود، موقعا خاصا ومتقدما داخل المشهد الأدبي الفرنسي.
انطلاقة كليرك في الكتابة كانت مع "النورس ذو العينين الزرقاوين" (2000) التي وضعتها عقب عودتها من البرتغال حيث أقامت بضع سنوات. رواية أبطالها شلة من المراهقين يعيشون في مرسيليا المعاصرة، لكنهم يستحضرون، في أكثر من ملمح، تلك الفتيات اللواتي يظهرن في الجزء الثاني من "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، الكاتب الذي خصّته كليرك بأطروحة دكتوراه في الفلسفة.
تبرهن كليرك على إمكان نقل اللغة المحكية لمراهقي جنوب فرنسا - كما فعل بازوليني مع مراهقي روما - من دون التفريط بعمق التأملات التي تسير على خطى بروست
وليس بول باربيرا من سيعترض على هذا التشبيه، فهو في الرواية أكاديمي ساذج إلى حد ما، يأتي إلى مرسيليا لمساعدة عمه في مؤسسة لترميم العقارات، فإذا بأولئك الفتية يتحولون تحت ناظريه إلى كائنات لا تقل غرابة ولا سحرا عن بطلات "في ظل الفتيات في زهرة العمر".
في هذا العمل الأول، تبرهن كليرك على إمكان نقل اللغة المحكية لمراهقي جنوب فرنسا - كما فعل بازوليني مع مراهقي روما - من دون التفريط بعمق التأملات التي تسير على خطى بروست. وفي الوقت نفسه، تثبت أن المرأة قادرة على فهم الشغف الذي قد يثيره فتى في قلب رجل.
بسبب مغادرتها فرنسا عام 1998 إلى الولايات المتحدة، حيث عاشت عشر سنوات، كتبت كليرك روايتيها التاليتين في هذا البلد. وفيهما تقدم صورة ملتبسة، مزدوجة المعايير، عن أميركا، توازن فيها باستمرار بين تعاطفها مع الأفراد ونقدها الحاد للقوى التي تتلاعب بهم.
مظاهر همجية
أحداث "تنين لوسون" (2001) تدور في شيكاغو المعاصرة، بين حرم جامعي، وحانات ليلية، وزنازين ينتظر فيها سجناء تنفيذ حكم الإعدام بهم. في الرواية تنين صغير يتوقف عن الأكل، وطالب شاب وسيم يناضل ضد عقوبة الإعدام، إضافة إلى "الألعاب" الاستفزازية التي تمارسها الراوية معه.
غلاف رواية "تنين لوسون"
وبين النضال ضد ما تعتبره آخر مظاهر الهمجية في الثقافة الأميركية، وتمزقات العشق، تتأمل الكاتبة في جملة من الحقائق التي نفضل غالبا إخفاءها لسبب بسيط: "الحقيقة ليست ناعمة الملمس"، بل خشنة مثل جلد تنين.
في رواية "فينيكس" (2004)، تقع جريمة قتل يذهب ضحيتها الشاب جو لافيرنا برصاصة يطلقها ياهتو، الكاتب والناشط البيئي. وقد يكون شون، طالب الصحافة الذي تقاسم السكن مع جو، الشخص الذي يمسك بمفتاح هذه المأساة.
انطلاقا من هذا الاحتمال، ومن خلال تقنية الاسترجاع الزمني (فلاش باك)، تُروى قصة شغف شون - المناضل ضد عقوبة الإعدام - بصديقه جو، ذلك الشاب الوديع المصاب بالتوحد، صاحب الهوية الجنسية الملتبسة.
شخصية ياتو الغامضة التي تجر جو إلى فعل استعراضي صادم، وحب جو لامرأة تعمل في مكتبة، وحيرة شون العاطفية، كلها عناصر تخلق مناخا آسِرا في أميركا هامشية وشاعرية.
في هذه الرواية، تكشف كليرك عن براعة فائقة في السرد، وكذلك في التحليل السياسي والسيكولوجي، من خلال تجسيد قوي لشخصيات لا تُنسى، ووصف غنائي شديد التعبير لولادة الحب، ولعنف الحياة اليومية للمحرومين في بلد ممزق بين المثالية والعمل السياسي.
روايتها الرابعة، "آل" (2008)، كتبتها لدى عودتها إلى فرنسا، وتروي فيها، بنبرة شاعرية ملهَمة، حياتها في مرسيليا، ثم في باريس، وبعدها في الولايات المتحدة، ضمن أوساط فناني الطلائع. سردٌ يمر عبر مرشح الكحول، وتتمكن فيه، بفضل أسلوب بالغ الابتكار، من محاكاة الإدراك المشوّه للواقع بفعل السكر أو التسمم الكحولي.
غلاف رواية "آل"
رواية تجريبية بامتياز، تمتزج فيها كلمات مستعارة من معاجم قديمة مع لغة شباب الـ"بانكس" العامية، ولغة الشعر الكلاسيكي، ولهجة مرسيليا، فضلا عن كلمات إنكليزية دخيلة وعدد كبير من المصطلحات التي ابتكرتها الكاتبة بنفسها.
مخيلة ماكرة
أما في روايتها الخامسة الصادرة حديثا، "يوميات كوكب صغير جدا"، فتتحدث كليرك، بحسب ناشرها، "عن حياتنا، لكن بتلك المخيلة الماكرة والمسافة الساخرة اللتين تتيحان لنا اكتشافها على نحو مختلف: حياة قاسية، لكنها، بطريقة ما، أكثر قابلية للعيش".
رواية أولى شديدة الفرادة، تتخذ فيها تجربة واقعية مزدوجة شكلا أدبيا لا مقنعا فحسب، بل لامعا ومؤثرا، يرتقي بطابعها السيرذاتي
لتحقيق ذلك، تتخيل الكاتبة، في قبو باريسي، رجلا من زمننا يروي نفسه، معزولا عن مجتمع استهلاكي يدعي التواصل. ومن حوله - هو الكوكب الصغير - تدور كوكبة من الشخصيات: مشرّد فيلسوف، مستشارة لطيفة في دائرة "فرنسا العمل" الرسمية، رفيق دراسة سابق ميسور الحال، "ماما نِت" (مقهى الإنترنت)، وخصوصا فتاة مراهقة، ابنة غريبة الأطوار لعالم الشبكات الاجتماعية.
على امتداد اللقاءات، هل سينفتح هذا الرجل على الآخرين، ولو على حساب فقدان ذاته؟ وحدها القصة تحسم هذا السؤال. وأثناء سردها، يرمق الراوي الأشخاص الذين يصادفهم بنظرة مشبعة بالتعاطف، لا تخلو من مسحة مرح خفيف. وكيف له أن يلومهم أو ينتقدهم؟ فكلما أصغى إليهم، بدا واضحا له – ولنا - أن كلا منهم لا يفعل سوى محاولة النجاة، بوسائل شاقة ومرتبكة.
ولا غرابة في ذلك، فالزمن قاس لا يرحم، والتهديد في كل مكان، بينما يبدو ذلك القبو على نحو مفارق، ملاذا واقيا، حيث لا تبدو الحياة أشد عسرا مما هي عليه بالنسبة إلى كوكب عطارد الصغير جدا، الذي يحب الراوي أن يرى فيه قرينا له.
حادّة ومفاجئة، كالعادة، تأتي كتابة كليرك في هذه الرواية دقيقة وأنيقة على نحو لافت. وبلمستها الواثقة، ترسم تفاصيل الحياة اليومية في زمننا بسخرية لا هوادة فيها وبصيرة حادة، من دون أن تقع في فخ الابتذال.
في مقدمته لهذه الرواية، يعترف رينيه دو سيكاتي، الذي نشر الروايات الأربع الأولى لكليرك في دار "سوي" الباريسية العريقة، قائلا: "حين أُسأل عن الكتّاب الذين أفتخر بنشر أعمالهم أكثر من غيرهم، أجيب من دون تردد: أنييس كليرك". وبما أن هذا الاعتراف يصدر عن أحد كبار الناشرين الفرنسيين المعاصرين، لا يمكن أخذه باستخفاف.
في هذه المقدّمة، يؤكد دو سيكاتي أن كاتبته المفضلة، بعد "رواية أولى شديدة الفرادة، تتخذ فيها تجربة واقعية مزدوجة شكلا أدبيا لا مقنعا فحسب، بل لامعا ومؤثرا، يرتقي بطابعها السيرذاتي"، واصلت مشروعها الأدبي بمزيج من السكينة والقلق، من الثقة والشك، مبتكرة في كل كتاب شكلا جديدا تتشابك فيه اليوميات الحميمة مع التخييل، والانزياح، والتكثيف، تماما كما يحدث في الأحلام.
كتابة تعلق في الذاكرة
عن طبيعة كليرك، يقول دو سيكاتي: "لم تكترث يوما بالحصول على موقع داخل الوسط الأدبي أو الأكاديمي أو الإعلامي، بل عبّرت دائما عن نفسها بحرية كاملة، مسلطة الضوء على النضالات الاجتماعية ولحظات من حياتها في عمل كتابي صيغت الأحاسيس فيه بتلك القوة المركزة التي يمتلكها الشعراء". ثم يضيف: "نتعرف إلى الكتّاب العظماء من خلال قدرتهم على وصف الأمكنة والأشخاص بالحدة نفسها".
الروائية أنييس كليرك
عن تجربة قراءتها، يقول: "حين ننتهي من مطالعة كتاب لها، يبقى في ذاكرتنا كقراء قدر كبير من الضياء. سواء تحدثت عن الفن المعاصر، أو السياسة، أو الحداد، أو شغفي الحب والصداقة، أو عن الحيوانات والحجارة والنباتات، أو عن السحر أو السفر، وسواء كانت كتابتها خطية أو تجريبية، فإنها تعمل على الكلمات والأحاسيس مثل صائغ ماهر. و"أناها"، على خلاف "أنا" كثير من كتّاب اليوم، ليست متمركزة حول الذات ولا كلية المعرفة. إنها شاهدة على التداخلات بين العالم والذات، منصتة إلى ذبذبات الحياة أكثر من اهتمامها بالعلاقات السيكولوجية. وفي ذلك، تتبع نهجا شعريا، من دون شك، لكنه أيضا فلسفي".
لا تخلو صفحة من جملة لامعة تفتح، بنبرتها غير المألوفة وصوغها المبتكر، رغم كونها أسيرة، في سرّها، لبؤس العالم الظاهر
أما عن روايتها الجديدة، فيلاحظ دو سيكاتي تأثّرها بــ"مذكرات من العالم السفلي" لدوستويفسكي، لكنه يسارع إلى الاستدراك: "باستلهامها شكل هذا العمل وروحه لمنح الكلام لراويها، لا تُسحق كليرك تحت وطأة المقارنة مع مرجعها الأدبي، لأن انتقال انتباهها من موقع القارئة إلى يقظة الكاتبة يتم لديها على نحو طبيعي وصادق تماما".
ويضيف: "إن التأمل والاستبطان عندها - حول اللحظات الحرجة في الوجود أو التجارب التي تجمع بين وعيها الاجتماعي وإنسانية العلاقات الشخصية - يسيران جنبا إلى جنب مع حسّ مراقبة يضارع ذلك الذي يتمتع به عالِم حشرات عطوف. إنها تسبر، لكن من دون وضع مسافة، لا مع نفسها ولا مع الآخرين. ولعل هذه هي سِمتها الأبرز".
وعن أسلوبها في روايتها الجديدة، يقول: "لا تخلو صفحة من جملة لامعة تفتح، بنبرتها غير المألوفة وصياغتها المبتكرة، رغم كونها أسيرة، في سرّها، لبؤس العالم الظاهر".
أنييس كليرك
في اختصار، لا يترك دو سيكاتي حجرا في صرح أنييس كليرك الروائي من دون أن يقلبه ويتفحصه في مقدمته. لكن الانفعال الذي يولّده نثر هذه الكاتبة يبقى فوق كل شرح، مهما بلغ من الدقة. وحدها القراءة تتيح بلوغه.